ماذا لو قامت حرب بين مصر وإسرائيل ؟

أحمد فاروق عباس
2024 / 2 / 12

احتمالات الصدام المصري الإسرائيلي تتزايد مع الاعلان الإسرائيلي عن غزو متوقع لمدينة رفح علي الحدود بين مصر وفلسطين ..

من غير المعروف ما هي النقطة التي تعتبرها مصر مسا جوهريا بأسس أمنها القومي والتي لا يصح السكوت عليها :

هل هو دخول القوات الإسرائيلية إلي مدينة رفح ؟
أم هل هو سيطرة إسرائيل على محور فيلاديلفي ، وهو آخر نقطة في أرض فلسطين وأول نقطة في الأرض المصرية ؟

وهل سوف تسمح إسرائيل - كما أعلنت - بفتح ممر أمن لسكان رفح والنازحين إليها ؟

وإلي أين سوف تكون وجهة هذا الممر الأمن ؟
هل شمالا إلي خان يونس ؟ أم عودة الفلسطينيين إلي مدنهم وقراهم شمال القطاع والذي تركوه منذ شهور ؟

أم هل كل ذلك مجرد ألعاب إسرائيلية أمريكية معتادة لتهدئة أعصاب مصر وإذا هدف إسرائيل الحقيقي هو دخول رفح ووضع الفلسطينيين تحت وضع يصبح توجههم صوب الحدود المصرية هو الأمل الوحيد الباقي أمامهم ؟!

سوف تكشف الأيام - وربما الساعات - القادمة عن كل ذلك ..

ولكن ما هو المتوقع في حالة صدام عسكري مصري إسرائيلي بسبب أحداث غزة؟!

إذا حاول الإنسان وضع تصور لما سوف يجري فأعتقد أنه لن يخرج بعيدا عن الخطوط العامة الآتية :

١ - كما هو معروف في كل علوم الحرب والإستراتيجية وعلوم الصراعات فإن الحرب يمكن بدءها ببساطة ، ومعرفة نقطة بداية قيامها لكن من المستحيل معرفة متي تتوقف وكيف وتحت أي ظروف ..

وبالتالى فإن حربا بين مصر وإسرائيل ممكن توقع حدوثها وموعده ، ولكن لا يمكن معرفة متي تنتهي - بعد أيام أو شهور أو سنين ... وكيف وتحت أي ظروف ؟

٢ - إن أي حرب حديثة تحتاج إلي مبالغ مالية طائلة ، قد تصل إلى عشرات المليارات ، وربما - اذا طالت الحرب - مئات المليارات ..
وإذا كان معروفا ومتوقعا من سوف يتحمل فاتورة الحرب على الجانب الإسرائيلي - وهو عادة من كان يتحمل تكاليف حروب إسرائيل منذ إنشائها - فمن غير المعروف من ستجد مصر معها - ماديا - في اليوم الثاني للحرب ، وخصوصا اذا طالت وزادت تكاليفها .. وهو المتوقع في أي حرب حديثة ..

٣ - إن لوجستيات الحرب أو الإمدادات الحربية عنصر رئيسي في أي حرب حديثة ، وإذا أخذنا بندا واحدا وهو توفير البترول للمعركة القادمة - لألاف الدبابات والمركبات والطائرات وغيرها - فمن غير الواضح كيف ستوفر مصر عنصرا واحدا من إمدادات معركة طويلة تحتاج إلي كميات كبيرة للغاية من البترول ..

ومصر دولة غير منتجة للبترول ، وهناك مشاكل في توفيره للاستخدامات المعيشية والمدنية العادية ، لكن كيف يمكن توفيره في حالة حرب ممتدة ؟

لقد عملت القوات المسلحة المصرية حسابها ليوم مثل هذا ، ومن هنا كان انشاء " شركة بترول وطنية " لامداد الجيش المصرى بالبترول في أوقات السلم ، وتخزين كميات منه تحسبا لقيام حرب ..
ولكن كم ستكفي تلك الكميات .. شهرا .. شهرين .. ثلاثة شهور ؟

والبترول متوفر في الدول العربية وزيادة ، ولكن هل ستعطيه لمصر مجانا في ظروف معركة تدافع فيها مصر عن نفسها وعن قضية فلسطين ، ام سيتحول إلي ديون طائلة يجب علي مصر سدادها بعد الحرب ..

وهل ستوافق أمريكا أصلا - ولها سيطرة علي إنتاج البترول في الخليج انتاجا وتسويقا ونقلا - للدول العربية المنتجة للبترول بامداد مصر - التي تحارب إسرائيل - بالبترول ..

وقد ذكرت البترول لأنه عنصر حاسم في أي معركة حديثة ، وقد كان من أهم أسباب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية هو نقص إمدادات البترول للجيش الألماني ، علي الرغم من صموده بقوة علي أغلب جبهات القتال ..

ومن هنا كان ترتيب ألمانيا لانقلاب في العراق عام ١٩٤١ - وهو انقلاب رشيد عالي الكيلاني ، يأتي برجل معروف بكراهيته للإنجليز الذين يحتلون العراق وقتها ومعروف أيضا بتعاطفه مع دول المحور ..

وكان امل الألمان وخطتهم أن يُستغل بترول العراق في حرب هتلر الطويلة ضد الحلفاء ، وعندما فشل الانقلاب كان مصير الحرب شبه محسوم للحلفاء مهما طالت ..

والبترول - في النهاية - مجرد عنصر واحد من إمدادات أي المعركة ..

٤ - علي من سوف تعتمد مصر سياسيا ودبلوماسيا ؟!
فالحرب ليست مجرد تصادم جيشين على أرض معركة ، بل هو - قبل ذلك وأثناء ذلك وبعد ذلك - صراع ارادات ، له جوانبه السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ، وتغطية موقف أي طرف مقاتل هام بنفس أهمية توفير السلاح له ؟!

٥ - إن إسرائيل ستجد فورا أمريكا وأوروبا الغربية وراءها في أي معركة مع مصر - أو مع غيرها - فمن ستجد مصر وراءها ؟ وما هو جهده في تلك المعركة ؟!

ومخازن سلاح حلف الأطلنطي سوف تكون تحت تصرف إسرائيل فورا ووراءها مقاتلين مدربين من أغلب جيوش الغرب ...

أليس ذلك هو ما يحدث في اوكرانيا بالضبط ؟!

إن أمريكا وأوروبا الغربية هي من تقف وراء أوكرانيا في حربها ضد روسيا ، وبعد عشرة أيام تقريبا - يوم ٢٤ فبراير - ستكمل الحرب سنتها الثانية وتدخل في السنة الثالثة ..

مع أن روسيا دولة عظمي عسكريا ، ودولة كبري اقتصاديا - هي الاقتصاد الأول في أوربا عام ٢٠٢٣ بعد أن تفوق اقتصادها في الحجم علي الاقتصاد الألماني - ومع ذلك روسيا تعاني من تلك الحرب مع دولة - المفروض - أنها ضعيفة عسكريا واقتصاديا مثل أوكرانيا ..

ولكن أوكرانيا ليست وحدها في المعركة ، مع سلاح حلف الناتو ، ومعها مليارات الدولارات بلا حساب من دول غرب أوروبا الغنية والولايات المتحدة ، ومعها دعم سياسي ودبلوماسي وإعلامي بلا حدود ..

وإسرائيل أهم واغلي عند الغرب من أوكرانيا مئات المرات ، فكيف يمكن أن نتوقع حجم الدعم العسكري والمالي والاقتصادي والسياسي والإعلامي لأي حرب تخوضها ؟!

٦ - ما هى النقطة التي تستطيع مصر عندها أن تقول أنها انتصرت في المعركة ؟!

طبيعي ان ذلك مرتبط بهدف مصر من المعركة ، والهدف - كما هو معروف - هو منع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء ..
وخسارة إسرائيل هو فشلها في هذا التهجير ..
فليس هدف الحرب إذن تحرير غزة مثلا كما يتوقع البعض ، أو ربما تحرير فلسطين كلها كما يتمني البعض الآخر ..

وهدف الحرب الواضح - بل شديد الوضوح - هو أول عوامل كسبها ، في حين أن هدف الحرب الغائم أو غير المحدد بدقة هو أول عوامل خسارتها ..

فهي موارد ستوضع على أرض المعركة ، وأسلحة معينة سوف تشارك ، وخطط محددة سوف تنفذ ، وتكاليف واحتياجات يمكن قياسها سوف توفر ...
وبالتالي فمعرفة ماذا يريد أي طرف من الحرب هو نصف طريقه إلي كسبها ..

٧ - علي مستوي الجبهة الداخلية المصرية .. يمكن أن أتوقع - ببساطة وسهولة - أن الإخوان المسلمين سيطعنون الجيش المصرى فى الظهر ، وسوف يكونون عونا لإسرائيل وخصما من قوة مصر ..

والإخوان المسلمين فرحوا بهزيمة مصر عام ١٩٦٧ فرحا كبيرا ، والشيخ الشعراوي - كما قال بنفسه وان كان اعتذر عن ذلك فيما بعد - صلي ركعتين حمدا لله علي هزيمة الجيش المصرى أمام إسرائيل !!
والشيخ الشعراوي كان متعاطفا مع الإخوان أيامها ، قبل أن يسترد عقله ووعيه بعد ذلك ويراجع نفسه ..

فرحوا بهزيمة مصر عام ١٩٦٧ ، وما زالوا يقولون - مع إسرائيل - أن مصر هزمت عام ١٩٧٣ أو علي الأقل لم تنتصر !!

والان .. يمكن توقع أن الإخوان سوف يخوضون حرب تشكيك في الجيش المصرى في اللحظة التي يدخل فيها الحرب ، وسوف يعملون كطابور خامس داخل البلاد ..

وتصرف الإخوان هذا ليس بلا مبرر ، فالجيش المصري هو عدوهم التاريخي داخل البلاد ، وأي شئ يمكن أن بزيحه من طريقهم - ولو بهزيمة من إسرائيل - هو في مصلحتهم ، وفيه إفساح الطريق لاحكام قبضتهم على مصر للأبد كما يتخيلون ..

ومن هنا تحرقهم الشديد على أي حرب يدخلها الجيش المصرى ، وخصوصا مع إسرائيل ، وهم يعرفون جيدا أن أمريكا لن تسمح بهزيمة إسرائيل تحت أي ظروف ، وبالتالي - طبقا لتصورهم - فهي فرصة العمر لهم للتخلص من أكبر منافسيهم ..

وهو ما حدث بالضبط مع جمال عبد الناصر في الماضي ..

لقد فشلوا - فشل الغرب ومعه الإخوان - في ازاحته بالضغط الاقتصادي ، ثم بعمليات الإرهاب ، ثم بالحرب النفسية والشائعات والأكاذيب ، ثم كان نهاية المطاف تدبير فخ له بالحرب مع إسرائيل التي قام الغرب بتسليحها حتي أسنانها ، من القنابل الذرية حتى وسائل الحرب الإلكترونية شديدة التقدم ، ومن طائرات الفانتوم إلي وسائل التجسس الحديثة ..

... هذه مجمل الظروف التي سوف تجد مصر نفسها فيها في حالة حرب مع إسرائيل ، وهاهي نوعية القرارات التي يجب علي القيادة المصرية اتخاذها ، ونوعية الخيارات المطروحة علي الطاولة أمامها لكي تقرر وتتصرف ..

وغدا الثلاثاء هناك اجتماع في القاهرة - كما نقلت وسائل الإعلام - بين رئيس المخابرات المصرية ورئيس المخابرات الأمريكية ورئيس المخابرات الإسرائيلية ..

وهي مفاوضات الفرصة الأخيرة ، التي سيكون بعدها علي كل الأطراف أن تقرر .. لملمة الموضوع وإيجاد وسيلة معينة لمخرج لما يحدث في غزة ..

أو أن تطلق الأطراف الكبيرة الرصاصة الاولي في حرب يعرف الجميع متي ستبدأ .. ولكن من المستحيل أن يعرف أحد كيف تنتهي ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت