نظرية العقد الاجتماعي 2

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 2 / 12

العقد الاجتماعي لروسو

في ’الخطاب الثاني‘، المنشور في عام 1755، استقصى جان جاك روسو في منابع اللامساواة الجلية داخل المجتمع. واعتبر أن حالة الطبيعة تُعبر عن وضع بدائي تماماً، مكان حيث لم توجد أشياء مثل حيازة ممتلكات وكبرياء وحسد وضغائن، لأن هذه الأشياء لم تصل البشرية إلا عندما بدأت تُشكل مجتمعات. وافترض أن البشر في حالة الطبيعة كانوا أحراراً، متساوون، ولديهم غريزتين أساسيتين: حِس فطري لحفظ النفس وشفقة نحو الآخرين. وعندما ائتلف البشر معاً في مجتمعات أكثر تعقيداً، عندئذٍ تراجعت معدلات وفياتهم. وبدأ يتملكهم السعي وراء المصلحة الذاتية وجمع الثروة. ومن ثَّم كان المجتمع بطبيعته فاسد وطبقي ومُفلس أخلاقياً. والبشر المتمدنون غير سعداء وأنانيون وغير أحرار. كل هذا يرسم صورة أكثر قتامة للبشرية.

مع ذلك لم يوصد روسو باب الأمل. وضَمَّنَ كتابه ’العقد الاجتماعي‘، المنشور في عام 1762، خططاً لمجتمع أكثر إنصافاً. في هذا المجتمع المثالي، كما تخيله روسو، لا ينبغي لأحد قط أن يبيع نفسه، ولا ينبغي لشخص ثري قط أن يُسمح له بشراء شخص آخر. ما يشغل حكومته المثالية هو الحد من تجاوزات اللامساواة (وهو يُقر باستحالة تحقيق المساواة المطلقة). يجب أن يعيش الناس في مجتمع قائم على التراضي ويبرمون عقداً اجتماعياً فيما بينهم، بهدف نهائي أن يكون ذلك المجتمع هو الخير العام.

يعتقد روسو أن الحكومة الأرستقراطية، أو بدقة أكبر، النخبوية (لأنه لا يقبل بطبقة النبلاء الوراثية) أفضل من الملكية (التي يمكن أن تصبح استبدادية) أو الديمقراطية (التي لا تستقر على حال بسبب تناحر الأحزاب). فالحكومة المثالية لدى روسو ليست نيابية، لأنه يعتقد أن من يحكمون ينبغي انتخابهم لكن للاضطلاع فقط بالمهام الإدارية، كوظيفتهم الأساسية. بينما الإرادة العامة هي التي تختار (بطريقة ما لم يوضحها) ما هو الأفضل للدولة ككل، وكل ما على الحكام فعله هو وضع هذه الإرادة العامة موضع التنفيذ. بهذه الطريقة يفصل روسو السيادة عن الحكم.

هكذا تُشكل فكرة الإرادة العامة أهمية حاسمة للعقد الاجتماعي لروسو. فالقوانين والحكومة القوية مطلوبة لإرشاد الإرادة العامة للناس حين قد تَضلُ السبيل خلافاً لذلك. بالنسبة لروسو، تُعبر الإرادة العامة عن محصلة توافق حيث يُضحي الأفراد بحرياتهم الشخصية الكاملة لتحقيق تالي أفضل خيار: ارتضاء قيد على الحرية الشخصية بهدف تفادي وضع لا توجد فيه حرية شخصية على الإطلاق. فالإرادة العامة، إذن، ليست مجرد مجموع إرادة كل فرد، بل هي أفضل مصالح المجتمع ككل. على سبيل المثال، إذا سُئلوا ما هي النسبة الضريبية التي قد يودون دفعها، قد يختار معظم الناس أقل نسبة ممكنة، حتى 0%. غير أن هذه النسبة قد تجعل من المستحيل على الدولة القيام بعملها، ولذلك تكون الإرادة العامة في هذه الحالة هي تنفيذ أفضل نسبة ضريبية لتمكين الدولة من تقديم الخدمات المطلوبة. بالنسبة لروسو، النتيجة المنطقية لهذه المقاربة هي أنه أينما وجدت الإرادة العامة، كان القرار الصائب. لكن بسبب هذه المعصومية، كما ذهب بعض المنتقدين، اكتسبت حكومة روسو سلطة هائلة بالنظر إلى تمكين الدولة، في المحصلة، من إجبار الناس على أن يكونوا أحراراً. من جانبه، يوضح روسو أن الأمر ليس بهذا السوء، بل إن ما يقع فعلاً هو أن الدولة تُعَلِّم مواطنيها كيف يضبطون أنفسهم، ومن ثم يصبحون أحراراً. ثم تضطلع الحكومة بوظيفتها الثانية، المتمثلة في تعليم الناس الحد من نزوعهم للتصرف بدافع المصلحة الذاتية.

وثَّمَة وظيفة ثالثة للحكومة هي حماية الممتلكات، التي يعتبرها روسو إحدى النواتج المؤسفة لنشأة المجتمع. فالممتلكات، التي ربما اكتُسبت بطريقة غير مشروعة في حالة الطبيعة، تحظى الآن بحماية القانون. وقد رأى روسو في ذلك غُبناً على هؤلاء من غير ذوي ممتلكات، ومن ثم يصبح العقد الاجتماعي أكثر فائدة بكثير للعناصر الثرية في المجتمع. مثل لوك، يقول روسو إنه في حال تعرض المواطنين لغُبن لا يُطاق، عندئذٍ يحق لهم الإطاحة بحكومتهم بالنظر إلى مخالفتها للعقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي، إذن، بعيد عن الكمال، لكن هناك فلاسفة آخرون كانت لهم اعتراضات أكثر جدية بكثير على فكرة هكذا عقد بحد ذاتها.

الإرث والانتقادات
لقد ترك النقاش الفلسفي حول ما كان يتمتع به الناس من حقوق في حالة الطبيعة أثره على الأفكار حول أي من تلك الحقوق ينبغي على الحكومات حمايتها، كما قد رأينا. ولم يقتصر ذلك على الناحية النظرية فقط بل شمل الممارسة كذلك. وقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية المثال الأوضح حين أعلنت المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر استقلالها وحررت دستورها الخاص والجديد بالكلية في عام 1789. كانت العديد من الأفكار المُضَمَّنة في هذا الدستور، وفي وثيقة الحقوق كذلك، مستوحاة من تلك الأفكار حول الحرية الشخصية والسعادة كما عرضها مفكرون من أمثل هوبز ولوك وروسو. وتأثرت بهذه الأفكار الجديدة حول العقد الاجتماعي والحكم عبر التراضي مجموعة أخرى من الثوريين كان على رأسهم متمردو الثورة الفرنسية (1789-1799). واستمر تأثير نظرية العقد الاجتماعي جلياً على النظرية السياسية الليبرالية والمحافظة على حد سواء.

لكن ذلك لم يَحُل دون تعرض فكرة العقد الاجتماعي لانتقادات جادة. إذ لم يصدق فلاسفة من أمثال ديفيد هيوم (1711-1776) وجيريمي بينثام (1747-1832) بوجود ما يسمى حالة الطبيعة أو العقد الاجتماعي قط. وعن ذلك قال هيوم:
"تقريباً كل الحكومات القائمة في الوقت الحاضر، أو التي يبقى لها أي أثر في سجل التاريخ، قد تأسست في الأصل، إما على أساس النهب أو الغزو، أو كليهما، دون أي ادعاء بتراضي مُنصف أو خضوع طوعي من جانب الناس." (جوتليب، 130)

وكان هناك مفكرون آخرون من أمثال فولتير (1694-1778)، ومونتسكيو (1689-1757)، وجيامباتيستا فيكو (1668-1744)، وآدم فيرجسون (1723-1816) لم يولوا أهمية تُذكر لفكرة العقد الاجتماعي بحجة أن البشر لا يمكنهم أصلاً الوجود خارج مجتمع من نوع أو آخر، الذي تُعد الأسرة أحد أهم أشكاله الأولية. على الجانب الآخر، قد يجادل بعض منظرو العقد الاجتماعي بأنهم لا يَعْنون أن شيئاً من قبيل حالة الطبيعة قد وجد فعلاً قط لكنهم مجرد يستخدمون هذه الفكرة، والفكرة حول عقد اجتماعي، لعرض وجهة نظرهم حول أفضل أنواع الحكم وأكثرها استقراراً. وقد نحى إيمانويل كانط (1724-1804) نفس هذا المنحى الافتراضي في تناوله لفكرة العقد الاجتماعي، قائلاً "إننا لسنا بحاجة إلى افتراض أن هذا العقد...يوجد فعلاً كحقيقة...بل هو...مجرد فكرة من بنات أفكار العقل، التي من دون شك لها قيمة عملية عظيمة...[لأنها] تمثل المعيار لاختبار صحة أي قانون" (جوتليب، 132).

وقد أورد هيوم انتقادات إضافية. أولاً، أنه حتى لو كان قد تم تحرير عقد اجتماعي ذات يوم بين المواطنين، فهذا لا يعني أنه ينبغي بأي حال على جيل اليوم أن يتقيد باتفاق من هذا النوع. لأنه "لا يمكن الافتراض الآن أن هكذا عقد بهذا القِدَم، وطرأت عليه تغييرات لا تحصى في الحكومات والأمراء، لا يزال يحتفظ بأي سلطة هذه الأيام" (جوتليب، 131). من جهتهم، يرد لوك وآخرون بالتصريح باعتقادهم أنه إذا ما قرر المرء أن يمكث في الدولة التي ولد فيها، فإنه بذلك يبرهن عن رضاه على حكومتها. لكن آدم سميث (1723-1790) قد بَيَّن أن هذه الحجة الضعيفة لتعريف الرضا باعتباره عدم الاحتجاج على غياب رضا المرء، يعني أنك إذا ما أُوتيّ بك على متن سفينة وأنت نائم ثم أبحرت السفينة في عرض المحيط، فأنت بذلك تبرهن عن رضاك على وجودك هناك حتى رغم عدم وجود مكان آخر لكي تذهب إليه. فالأرجح هو أن هيوم كان يود شرعنة مؤسسات الحكم ليس من خلال تصور اتفاق محدد عليها في الماضي من جانب المواطنين، لكن من خلال حقيقة أنها قد صمدت أمام اختبار الزمن لتتحول إلى تقاليد مصونة. وفي انتقاد آخر موجه لهيوم فيما يخص العقد الاجتماعي أنه لم يعتقد في أن الحكومة الفاشلة بررت للمواطنين التمرد عليها أو الإطاحة بها.

لقد شهد القرن التاسع عشر أفولاً في الاهتمام بفكرة العقد الاجتماعي. واتهمها بنثام أنها قد شتت الانتباه بعيداً عن طرق أخرى للنظر في قيمة القوانين (في حالته، كانت سعادة العدد الأكبر تمثل المعيار الرئيسي. وخَلُص فريدريك نيتشه (1844-1900) إلى أن جميع الحكام يستولون على السلطة ولا يتنازلون عنها أبداً طواعية. بينما رأى فلاسفة من أمثال جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770-1831) وكارل ماركس (1818-1883) في حالة الطبيعة، وبالتالي العقد الاجتماعي، مفاهيم عديمة النفع لأنهم اعتبروا الطبيعة البشرية كإحدى نواتج المجتمع، وهي حقيقة أثبتها علم الأحياء الاجتماعي. رغم ذلك، استمر مفكرون آخرون، خاصة جون راولز (1921-2002)، يجدون في مجرد فرضية العقد الاجتماعي (ما يسميه راولز "الوضع الأصلي") أداة مفيدة لتخيل ما هي بالضبط الحقوق والأنظمة السياسية التي قد يختار المواطن النزيه والعقلاني من تلقاء نفسه تأييدها إذا ما أُعطي له الاختيار وإذا لم يكن يعرف كيف قد يتأثر هو شخصياً بتلك القوانين. علاوة على ذلك، تستمر فكرة العقد الاجتماعي في توفير أداة مفيدة لمعالجة الهواجس المستمرة حول سبل التوفيق بين المواطنين ذوي الأهداف المختلفة ضمن نفس المجتمع وكيف يمكن حماية مصالح مجموعات الأقلية حين لا تَنْشد الأغلبية سوى حماية أنفسهم فقط.
________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.worldhistory.org/Social_Contract/

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا