إلّا التفاهة أعيَت من يداويها

حسين علي محمود
2024 / 2 / 12

قمة الوهم من يظن ان التفاهة هي سذاجة فطرية بلهاء بل تعتبر سلاح خطر على المجتمع، اذا ما استخدمت في انماط الحياة اليومية فهي مصيبة حقيقية وفاجعة تدمر اركان المجتمع وتنخر اساساته لما لها دور رئيسي في كساد العقل وتجميد الفكر الواعي
ان الإنسان التافه خطر على نفسه قبل أن يكون خطراً على الناس، فهو يحاول بكل اساليبه الاستحواذ على حياتهم وسلب اوقات متعتهم وحتى له تأثير كبير على حياة اطفالهم وانعكاسات الاساليب السلبية على تصرفاتهم الحياتية وذلك ما سيأثر على مستقبلهم
الأشخاص التافهون يحتاجون دائما إلى اهتمام الناس، حتى لو كان هذا الاهتمام بالإساءة لهم أو نقد تصرفاتهم، فمجرد الحديث عنهم يجعلهم يظنون أنهم محط اهتمام وانهم نالوا من الشهرة والمجد حتى لو كان ذلك مردوده سلبا عليهم، للأسف نحن في زمن، التفاهة فيه أصبحت أمر شائع، بل مطلوبة احيانا لتتمكن من التعايش مع من حولك من الناس

وكم كان صادقا الكاتب الكندي /آلان دونو/ في قوله :
"إن التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم في هذه الأيام، لقد تغير الزمن زمن الحق والقيم ، ذلك أن التافهين أمسكوا بكل شيء، بكل تفاهتهم وفسادهم؛ فعند غياب القيم والمبادئ الراقية، يطفو الفساد المبرمج ذوقاً وأخلاقاً وقيماً؛ إنه زمن الصعاليك الهابط".
وكلما تعمق الإنسان في الإسفاف والابتذال والهبوط كلما ازداد جماهيرية وشهرة".
اليوم ومع تطور التكنولوجيا حيث اصبح العالم يزخر بالثقافة والمعرفة والابتكار، لكن وللأسف يبدو أن هناك قوى خارقة مضادة تسعى إلى نشر الجهل والقرف والسطحية، فهذه القوى تعمد على استغلال مواقع العالم الافتراضي كأداة للتأثير على الجماهير والتحكم في اذواقهم وآرائهم، إذ ينبغي أن تكون هذه المواقع منابر للحوار الهادف والإبداع الفكري والفني لا أن تتحول إلى ساحات للتفاهة والعبث.

يقول الكاتب والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو

‏"أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً.
‏أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء ."

ان ما يحدث الان هو ترجمة حقيقية لكلام الكاتب امبرتو ايكو حيث انتجت لنا وسائل التواصل الاجتماعي مجتمعات فاشلة ونظام مجتمعي سيء اثر على جميع مفاصل الحياة التي تحولت من حياة عملية بتفكير حقيقي يعتمد على المنطق العلمي والفكر القويم الى حياة مادية، المال فيها اصبح كل شيء بغض النظر عن مصدره وسبل الحصول عليه
فهذه المواقع اصبحت سلاح خطر في تغذية مستنقعات التفاهة، بعد اختراع فكرة "نجوم تفاهة" في مواقع التواصل الاجتماعي كأداة للتسويق والربح
ومع تقدم التكنولوجيا اصبحت هذه المواقع مصدرا هاما لدخل الكثير من الأشخاص، سواء كانوا أفرادا أو شركات أو منظمات، وهذا الدخل يتوقف على عدد المشاهدين والمتابعين والإعجابات والتعليقات وهو ما جعل البعض يلجأ إلى استخدام الحيل والخدع والاسفاف كالعناوين المثيرة للجدل والصور المضللة والاباحية وحتى الفيديوهات المهينة للنفس والانسانية وتسقيط الآخرين ووصل الامر بالبعض الى تناول اعراض الناس بالباطل والكذب وكل هذه الحيل لجذب الانتباه وزيادة المشاركات(Share) والمشاهدات لتؤدي بعد ذلك الى زيادة الدخل المالي
من المحزن ان نرى مواقع التواصل الاجتماعي وبدعم من الجمهور نجحت في ترميز الشخصيات التافهة وتحويلهم إلى رموز حيث صار يمكن لأية جميلة بلهاء أو وسيم فارغ، أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين، عبرة عدة منصات في شبكة الإنترنت وأغلبها منصات هلامية وغير منتجة، لا تخرج للمجتمع بأي منتج رصين قيم صالح لتحدي ظروف الحياة وتدعيم اساس المجتمع مستقبلا
عندما سُئل الكاتب الروسي "أنطون تشيخوف"
كيف تكون المجتمعات الفاشلة ؟
أجاب ..
في المجتمعات الفاشلة ثمة ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية، تظل الغالبية بلهاء على الدوام، ولها الغلبة دائماً على العاقل.
فإذا رأيت الموضوعات التافهة تعلو في أحد المجتمعات على الكلام الواعي، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جداً .

نقطة نظام ..
من الهوان ان يكثر نموذج من الناس في مدينة عريقة كالموصل ليتبركوا ويتجمهروا حول شخصية كرتونية لا يذكر لها انجاز او هدف مجتمعي سوى الهرج والمرج على وسائل التواصل الاجتماعي ونفس النماذج لو سألتهم عن الشاعر الدكتور وليد الصراف والمرحوم واثق الغضنفري او اي شخصية مبدعة من المدينة، سيستخدمون الكوكل للبحث عن الاجابة، فهذه قمة مهازل الدهر

يقول الرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ ، و أَشرافَها ، و يَكرَهُ سَفْسافَها)

■ ان اهم اسباب انتشار النماذج الكرتونية الهزيلة وانزواء المثقفين والمفكرين في جانب الحياة المعتم بعيدا عن الساحة ..

▪︎ تدني الوعي الفكري والثقافي للناس حيث الاغلبية يلهثون بشكل فظيع وراء الفضائح والفيديوهات غير الهادفة والمحتوى المسيء ومواضيع الاسفاف الفكري فنحن من ندعم ونصنع اولئك المغمورين السذج
▪︎ تطور التكنولوجيا الحديثة وانتشار الهواتف الذكية ما ساعد على تعبيد الطريق والوصول السريع والسهل نحو الشهرة بعد ان كانت سابقا تحتاج مالا ووقتا اما اليوم فما هي الا لحضات والفيديوهات تصل الى كل نطاق في الشبكة العنكبوتية، مما اتاح الغث والسمين الانتشار بسهولة في الانترنت واصبح من السهل جدا صعود الشخصيات التافهة الطالحة في مواقع نجوم التواصل الاجتماعي وعلى نطاق واسع، ويا للأسف نعيش اليوم زمن الخواء الفكري والانصياع والضياع في اغلب مقتربات الحياة
▪︎ كذلك لا ننسى هوس المال الذي اصبح عصب الحياة المادية وغاية كبرى لغالبية الناس في المجتمع، إذ أن حيازة النقود بأي وسيلة ما يمثل الهدف الأعلى لجميع الأنشطة الحياتية لدى اغلب الأفراد والجماعات

■ كيف يمكننا مواجهة التفاهة والحد منها؟؟

▪︎ القضاء على وقت الفراغ الذي هو احد اسباب صناعة التفاهة
▪︎ التركيز الجيد على طلب العلم والمعرفة والتشجيع على الابتكارات التكنولوجية المفيدة للمجتمع
▪︎ الدعم الكبير في مجال الفن والثقافة، واشاعة التفكير النقدي البناء حيث يمكن الفنانيين والمبدعين إنتاج أعمال فنية وعلمية تتناول قضايا الحياة المهمة وتشجع المشاهدين والقراء على البحث عن المعنى والقيمة فيما يتعلمون ويستهلكون وتعزيز الحوار المفتوح والنقاش البناء حول المواضيع الهامة والتحديات التي تواجه المجتمع
▪︎ من الضروري جدا إعادة تقييم وسائل الإعلام التي تتصدر مرافق الحياة ومنظومة العالم الافتراضي التي تتناول مختلف الثقافات الشعبية واساليب الحياة اليومية والتأكد من أنها تعزز القيم الإنسانية وتدعم المفاهيم الاخلاقية والمنطقية بدلاً من تشجيع التفاهة
▪︎ ان المؤسسات التعليمية يمكنها ان تساهم بشكل كبير في مكافحة نظام التفاهة من خلال اعداد مناهج تعليمية علمية متطورة تركز على تنمية المهارات الأساسية والنقدية والفكرية حيث تساعد على التعامل مع المعلومات وفهم العالم الخارجي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت