نيتشه والطريق الثالث في الفلسفة

مصطفى الأحول
2024 / 2 / 12

" هذه الحرب الباطنية القائمة بين العقل والأهواء قد قسمت شداة السلام إلى قسمين: فمنهم من أرادوا الكفر بالأهواء ليصبحوا آلهة، وغيرهم أرادوا الكفر بالعقل ليصبحوا بهائم. ولكن لا هؤلاء ولا اولئك استطاعوا إلى ذلك سبيلا. فالعقل باق ابدا، يتهم الأهواء بالحقارة والجور، ويعكر صفو المستسلمين. والأهواء حية أبدا في الذين يريدون الإنصراف عنها."
(بليز باسكال ،خواطر،ص: 132،ترجمة ادوار البستاني.)
نيتشه في فلسفته لم يكن بهيمة ولا إلها. فاولئك،الذين أرادوا أن يصبحوا آلهة في نظره منحطين. أما غيرهم مما أرادوا أن يصبحوا بهائم أسماهم بالمنحلين. والمنحطين والمنحلين كلاهما مظهرين من مظاهر العدمية التي ما فتئ نيتشه محاربتها في كل أعماله.
ففلسفة نيتشه تجاوز لهذه المعضلة ففي كتابه أفول الأصنام ،او كيف نتعاطى الفلسفة قرعا بالمطرقة تجاوز السقراطية وورثة عرشها من أفلاطونية ومسيحية. باعتبارها حالة مرضية، لأنها مبنية على كبث الغرائز والأهواء وسيطرة محكمة لديكتاتورية العقل .وبالتالي كانت فلسفة انحطاط. فسقراط وضع الأهواء والعقل في طرفي نقيض. وانتصاره للعقل هو احتقار للواقع الفعلي وكراهيته للجمال والجسد على حد تعبيره ،الأمر الذي باركه أفلاطون في فلسفته، الذي جعل من الأهواء تعبير عن النفس الشهوانية التي تنحصر فضيلتها في إشباع الشهوة بإمتلاك الموضوع، فعدالة النفس حسب أفلاطون تقتضي إخضاع هذه الأهواء ومعها النفس الشهوانية إلى النفس العاقلة التي تتمثل فضيلتها في الحكمة والتأمل التي تضمن التوازن على مستوى النفس.
أما المسيحية فقد قامت بإخصاء الأهواء، حيث ربطتها على المستوى الميتافيزيقي بالخطيئة الأولى، فكانت الأهواء بذلك خطيئة ولعنة تعبر عن النقص في الطبيعة البشرية، وجب كبح جماحها والتنكر لها من أجل التكفير عن الخطيئة والدخول الى مملكة الرب." كل وحشي الطباع الواعظين تجمع أراؤهم على وجوب القضاء على النزوات، توجد أشهر عبارة في العهد الجديد في موعظة على الجبل: لم ترى الأشياء من عل اطلاقا_ قيل هناك على سبيل المثال – وينطبق هذا على الجنسانية- : إذا كانت عينك مصدر ذنب لك فاستأصلها ".2 الأهواء في نظر نيتشه ضرورة حياتية ، فااستأصالها أو اخصائها لن يوصل إلى السعادة كما ظن سقراط وأفلاطون، ولا طريقا موصلا إلى مملكة الرب كما ادعت الكنيسة.
كما أنه لا يدعو إلى تحرير الجسد بكل أهوائه ليبلغ أقصى درجات اللذة والمتعة كما يعتقد أصحاب النزعة الفوضوية، فذلك إنحلال." ليتكم كنتم حيوانات كاملة الحيوانية، ولكن الحيوان من شيمه الطهارة.إني لا أنصحكم بالعفة فهي فضيلة لدى البعض. ولدى الكثيرين تكاد تكون رذيلة."3 فالإنغماس في اللذة يضر أكثر مما ينفع، ويضعف الحياة أكثر مما يقويها، ويبقى الإنسان أسير الحياة البهيمية.
فطريق نيتشه ليس طريق الرفض لهذه القوى، بل هو طريق التصالح بينهما. وفي لحظة الصراع بين العقل والأهواء يجب عدم إختيار إحداهما على الأخرى ،لأن في ذلك كما يقول خطر الإنزلاق إلى هاوية الحماقة." لكل النزوات زمن مضرة، تجذب فيه ضحيتها إلى الأسفل بكل ثقل البلاهة، وزمن آخر متأخر جدا. تتآلف فيه مع الروح تتروحن."4 فبهذه الروحنة تجاوز نيتشه الفريقين والروحنة هنا ليست سوى تنظيم هذه القوى بدل تكفيرها وإقصائها. هذا هو طريق نيتشه الذي يقود إلى حياة مثمرة ومنسجمة ومتناغمة، الطريق التي تمكن الإنسان من المصالحة مع ذاته وتقبلها كما هي والعيش حياة أكثر كثافة وأكثر قوة لأنها أكثر تناغما." عندما يكون هناك تناقض وتعاون غير كاف بين النوازع الداخلية، يجب الإستنتاج بأن هناك نقصا القوة المنظمة أي نقص في الإرادة." 5
طريق نيتشه إذن هو طريق ثالث ،طريق التحرير المنظبط بثنائية الترويض والتسامي بالأهواء بإستحضار سلطة العقل المتأهب والمدرك كحتمية التوفيق بين الضرورة والحرية.والتي من خلالها تكون الحياة مثمرة، لأنها لا تهدف إلى تكفير القوى الحياتية. كما فعلت الفلسفة منذ عقد ميلادها الرسمي مع سقراط فصاعدا، بل تدعونا وتسمح لنا أن نصالح بين كل مكوناتها من باقي القوى.

"مصطفى الأحول"

----------------------------------------------------
1 بليز باسكال، خواطر ص:132, ترجمة ادوار البستاني
2- أفول الأصنام ،ص 31، ترجمة حسان بورقبة- محمد الناجي.
3 هكذا تكلم زرادشت،ص 52، ترجمة محمد الناجي.
4_ أفول الأصنام،ص 31، ترجمة محمد بورقية-محمد الناجي.
5_ إرادة القوة ص123 ترجمة محمد الناجي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت