نظرية العقد الاجتماعي

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 2 / 10

العقد الاجتماعي هو مجرد فكرة فلسفية مفادها أن البشر عند نقطة ما حقيقية أو مفترضة في الماضي غادروا حالة الطبيعة للعيش معاً وتكوين مجتمعات عبر الاتفاق فيما بينهم على ما سيتمتعون به من حقوق والطريقة التي سيتم بها حُكمهم. وكان الهدف من العقد الاجتماعي هو تحسين وضع البشر عبر إنشاء سُلطة أساسها التراضي تَحمي حقوقاً معينة وتُعاقب من يعتدون على حقوق الآخرين. ورغم إنكار بعض الفلاسفة لإمكانية أن يكون حدثاً من هذا النوع قد وقع أبداً، إلا أن الفكرة بحد ذاتها كانت جذّابة لبعض المفكرين، بخاصة خلال عصر التنوير، كطريقة لتبرير مشاركة المواطنين وإبراز مميزات أحد أنواع الحكم على الآخر.

حالة الطبيعة
تنطوي فكرة ائتلاف المواطنين معاً لتشكيل عقد اجتماعي على تَقَصيّ في الطبيعة البشرية ونوع الحالة التي كان عليها الناس قبل الدخول في هكذا اتفاق. هذه الحالة السابقة على نشأة المجتمع تُسمى في الغالب حالة الطبيعة. وينشأ العقد الاجتماعي حين يقرر الناس مغادرة حالة الطبيعة وحكم أنفسهم مع التقيد بقواعد معينة، التي تضمن حقوقاً معينة. وقد يضطر المواطنون إلى التخلي عن حريات فردية معينة حتى يتسنى لهم التمتع بحريات أخرى والأمن الشخصي.

مع أن هذه الفكرة قد راودت خيال الفلاسفة منذ القِدَم، غير أن ثلاثة مفكرين من عصر التنوير على وجه الخصوص هم الذين صنعوا من حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي فكرتين أصيلتين في فلسفتهم: توماس هوبز (1588-1679)، وجون لوك (1632-1704)، وجان جاك روسو (1712-1778). وربما هذه الأفكار لم تعرف طريقها إلى التحقق في الممارسة أبداً، لكن تظل حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي من المفاهيم المفيدة لتسهيل النقاش حول ما ينبغي أن يحتفظ به المواطنون من حقوق في المجتمع السياسي المعاصر وكيف ينبغي على الحكومات حماية تلك الحقوق. كما أن الأفكار حول حالة الطبيعة تُثري أيضاً النقاش حول الطبيعة البشرية، الذي يُفيد بدوره في التعرف على نوع الحكم الأكثر ملائمة لها.

العقد الاجتماعي لهوبز
بالنسبة لهوبز، لا يكترث البشر في حالة الطبيعة سوى بشيء واحد فقط، حفظ أنفسهم. ولما كان هناك، حسب هوبز، خوف أبدي من أن يوقع شخص ما آخر الأذى بالمرء، كان لزاماً على الناس استباق ذلك بإيقاع الأذى أولاً بالآخرين. وتؤدي هذه النزعة إلى حالة من الاحتراب الدائم أو ما يُسميها هوبز بدقة أكبر التهديد الأبدي بالعنف. هذه النظرة المتشائمة للبشر في حالة الطبيعة تُلخصها العبارة الشهيرة: "حياة الإنسان [كانت] انعزالية وفقيرة وقذرة ووحشية وقصيرة" (ليفياثان، الفصل 13). عندئذٍ اضطر البشر إلى التجمع معاً وتكوين مجتمعات لتفادي هذا المصير المروع. اتفق المواطنون على إبرام ’ميثاق‘ فيما بينهم (ليس بينهم وبين حكومة، وهي فكرة مختلفة). وتنازلوا بموجبه عن حريتهم المطلقة في حالة الطبيعة بهدف اكتساب حماية أكبر. لذلك تعين على الناس التخلي للدولة عن إرادتهم الحرة.

اعتقد هوبز أن المصلحة الذاتية الجامحة لدى البشر كانت تستلزم سلطة سياسية بالغة القوة، التي أسماها ليفياثان (على اسم وحش البحر في سفر أيوب في الكتاب المقدس) وكان عنوان أشهر أعماله، المنشور في عام 1651. هذه السلطة الأعظم، التي تصورها هوبز كملك مطلق الصلاحيات، ستعمل على تحقيق أفضل مصالح الكافة وتضمن اتباع الجميع لقواعد المجتمع. اعتقد هوبز أن النظام الملكي أفضل من القائم على الأرستقراطية أو الديمقراطية. غير أن هوبز يَحْصُر صلاحيات ذو السيادة على الأمور السياسية والقانونية لأنه لا يُحبذ إقحام الحكام لأنفسهم في مسائل أخرى مثل الفنون. هناك، إذن، حتى بالنسبة لهوبز، أمل في أن يتمكن البشر من العيش معاً في سلام نسبي، تحديداً لأن البديل هو الاحتراب المميت في حالة الطبيعة.

يقول المنتقدون لهوبز أن نظرته للطبيعة البشرية مفرطة في التشاؤم وأن حالة الطبيعة ليست بالسوء الذي يدعيه، وهو ما يعني أن هناك التزام أكبر بكثير يقع على عاتق المؤسسات السياسية لتوفير مجتمع أكثر إنصافاً وأمناً للعيش فيه، التزام أكبر ربما مما قَدَّره هوبز . ويقول آخرون أن الأمر برمته محض خيال على أية حال. ولا يزال آخرون يُبدون تشككهم في أنه لو كان البشر بهذا القدر الذي يدعيه هوبز من الانشغال بمصالحهم الذاتية، فهل كانوا حينئذٍ سيكترثون قط لإبرام عقد اجتماعي والتنازل طواعية عن بعض من حقوقهم؟ من جهته، يَدْفع هوبز بأن بعض الحقوق لا يتم التنازل عنها أبداً إلى ذو السيادة، على سبيل المثال يستطيع المواطنون رفض الامتثال لأوامر ذو السيادة إذا ما طالبهم بإيقاع الأذى البدني بأنفسهم أو تقديم شهادة ضد أنفسهم في ساحات القضاء. كذلك لم تروق فكرة هوبز عن العقد الاجتماعي للأرستقراطيين بالنظر إلى أنه وضع الجميع على قدم المساواة فيما يتعلق بحقوق مولدهم. وثَمَّة مجموعة منتقدة أخرى كانت المسيحيين الذين لم يرضيهم إصرار هوبز على أن المؤسسات الدينية ما كانت تمتلك الحق للتدخل في السياسة. وأخيراً، احتج أحد الفلاسفة المرموقين بأن الحياة بالنسبة للبعض تحت حاكم مُستبد، تحديداً بالنسبة لمجموعة أقلية، لم تكن تمثل تحسيناً على معيشتهم في كنف حالة الطبيعة. هذا المنتقد هو جون لوك.

العقد الاجتماعي لجون لوك
في عام 1689، نشر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ’رسالتان في الحُكْم‘، عرض فيهما فكرة أن البشر، في حالة الطبيعة، كانوا قادرين على العمل معاً باتباع القانون الكوني "لا ينبغي لأحد أن يؤذي آخر في حياته أو صحته أو حريته أو مقتنياته" (نقلا عن بوبكين، 77). ورغم اهتمام البشر بمصالحهم الذاتية، اعتقد لوك أن لدينا رادعاً ذاتياً طبيعياً. كما أننا نحتكم أيضاً إلى العقل لكي نضمن لكل واحد منا نصيباً من الخير العام. واختلف لوك مع قول هوبز أن الناس لم ينعموا بأي حقوق في ممتلكات في حالة الطبيعة، وهو ما يجعلهم حريصون على حماية هذا الحق في العقد الاجتماعي. إن الاعتداء على ممتلكات الشخص أو الانتقاص منها أو مصادرتها كان يعادل الاعتداء على ذلك الشخص ذاته، وهو ما جعل لوك يُدرج أيضاً الحق في الحياة والحرية الشخصية ضمن المصطلح الجامع ’ممتلكات‘. فالحقوق التي تمتع بها المرء في حالة الطبيعة يجب أن تُحفظ له في العقد الاجتماعي ولا يمكن أبداً سحبها منه (ما لم يقتضي الصالح العام ذلك). كذلك، لأن كل شخص يتمتع بحقوق مساوية في حالة الطبيعة، وجب أن يتمتع كل شخص بحقوق مساوية في المجتمع السياسي.

بالنسبة للوك، لأن الناس يُنشئون طواعية عقداً اجتماعياً، تصبح وظيفة الحكومة هي أن تخدم هؤلاء الناس وليس نفسها. الناس ينشئون الحكومات وبرضاهم لحماية حقوقهم. بالتالي يصبح الأفراد أكثر أهمية من المؤسسات. لم يشترط لوك إنشاء حكومة قوية كالتي اشترطها هوبز . واعتقد أن ’الناس‘ يجب أن يحكموا لسبب بسيط هو أن ذلك هو الأقل ترجيحاً بكثير لأن يُفضي إلى حكم سلطوي واستبدادي مقارنة بحكومة تخضع لملك منفرد أو مجموعة نخبة صغيرة. وأي حكومة لا تؤدي وظيفتها يمكن بمشروعية الإطاحة بها وتحرير عقد اجتماعي جديد. ولتفادي الخطر الحقيقي لأن تصبح الحكومات استبدادية، ينبغي أن يوجد فصل للسلطة بين التنفيذي (الملك)، التشريعي (غرفتي البرلمان العليا والدنيا)، والاتحادي (الذي يتعامل مع السياسة الخارجية). وثَمَّة فرع رابع، القضاء، حيث يَلقى كل من يخالف القانون جزائه. ينبغي على الحكومة تشجيع السلوك الخَيِّر في مواطنيها من خلال التعليم وإثابة النزوع الطبيعي لدى الناس نحو فعل الخير. وينادي لوك بالاعتدال في الآراء الدينية (باستثناء بالنسبة للكاثوليكيين لأنهم يدينون بالولاء لسلطة أجنبية، البابا) لأن هذه الأمور لا تمت بصلة لدور المرء كمواطن.

لقد أثر العديد من أفكار لوك بقوة على الآباء المؤسسين لدستور الولايات المتحدة الأمريكية، لكن ذلك لم يمنع من أن يُلاقي عمله بعض الانتقادات بجانب التي وجهت أيضاً ضد هوبز، أن حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي هي مجرد أفكار من صنع الخيال. كما لا يزال نظام لوك لا يوفر على ما يبدو حماية للأقليات، الذي يعني أن حالهم قد يكون بنفس السوء مثلما كان في حالة الطبيعة. وفيما يتعلق بالحقوق، لفت بعض المفكرين إلى أن العلاقة بين الحقوق والصالح العام غير واضحة. وأنها أحياناً لابد أن تتعارض (مثلاً، حقي في امتلاك سلاح خطير قد أُسيء استعماله لاحقاً للتعدي على حق الملكية لشخص آخر)، وهكذا تصبح بعض الحقوق غير مطلقة لكنها مُقيدة بشروط. ومنذئذٍ سينصب الجدل على ما هي هذه الشروط بالضبط التي تُقيد بعض الحقوق؟
________________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.worldhistory.org/Social_Contract/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت