سيرة وانفتحت في عام2024

كامل عباس
2024 / 2 / 10


(3)
تُعّد السيرة الذاتية جنس أدبي قائم بذاته وأنا أعدّها شخصيا من أجمل أنواع الأجناس الأدبية , ربما لأنها أمدتني في السجن هي والرواية بالمقاومة ضد ظروف سجني الطويل , واذا كان بعض النقاد يصنّفها في خانة الرواية ,فأنا أعتبرها اقرب الى جنس القصة القصيرة من الرواية , القصة القصيرة فّن سهل ممتنع كثيرون يطرقون بابه وقلة قليلة تجيد فيه .
ان السيرة الذاتية سواء كان كاتبها موهوبا ام لا, تضيف الى قارئها الكثير لكي يستخلص دروس وعبر من الحياة شريطة أن يكون الكاتب صادقا في سرد سيرته الذاتية .
نصحني أحد الأصدقاء بقراءة السيرة ذاتية للشيوعي البريطاني ايريك هوبزباوم * تتجاوز خمسمائة صفحة ربما لغاية في نفس يعقوب , أضاف الكتاب الى معلوماتي معلومة جديدة كون بعض كتّاب السيرة الذاتية يُزوّرون الحقائق قائلا : يوجد ما يسمى في الأدب رجل جيد ولكنه غبر موهوب ورجل سيئ لكنه قد يكون موهوب , واستشهد بتجربته.
ص 85 (قرأت عدة روايات سوفيتية من العشرينات لكن حين ذكرت امام اور - لفيدر ان روسيا تعاني من المشاكل بسبب تخلفها رد بخشونة الاتحاد السوفييتي فوق النقد..... أور لفليدر رجلا رأى نفسه في غير مكانه المناسب في البيئة البرجوازية لمدرستنا وقد نظم سيرة ذاتية له فيها الكثير من ........الخ.)
في الصفحة 127يصف الكاتب نفسه بهذه الكلمات : ايريك جون ارنست هويزبوم شاب طويل القامة ناحل الجسم قبيح الوجه اشقر الشعر . الخ
ما من شك في ان نصيحة الصديق كانت ممتازة بالنسبة لي رغم قناعتي بأن كتابا من خمسمائة صفحة لا يصلح لهذا الزمن - زمن السرعة- لكنه مفيد للسجناء لتمضية الوقت وانا منهم فإنني اعتبر نفسي حتى الآن خرجت من السجن الصغير الى السجن الكبير وقد سررت بقراءته كليا وأعتبر انه أفضل من وصف الحرب العالمية الاولى والثانية انسانيا و سياسيا.
و قد جرت معي طرفة إثناء قراءته فمن الفهرس وجدت فيه فصلا معنونا باسم العالم الثالث صفحة 443 و انتظرت بفارغ الصبر للوصول اليه لكنني أحبطت لأن العالم الثالث عند الكاتب هو أمريكا الجنوبية و لا يوجد فيه حرف عن عالمنا الثالث في الشرق الأوسط.
اما فصل - ستالين و ما بعده - فقد أزعجني ربما لأنني لم اعد شيوعيا. لقد وجدت في الفصل مدحا غير مبررا لستالين ابو الشوارب وابو الفقراء الخ.. ذكرّني الفصل بما جرى معي في بيت اخي يوما فقد اجتمع الأهل والجيران ليحضروا فيه مقابلة للفنان زياد الرحباني في قناة الجديد . عندما دخل زياد الى الاستديو دُهِشت المذيعة لان زياد يضع صورة ستالين على صدره وأبدت انزعاجها فأجابها :
شو بدك حط صورة ربيع الخولي!
انبريت انا لأقول: ربيع الخولي اشرف من ستالين
انزعج الحاضرون, خفت من الاصطدام معهم لذلك انسحبت من البيت رغم أنني كنت أتوق لسماع المقابلة .
و مع أن الكاتب متواضع و ليس مغرورا كغالبية الماركسيين الا انه لم يستطع ان يشكل صورة صحيحة عن فلسفة الليبرالية لان ايديولوجيا الشيوعية المعششة في مخه منعته من ذلك ,هو يصف أمريكا كتابه في بأنها دولة ديمقراطية ليبرالية و في ذلك خطأ كبير
ص 500 (مشكلتنا على الارجح تكمن في ان الامبراطورية الامريكية لا تعرف ماذا تريد او يمكن ان تفعل بقوتها ، او حدودها. فهي تكتفي بالإصرار على ان من ليس معها فهو ضدها. تلك هي البساطة المشكلة التي تواجه من يعيش في ذروة "القرن الامريكي" و نظرا لأنني في الخامسة و الثمانين من العمر فمن غير المرجح ان أرى حلّا لها.)
ان الليبرالية نظام سياسي متكامل يقف على رجلين- سياسيا واجتماعيا - تنمية اقتصادية واجتماعية عامة للجميع وحرية رأي
اما الديمقراطية فهي آلية في الحكم و ليست نظاما و لها سلبياتها و ايجابياتها و لكن اذا اقترنت الليبرالية بالديمقراطية أعطت أفضل الأنظمة
لقد عرفت امريكا فترة قصيرة نظاما ليبراليا على يد فرانكلن روزوفلت فعلا كما قال الكاتب لكن كل من كل من جاء بعده لم يكن ليبراليا .
ليست لا أمريكا الآن و لا فرنسا ولا بريطانيا ولا اليابان ولا كوريا الديمقراطية أنظمة ليبرالية ديمقراطية كما يصنفها الكتاب . انها أنظمة ديمقراطية فعلا و لكنها ليست ليبرالية .
يختم الكاتب كتابه بهذه الكلمات العميقة وذات الدلالة على صدقه كمناضل كبير في التاريخ .
(ومع ذلك دعونا لا نلقي السلاح . حتى في الزمن الرديء. فما زلنا بحاجة لإدانة ومكافحة الظلم الاجتماعي. و العالم لن يصبح مكانا أفضل من تلقاء ذاته.)
*- كتاب : عصر مثير ، رحلة عمر في القرن العشرين
المؤلف : ايريك هوبزبوم
المترجم : معين الامام
الناشر: دار المدى
طبعة اولى : 2007

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت