جدل في وعي الحياة

غالب المسعودي
2024 / 2 / 9

الوعي هو موضوع معقد ومحل نقاش في مجال علم النفس وعلم الأعصاب الحديث. يشير الوعي إلى القدرة على الإدراك والشعور والتفكير والتوجيه الذاتي. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من الجدل حول ما إذا كان الحيوانات لديها وعي مشابه للبشر أم لا. تاريخياً، كان الوعي مرتبطًا بشكل أساسي بالبشر والقدرات العقلية الفريدة التي يتمتعون بها. ومع ذلك، أظهرت الأبحاث العلمية أن بعض الحيوانات تظهر بعض السلوكيات التي تشير إلى وجود مستوى من الوعي لديها من بين الحيوانات التي تظهر أدلة على وجود وعي، تشمل القردة الكبيرة والدلافين والفيلة والفئران والطيور مثل الغراب. هذه الحيوانات تظهر قدرات معقدة مثل التعلم والحل المبتكر للمشكلات والتفاعل الاجتماعي والتعبير عن الشعور والذاكرة. يظهر بعض الحيوانات القدرة على التعلم من الخبرات السابقة وتكيف سلوكها واستراتيجياتها وفقًا للظروف المتغيرة. على سبيل المثال، الحيوانات قد تتعلم كيفية حل المشاكل المعقدة، وتستخدم الأدوات للحصول على الطعام أو لحل مشكلة معينة تظهر بعض الحيوانات سلوكيات اجتماعية تشمل التعاون، والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد، والتعبير عن الشعور والانفعالات المختلفة. على سبيل المثال، البعض من الحيوانات يظهر تفاعلات اجتماعية مع أفراد القطيع أو المجموعة، ويستخدمون إشارات بصرية أو صوتية للتواصل مع بعضهم البعض. بعض الحيوانات تظهر القدرة على التخطيط المستقبلي والاستشراف، حيث يتخذون قرارات استنادًا إلى توقعاتهم للأحداث المستقبلية. بعض الحيوانات قد تخبئ الطعام لاستخدامه في وقت لاحق، أو تخطط لمسارات تنقل معينة لتجنب الخطر بعض الحيوانات تظهر قدرة على الاسترجاع وتذكر الحدث والمعلومات من الماضي. يمكنها استخدام المعلومات السابقة لحل المشكلات الحالية واتخاذ القرارات الذكية. على سبيل المثال، الحيوانات قد تتذكر مواقع الأماكن الغذائية المعقدة. لكن الإنسان يمتلك قدرات عقلية فريدة تتجاوز التعلم والتكيف، مثل القدرة على التفكير النقدي والإبداع والتخطيط واتخاذ القرارات المعقدة والتواصل اللغوي والتفكير الأخلاقي والقدرة على تطوير الثقافة والمعرفة. ومع ذلك، قد يؤدي عدم القدرة على التعلم والتكيف في بعض الحالات إلى تحديات في التكيف مع البيئة والتحقق من النجاح الشخصي. يجب أن نتذكر أن القيمة الإنسانية لا تقاس بوظيفة الشخص أو قدرته العقلية فحسب، بل تقاس بالكثير من العوامل الأخرى مثل الأخلاق والتعاطف والتفاعل الاجتماعي والقدرة على إحداث تأثير إيجابي في المجتمع. يمكن أن يكون التعلم عملية طويلة ومستمرة، ويشمل الاكتساب المتعمق للمعرفة، والتجربة والتعليم، والتدريب. من خلال التعلم، يمكن للإنسان تطوير قدراته ومهاراته وتوسيع آفاقه وتحقيق إمكاناته الكاملة في مجالات مختلفة.
تشمل الثقافة والقيم والمعتقدات والممارسات التي تنتقل بين الأفراد والأجيال في المجتمع البشري، وتتطلب قدرًا كبيرًا من التعلم الاجتماعي والتواصل المعقد. بينما الحيوانات قد تظهر بعض السلوكيات التي تبدو مشابهة للثقافة في بعض الحالات، إلا أنها غالبًا ما تكون مرتبطة بغريزة البقاء والتكاثر والتكيف مع البيئة، وتختلف عن الثقافة البشرية في مستوى التعقيد والتنظيم. اذ تم رصد بعض الثقافات في بعض أنواع القردة مثل الشمبانزي والأورانج وتان والغوريلا. قد يتعلم القردة تقنيات معينة لاستخدام الأدوات في البحث عن الطعام أو التفاعل مع البيئة. وقد وجدت بعض الدلائل على نقل الثقافة من جيل إلى جيل في بعض المجموعات من القردة. كما تم رصد بعض التكنولوجيا البسيطة بين بعض الطيور. يستخدم بعض الطيور أدوات مثل العصي أو الحجارة للتلاعب بالطعام أو الوصول إلى مصادر الطعام. كما وجدت بعض الأبحاث أن بعض الطيور يتعلمون من بعضهم البعض وينقلون تقنيات الصيد واستخدام الأدوات.
ومع ذلك، يجب أن نلاحظ أن هذه الأشكال المحدودة من الثقافة والتكنولوجيا بين الحيوانات تختلف بشكل كبير عن التطور الثقافي والتكنولوجي البشري. فالثقافة البشرية تشمل نظمًا معقدة من المعتقدات والقيم والممارسات والتكنولوجيا التي تتطور بشكل مستمر وتنتقل بين الأجيال بطرق منظمة وشمولية. قد تكون بعض الأشكال المحدودة من الثقافة والتكنولوجيا بين الحيوانات ناتجة عن تطور بيولوجي معين. يُعتقد أن بعض الحيوانات تمتلك بنية عقلية تمكّنها من القدرة على التعلم والابتكار بشكل أفضل من غيرها، وهذا يؤدي إلى ظهور سلوكيات متقدمة مثل استخدام الأدوات. مع ذلك، يجب أن نلاحظ أن هذه التفسيرات لا تنفي الفروق الكبيرة بين الثقافة والتكنولوجيا الحيوانية والبشرية. فالثقافة والتكنولوجيا البشرية تظهر مستويات أعلى من التعقيد والتنظيم وتطورت بشكل كبير على مر العصور بفضل القدرات العقلية والاجتماعية الفريدة للإنسان.
من الجدير بالذكر أن الثقافة الحيوانية عادة ما تكون أكثر بساطة وقدراتها محدودة مقارنةً بالثقافة البشرية. البشر يتمتعون بقدرات فريدة مثل اللغة المعقدة والتفكير الرمزي والابتكار الثقافي الشامل. هذه القدرات تمكنهم من تطوير تقنيات معقدة والتعاون الاجتماعي وتنظيم المجتمعات بشكل متقدم. وبشكل عام، فإن الثقافة الحيوانية تكون أكثر تركيزًا على السلوك والمهارات العملية المتعلقة بالبقاء والتكاثر، بينما الثقافة البشرية تغطي مجموعة واسعة من المجالات بما في ذلك الفن والدين والسياسة والعلوم، والتكنولوجيا، والفلسفة، وغيرها.
الفرق الأساسي بين الإنسان والحيوان فيما يتعلق بالوعي الاجتماعي المطور يتمثل في القدرة الفريدة للإنسان على فهم وتفسير العواطف والمشاعر والنيات لدى الآخرين، وتجاوز الاستجابات البسيطة والغريزية. الإنسان يمتلك القدرة على تخيل وفهم وجهات نظر الآخرين، وتصور مواقف ومشاعرهم. يستطيع أن يتعاطف ويتفاعل مع الآخرين بشكل عاطفي وعقلي، حتى في حالات غير مباشرة أو غير مرئية. الإنسان يمتلك نظام لغوي معقد يسمح له بالتواصل ونقل المعلومات بشكل دقيق ودقيق. يمكنه استخدام اللغة الشفهية وغير الشفهية (مثل لغة الجسد والعبارات الوجهية) للتعبير عن الأفكار والمشاعر والنيات وتبادل المعلومات. الإنسان يعيش في بيئة اجتماعية معقدة ومتنوعة حيث يتعلم من خلال التفاعل مع الأفراد الآخرين والمجتمع بشكل عام. يكتسب الإنسان المعرفة والقيم والتصرفات الاجتماعية من خلال التعلم الاجتماعي وتأثير الثقافة المحيطة به. الإنسان لديه القدرة على النظر في ذاته وفهم تأثيرات سلوكه على الآخرين وعلى المجتمع بشكل عام. يمتلك الإنسان القدرة على التفكير الابتكاري والبحث عن حلول جديدة وتحسين العلاقات الاجتماعية.
هذه القدرات المتطورة للوعي الاجتماعي تميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى وتساهم في قدرته على بناء وفهم العلاقات الاجتماعية والتفاعل بشكل أكثر تعقيدًا وتعاونًا.
إنه من المهم أن نلاحظ أن درجة الوعي الاجتماعي تختلف بين الأنواع وحتى بين الأفراد داخل الأنواع نفسها. إن التقدم في مجال العلوم العصبية والتكنولوجيا قد يساهم في فهمنا المستقبلي للوعي وقد يفتح أبوابًا لإمكانية تطوير تقنيات تدجين الوعي. ومع ذلك، يبقى هذا المجال موضع دراسة وأبحاث مستمرة، ومن الصعب التنبؤ متى ستتحقق تلك التقنيات، إن تحققت على الإطلاق. دراسة الوعي وتطوير تقنيات تدجينه هي مجال نشط للبحث العلمي، وتشتمل على مجموعة متنوعة من التقنيات والأدوات.
يجب ملاحظة أن هذه الأدوات والتقنيات تستخدم لفهم الوعي وعملياته بشكل أفضل، ولكن تدجين الوعي بشكل كامل لا يزال يعتبر تحديًا كبيرًا. قد تستغرق سنوات من البحث والتطوير لتطوير تقنيات تدجين الوعي التي تكون فعالة وآمنة للاستخدام البشري. ومع ذلك نجحت بعض الأنظمة في تدجين وعي أجيال كاملة بشعارات فارغة وغير قابلة للتحقيق وعلى حساب مستقبل شعوب كان من المفترض ان تلحق بالركب العالمي للتطور وبقي الانسان في بدائيته يردد ما قاله الاولين ونتخاصم فيما يتخاصمون وأصبحنا حقل تجارب لتكنولوجيا الأسلحة الفتاكة ننتظر الفرج بدعاء الفرج.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت