المسيرات المُخدِّرة..!!

حسن أحراث
2024 / 2 / 9

لقد شاركنا في الوقفات والمسيرات حدّ التُّخمة، ودون إزعاج أو انزعاج؛ وكأننا في حفلات النظام القائم. وفي كثيرٍ من الأحيان، ساهمت القوى القمعية في ترتيب شروط "المرور" في أحسن الظروف.
لا أُعمّم، لأن وقفات تعرضت للتضييق والقمع بشراسة، وكذلك مسيرات وعدة أشكال نضالية أخرى. كما أن عدم قمع وقفات ومسيرات مُعينة لا يعني أنّ النظام القائم صار ديمقراطيا أو وطنيا أو شعبيا.
وللمزيد من التوضيح، سنبقى نشارك في الوقفات والمسيرات وفي كل الأشكال النضالية التي تحضرها قواعدٌ مرتبطة بقضية شعبنا وبقضايا الشعوب المضطهدة ومن بينها قضية شعبنا الفلسطيني. ونعلم أن العديد من المناضلين يشاركون في جُلّ الوقفات والمسيرات من أجل تسجيل مواقفهم وفي نفس الوقت التواصل فيما بينهم ومع أوسع المشاركين/ات من بنات وأبناء شعبنا. نعترف بقدر من السلبية في ممارستنا (ضعف، عجز...)، لكن لا يخفى أن الممارسة الثورية مرفوضة في الصفوف الرجعية، وفي كواليس الإصلاحية في أحسن الأحوال. إن "الخوصصة" لم تطل المجال الاقتصادي فقط، بل شملت أيضا الساحة السياسية والنقابية والجمعوية. فأن تسجل حضورك، يتطلب أن تكون من طينة خاصة، أي أن تكون ذا خلفية نضالية لا "تُقهر"..
ما يهُمّ من خلال هذه المساهمة "المُزعجة"، وبمناسبة الدعوة الى مسيرة يوم الأحد 11 فبراير 2024 بالرباط، هو إثارة الانتباه الى المنزلقات التي تسقط فيها عن "سبق الإصرار" هذه المسيرات، بل للدقة منظمي هذه المسيرات.
أولا، الجهة المنظمة، أي الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع أو غيرها، تتكون من "كوكتيل" متناقض من حيث المشاريع والأهداف السياسية و"تجمع ما لا يُجمع". والثابت أن كلّ مكون، أو على الأقل جُلّ المكونات تسعى الى أكل "الثوم" بفم فلسطين الجريحة. نعم، "فلسطين تُقاوم، والأنظمة تُساوم". نعم، فلسطين تقاوم، والأنظمة الرجعية تساوم الصهيونية والامبريالية من أجل مصالحها، وفي مقدمتها البقاء والاستمرارية.
والخطير أن هناك قوى سياسية وقيادات نقابية وجمعوية بيروقراطية تساوم النظام القائم من أجل مصالحها (الفُتات). فماذا فعلت مكونات الجبهة أو غيرها على أرض الواقع لمناهضة التطبيع الذي اخترق كل مجالاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
وكمثال لا غير، دعوة نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الدراع النقابي لحزب العدالة والتنمية الموقع على التطبيع على رؤوس الأشهاد، "كافة مناضلاته ومناضليه وعموم المواطنين الى المشاركة المكثفة في المسيرة الوطنية والشعبية التي دعت لها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، يوم الأحد 11 فبراير 2024 على الساعة العاشرة صباحا انطلاقا من ساحة باب الحد بالرباط".
وقعوا على التطبيع بالأمس القريب، وتراهم اليوم "يخبطون خبط عشواء"..!!
يتحدثون عن تنظيم "مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين"، وما موقع الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع؟
من المُنظم يا تُرى؟
هل الجبهة أو مجموعة العمل؟
ما رأي الحكماء" الذين لا يحكمون حتى أنفسهم؟!!
خلط أوراق لا معنى له..
والضحية فلسطين.. كيف نخدم فلسطين في ظل هذا العبث الذي لا يشرف فلسطين..!!
نُنظّم المسيرات "المليونية" تحت الشعار المُزيّف "التضامن مع الشعب الفلسطيني"، ولا نستطيع إسقاط التطبيع!!
إنها مفارقات فاضحة..
ماذا عن جنود القوى الظلامية العضو بالجبهة المنظمة و"المُعْتكِفة" بثكناتها؟!!
أي منطق هذا؟!!
إن المسيرات المُسمّاة "مليونيّة" (وهي غير ذلك على أرض الواقع) للتباهي والمزايدة والاستهلاك، تقتل/تُخدّر الملايين بفلسطين والمغرب.
فكيف لمن لم يُحرّر نفسه من موقع طبقي، بل كيف لمن لم يسعَ ولا يسعى الى ذلك، أن يُحرّر غيره؟!!
إن المسيرة الممنوحة كالدستور الممنوح. وكل ممنوح مسموم، بل قاتل..
ثانيا، إن الشعارات المُنتقاة بعناية إبان كل وقفة أو مسيرة لا تتجاوز الخطوط الحمراء، أي السقف المتفق عليه بين مكونات الجبهة وغيرها، وفيما بينها ومع الجهات "المعلومة" (أقصد النظام بالواضح). إنها شعارات "باردة" لا تعبر عن متطلبات هذه المرحلة، أي التحرر والانعتاق من نير الرجعية والصهيونية والامبريالية..
إن النضال ضد النظام القائم باعتباره لاوطني لاديمقراطي لاشعبي يعطي المصداقية النضالية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أما غير ذلك فليس غير توظيف فج للقضية الفلسطينية وكما دائما، وإساءة لكل القضايا العادلة ومن بينها قضية شعبنا..
فهل نُنْصِت الى العقل الفلسطيني الحكيم الذي دعانا/يدعونا الى تحرير أنفسنا أولا، أي النضال ضد أنظمتنا الرجعية (إسقاط نظام رجعي أكبر خدمة للقضية الفلسطينية)؟!!
لا حياة لمن تنادي؛ لا تقييم لأثر الوقفات والمسيرات السابقة ولا محاسبة بشأن التجاوزات التنظيمية والسياسية، وخاصة بالنسبة للشعارات العنصرية التي تتنافى والمرجعية الكونية لحقوق الإنسان؛ ولا اجتهاد أو إبداع غير إنتاج الصور والسيلفيات (SELFIES). ولم تسلم حتى الجنائز وبالمقابر من مرض "أنا هنا" (أنا هنا وفقط هنا). وآخر الصور البشعة لهذا المرض المنتشر ببشاعة أو الوباء ما تلي جنازة محمد بن سعيد أيت إيدر.. صور ابتسامات وفرح وابتهاج لحظة التأبين..
عجيب..؟!!
الحياة تستمر، نعم؛ لكنها قِمّة الوقاحة والأنانية وعدم الاحترام لحظة حزن وألم..
وختام القول، كيف تكون "محبوبا" من طرف الجميع، إذا لم تكن تأكل من جميع الموائد أو تُباركها أو تُجامل كل "الأطياف" السياسية والنقابية والجمعوية؟
إن الانتهازي أو "البهلوان/الساذج"، فردا أو حزبا أو نقابة أو جمعية، وحده يستطيع أن يرضي جميع الخواطر و"الأطياف". والحقيقة العلمية وفي نسبيتها؛ أن تكون مع الجميع، فأنت ضد الجميع..
وسنتحمل بشجاعة ومبدئية نضاليتين كل التهم التي استهدفتنا/تستهدفنا، من العدمية والمغامرة كما دائما الى جلد الذات حاليا. ونستغرب كيف يمكن أن يضع "المناضل" (الصنديد الذي لا يُشقّ له غبار) أو من يدعي النضال رصيده/رصيدنا المشترك في أيادي مرتزقة للمتاجرة به واعتماده في حملات انتخابية ممسوخة قبل الأوان؟!!
وللمزيد من التأكيد، فمن لا يناهض النظام القائم، لا يناهض التطبيع؛ أي لا يخدم القضية الفلسطينية..
أما تنظيم المسيرات وغيرها من "المهرجانات" الفلكلورية والحفلات الخادعة وغيرها دون خلفية كفاحية طبقية، فلُعبة مُخدّرة ومكشوفة..
إنه من واجبنا النضالي تجاه قضيتي شعبينا المغربي والفلسطيني فضح المسرحيات المُكرّسة للمعاناة في ظل الأوضاع الكارثية الراهنة..
وسنتحمل، شئنا أم أبينا، كل الضغوط وأساليب الترهيب والحقد، من أجل الحقيقة، أي من أجل القضية، اليوم وغدا...
لنا ماضٍ مُشرِّف، تقاسمناه والشهداء، ومن بينهم الشهيدين بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري؛ وسنواصل رسالة النضال والكفاح مهما كلّف ذلك من ثمن..
ولا ننسى أن الانتفاضات الشعبية تُعتبر أرقى الأشكال النضالية المطلوبة، بل الحاسمة لإنجاز مهمة التغيير الجذري، شريطة التأطير والتنظيم وبقيادة حزب الطبقة العاملة..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت