إشكالية الشريعة والاجتهاد

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 2 / 8

بمقدور أي واحد منا، بمجرد أن يُشعل سيارته استعداداً للسفر إلى مكان عمله، أو ربط حزام مقعده على متن طائرة تتأهب للتحليق، أن يتمتم في سره "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين". ورغم ما قد يبعثه مثل هذا القول في نفوسنا من طمأنينة واستبشار للخير، إلا أنه في جميع الأحوال يبقى لا يُعبر عن الواقع ولا يمت له بصلة. شتان بين مقود السيارة أو الطائرة، وبين قرني حيوان غير مروض نحسب أن الله قد خلقه وسخره لمتاعنا، حتى لو بقيت الوظيفة هي ذاتها في الحالتين- التحكم والتوجيه. هنا البون شاسع بشكل يستعصي على التصور بين عمليتين، إحداهما أنتجت السيارة والطائرة والثانية أنتجت الحيوان، حيث في الأولى تصنيع بأيادي بشرية بينما في الثانية تكاثر طبيعي يُنسب إلى الخلق الإلهي. ومن هنا ينشأ التناقض، لأن ما يصح لغوياً على ذو القرنين لا يصح بالضرورة على ما هو ذو موتور آلي، بالنظر إلى أن التكوين المادي المختلف يستلزم بالضرورة والتوازي وصفاً لغوياً مختلفاً. كذلك، مجرد وجود هذا الأخير يحمل انتهاك وعصيان إلى حد الكفر لمبادئ الأول، لأن فيه استغناء واعتداء سافر وتبديل في خلق إلهي.

تأسست نظرية الشريعة الإلهية فوق ثلاثة فرضيات رئيسية: (1) الخَلْق، الله خالق الكون كله ومن ضمنه البشر؛ (2) العِلْم، الله هو الأعلم المطلق بالوجود ولا أحد يعلم بعد علمه شيء؛ (3) الحُضور والتَخاطب، الله حاضر في كل مكان وزمان، مع كل شخص بمفرده ومع كل شخوص الكون قاطبة بالتزامن، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، يتصل بهم ويراقبهم ويتواصلون معه بالدعاء والصلاة، طمعاً وخوفاً، في أي وقت. وطالما كان الوضع كذلك، كان لا مناص من نص إلهي كتبه الله بذاته في لوحه المحفوظ وتدبر إرساله بطريقة أو بأخرى إلى خلقه البشريين. ومن هذا النص المقدس تأسست ولا تزال ما تُسمى ’الشريعة الإلهية‘، أو بالأحرى شرائع لا تُعد ولا تُحصى عبر العصور والأزمنة جميعها تُنسب في النهاية إلى الإله البعيد الساكن في السماء لكن العائش وسطنا في الوقت نفسه.

كان ولا يزال من أبرز إشكاليات الشريعة الإلهية القائمة على النص هي أن النص بذاته واضح ومقروء، من السهل فهمه على جميع المخاطبين به، لأنه نزل من السماء مكتوباً بلغتهم اليومية. إذا كان الله قد خلقنا جميعاً، وهو الأعلم بنا جميعاً، ويرانا ويخاطبنا جميعاً في الوقت نفسه وبالحرف والمعنى نفسه، فما هو إذن وجه حاجتي لشريعة تستمد قدسيتها من النص الإلهي، بينما النص ذاته مقروء ومفهوم لي، والإله ذاته حاضر معي دائماً وأبداً أستعيذ به وأستغفره وأستخيره كلما شئت؟! لكن مثل هذا الخط الفكري، من منظور الشريعة، يؤدي بنا إلى التهلكة حين أن يصبح كل واحد منا حاكماً لأمره بيده، وفقاً لفهمه للنص الإلهي وما يظن أن الله قد اختاره له. في قول آخر، سيتحول المجتمع البشري إلى غابة فيها كل واحد يأخذ بيده ما يعتقد أن الله- عبر النص والصلاة- قد كتبه له. هذا الوضع تجسده فعلياً العديد من الجماعات الدينية الموصوفة بالتطرف بسبب رفضها الانصياع لقواعد الشرائع السائدة، وتفضيلها الاتصال المباشر بالله عبر النص والصلاة. من هذا، يمكن بسهولة الاستنتاج أن ’الشريعة الإلهية‘ تحوي ’النص الإلهي‘ وتستغنى عنه، بينما العكس غير صحيح.

لكن الشريعة، باعتراف البشر، هي من وضع البشر أنفسهم عبر اجتهاداتهم في تفسير النص الإلهي وقياساً عليه واللف والدوران على تخومه ومقربة منه. حتى رغم السند الإلهي، لا تزال الشريعة خلق بشري بامتياز، على الأقل قياساً بالنص المقدس الذي تستمد منه شرعيتها. إذا كان كذلك، كيف يُطلب مني، أنا الشخص الموصوم بالتطرف الديني، الامتثال لكلام بشر مثلي بينما كلام الله الذي خلقني ويعلم بحالي ويراني واضح وصريح؟! لماذا أحتكم لكلامك أنت أيها البشري، بينما كلام الله مُتاح لي وبين يديّ في كتابه العزيز؟! لكن، إذا ما احتكم كل إنسان منا بنفسه إلى كلام ربه له، حينئذ اقرأ على السلم والعمران البشريين السلام. لابد من مُوحِّد، فقط قراءة واحدة صحيحة حتى لو كان كل البشر يستطيعون قراءة النص الأساس بشكل وفهم صحيح. عندئذٍ لا تحدد الصحة من مجرد القراءة والفهم، بل من القوة الكامنة من ورائهما القادرة على فرضهما عبر وسائل الإقناع والترغيب والترهيب وحتى استعمال العنف البدني. وبالتالي يتحول الكلام المجرد إلى ’سُلطة‘ مُلزمة، والنص الإلهي إلى شريعة.

ومن يجتهد، أو يجوز له استعمال القوة لتأييد وفرض الرأي الديني؟

نحن في ’الخَلْق‘ متساوون بشكل محسوس ومرئي مما يُصَعِّب إنشاء تراتبية اجتماعية من أي نوع، دينية أو خلافه. بينما، في ’العِلْم‘ بالمقاصد الإلهية أو غيرها، يمكن بسهولة الادعاء بغير ذلك، عبر الاتصال غير المباشر بالإله كما في حالة الرسل والأنبياء، أو القرب من هؤلاء كما في حالة الصحابة والحواريين، أو عبر الاصطفاء والرؤيا والإلهام لسر لا يعلمه إلا الله، أو من خلال التمرس والتبحر في فك طلاسم كلمات الله من خلال التلمذة والدرس والفقه. فوق هذا الأساس يمكن إنشاء تراتبية علمية تستوجب قوة القانون من ورائها، الذي يصنع من مجرد ’الرأي‘ الديني ’تشريعاً‘. في قول آخر: الرأي الديني+ قوة قسرية= شريعة. لكن، في الواقع، أيهما يسبق الآخر؟ أو، من يُنشئ الآخر، الرأي أم القوة؟

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا لو سُحبت القوة القانونية من وراء الفتوى الدينية، أو خرجت الشريعة من حرم النصوص الدستورية والقانونية وعادت أدراجها إلى فضاء الفكر والرأي الرحب والحر المتاح للكافة على قدم المساواة؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت