رحمة تبدد وجع أبيها رياض

كرم نعمة
2024 / 2 / 6

كان ذلك اللقاء الأخير معه في فندق بابل أوبروي في بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت رحمة معنا آنذاك، لم تتجاوز سنواتها الخمس، ووالدها يحثها على تناول الطعام الذي أمامها، وهي ترفض بنزق طفولي، قال لها “عمك كرم من أحب الصحافيين إليّ”.
لم يكفّ رياض أحمد عن الشكوى الموجعة حد المرارة بشأن الطوق المحلي الذي فرضته طبيعة الغناء على صوته، كان يتساءل أمام نفسه وأمام من يثق بهم: كيف لي أن أجعل الملايين من العراقيين يذوبون ولهاً، بينما أعجز عن إيصال غنائي إلى العالم العربي؟
كان رياض يرفض القبول بطبيعته المحلية الريفية التي يغني بها ويصعب عليه أن ينقل الوجع والتساؤل اللذين يبثهما في غنائه إلى المستمع العربي، بنفس السهولة التي أتيحت فيما بعد لابنته رحمة. لقد انكسر الحاجز الجغرافي منذ أن قتلَ البث الفضائي حارس البوابة. لكن رياض وفق مشيئة القدر ذهب إلى العالم الأبدي!
كان صوت رياض أحمد يؤدي أصعب الأطوار الريفية ويشق شغاف القلب، حتى أن مظفر النواب اعترف لي في حوار معه تم نشره بأنه لم يشعر بقصائده تغنى مثلما شعر بها بصوت رياض، وقال لي النواب من دون وجل عندما يشاهد فيديو جنازة رياض أحمد لا يقدر على أن يعبّر عن نفسه بغير البكاء “فمن يبكي على مظفر النواب بعد موته اليوم؟”.
ذلك لا يعني أن رياض يكتفي بغنائه الريفي؟ من يعود إلى الترنيمة التعبيرية الشغوفة التي تركها الموسيقار محمد جواد أموري في صوت رياض عام 1974 “خليني غصن عطشان يتباهى بمواويلك ” التي كتبها كريم راضي العماري، يدرك أن رياض قادر على الخروج من ريفيته إلى أغنية البيئات العراقية وفق تعبير الناقد الراحل عادل الهاشمي. مثلما صنع ياسين الراوي مرحلة مجددة في صوت رياض في ثمانينات القرن الماضي، من بينها أغنية “أحبك ليش ما أدري” التي كتبها أسعد الغريري، وعندما زار العراق الفنان السعودي عبدالمجيد عبدالله في يوم الفن العراقي عام 1989 انبهر بالأغنية وطلب من جعفر الخفاف الذي لحن لرياض آنذاك “مجرد كلام” التي كتبها طاهر سلمان لحناً على منوال الأغنيتين، بيد أن الطوق الأعمى الذي فرض على العراق عام 1990 حال دون تواصل الخفاف مع عبدالله، لكن الأخير لم يُضع الفرصة فصنع على منوال ما غناه رياض أغنية “أحبك ليش أنا مدري”!
مهما يكن من أمر، لا أحد يُقدر الوجع الفني الذي كان يعاني منه رياض أحمد وهو يشعر بالعجز عن كسر طوق المحلية وإيصال غنائه إلى العالم العربي، فكأن كل ذلك الشغف العراقي بصوته لا يكفي، عندما كان يشاهد أصواتا أقل منه أهمية تصل أسرع منه!
واليوم إذ تكسر ابنته رحمة هذا الطوق على غنائه، فإنها تجعله يرقد مطمئناً في مثواه الأبدي. والأروع من ذلك عندما تُعيد أغانيه القديمة للجمهور العربي، وتجلب لها كل هذا الإعجاب “ماذا لو كان رياض اليوم يصل بغنائه إلى المستمع العربي”؟
عندما أتمتع بأداء رحمة في إعادة أغاني أبيها يأخذني الشغف إلى زمنه، لكن الحس النقدي يفرض عليّ قواعده، فرحمة جاهلة بعلوم الغناء وثقافتها الموسيقية متواضعة، وهي بحاجة إلى سنوات من التلقين لتتعلم نطق مخارج الحروف بشكل صحيح، مع أن صوتها يصل إلى أوكتاف ونصف وهو أقرب إلى “ميزوسوبرانو” وقد يعبر في طبقات محدودة إلى “سوبرانو” وفق علم أصوات النساء، وعندما تؤدي ألحاناً خالدة في الغناء العراقي، فإنها تجهل القيمة اللحنية لتلك الأغاني وتكتفي بالأداء المجرد. ومع ذلك فإن والدها سيرقد بسلام لأن أجمل أغانيه وصلت إلى الجمهور العربي بصوت ابنته بعد أن عجز عن إيصالها بصوته!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت