أشتاقك أبي..

صباح بشير
2024 / 2 / 4

عامان مرّا على رحيلك، لكنّ ذكراك ما تزال حيّة، يشفّني الوجد إليك ويغمرني الحنين، بتُّ ليلتي في سهاد أفكّر بك، ولا أعرف إن كانت دموع القلب قد انعقلت أم انسكبت! ما أفهمه في وصف الحالة، أنَّه شعور من الشّوق غريب، ونداء من الماضي يشدّني إليك، كما لو كانت روحك تُناجي روحي وتهمس في أعماقي، لتعود إليّ تلك اللّحظات البعيدة، كأنفاس دافئة تلامس شغاف قلبي، حاملة معها حكايات الأوقات الجميلة التي قضيناها معا.
بين ثنايا الرّوح أنت، أقلّب الصّفحات وأحيّي ذكراك العطرة، أحنّ إلى وجهك الوضّاء، وابتسامتك وصوتك الدّافئ، وحنانك الذي لا ينضب.
أتوق إليك وأشتاق إلى ألفة كانت، وذكريات تلوح إليّ من بعيد، أُعانقها في خيالي وأجد فيها الملاذ الآمن من حزن الفراق ووحشة الغياب.
أناديك يا نقيّ النّفس والسّجيّة، ما انفكّت روحك تحوم حولي وتحلّق في سماء أحلامي، كنسمة عابرة تنعشني وتحييني، كنبع صاف أرتوي منه، أشعر بك قريبا كأنّك ما زلت بيننا، أسمعك وأعلم أنّك لا تسمعني؛ فأنت الآن في عالم آخر، خفيّ غير مرئيّ، لا يصل إليه الشّوق ولا الحنين.
تدقّ مشاعري على أبواب اللّغة، فأطلّ عليك من نوافذ الذّكريات، حاملة بيدي باقة من تلك الأيام الخالية التي ستبقى شعلة متّقدة تثير شجوني، فقد كنت معلّمي الأول، غرست بي قيَم الحياة النّبيلة، كنت سندا ونبراسا يضيء دربي، وهبتَني إشراقات الرّؤى وعلمتني حبّ الكتاب، ذلك الرّفيق الذي يؤنسني ويثريني، معك اكتشفت سحر القراءة، وتذوّقت عذوبة الكلمات، تعلّمت أنّ الكتاب مفتاح للمعرفة، وشرعت التّنقّل بين صفحاته.
هنا كنت وكان عطاء الحبّ ينمو ويزدهر، تُزيّن حدود المكان بخطواتك، وتعلّق فرحا على شفاهنا، تحدّثنا ورنين صوتك يملأ الأسماع حكمة.
هنا كنت ونور وجهك النّورانيّ لا يخبو ولا ينطفئ، كنت نجما يهتدي به فكري، كنت شجرة وارفة ظلالها، وجبلا شامخا أستمدّ منه القوّة، وسأظلّ أسترشد بنورك ما حييت.
كطفلة أرتعش أمام صورتك بعد أن رحلت وغبت، تتجمّد دموعي وتتلعثم كلماتي وتخنقني المشاعر، وتعيدني إلى الزّمن الجميل والرّجل الأجمل، وكأنّ صورتك شعلة تضيء الدّرب المظلم، ينفث فيها اللّيل من روحه؛ لتستوي حيّا تنهمر على قلبي كلّ مساء، فأخبئ اللّوعة في حبّات المطر وأتعمّد بطهر الماء، علّه يرويني ويُنعشني ويعيد إليّ السّكينة والألفة المشتهاة، وطفولتي المتروكة على تخوم العمر المهاجر.
وأمام أتون الذّكرى، تشرق فيّ الرّؤيا، وأراك هناك في أزقّة القلب، فضاء من اليقين، تنهض في طيف المدى وتومئ إليّ بيد الحنين، تفرد لي جناح الحبّ؛ فيتهادى عليّ الصّبر ، وتخضرّ أيامي وأستكين، ويهدأ بركان النّفس ويسكن إلى وهج التأمّل، فأنتقل من حزن أشعلني حتى الذّروة، إلى التسليم بالقدر الذي يُطفئ اشتعالي، حين أدرك من جديد حقيقة الحياة.
ستبقى كوكبا لامعا في فضاء حياتي، تنبض بنورك الذي أوقدته بيديك، فحبّك ورعايتك لا يزالان يُحيطان بي، كجدار منيع يحميني؛ فأشعر أنّ حاضري آمن، وأنّني في حصن حصين، وأنّ أحلامي قد عادت إليَّ تسعى، ولا شيء مستحيل.
رحمك الله، وأسكنك فسيح جنّاته.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت