أمريكا .. ضربت ..ولم تضرب

صلاح بدرالدين
2024 / 2 / 3

السجال على اشده بين من يعتبر الضربة الانتقامية الامريكية الأخيرة على مواقع بعض الميليشيات التابعة لإيران في كل من – القائم – و – ديرالزور في العراق وسوريا ، مجرد خداع ، وانها على تفاهم مع النظام الإيراني ، وبين من لم يتفاجأ بتلك الضربات العابرة لاسباب تاريخية ، وموضوعية تتعلق بسياسات الدول العظمى ، والكبرى في الغرب التي لايمكن الوثوق بها .
فقد " اعلن الرئيس الأمريكي – جو بايدن – ان الضربات الامريكية التي شنت – الجمعة – على اهداف مرتبطة بايران في العراق وسوريا ستتواصل ، مضيفا : ردنا على هجوم بمسيرة اسفر عن مقتل ٣ جنود أمريكيين بالأردن مؤخرا بدا اليوم وسيتواصل في أوقات وأماكن من اختيارنا .. " واعلن الجيش الأمريكي تنفيذ ضربات جوية استهدفت فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ، وفصائل مسلحة تابعة له " ، وأشارت المعلومات الى إصابة – ٨٥ – هدفا ومقتل – ١٨ – مقاتلا في سوريا ، و – ٨ – في العراق .
ردود الفعل
سجال متوقع بين الحكومة العراقية والإدارة الامريكية كل لاسبابه الداخلية ، ونفي لما أعلنه الجانب الأمريكي عن تنسيق معها بخصوص الضربة ، وتسريع لعملية اخراج قوات الحلفاء من العراق ، وتهديد ، ووعيد من جانب الفصائل المسلحة الولائية خصوصا للرد على الرد ، وانذار إيراني لضرب اهداف أمريكية في كردستان العراق ، مع توقعات بحصول اعمال انتقامية روتينية لاتخرج من حدود قواعد الاشتباك المتبعة من ميليشيات حزب الله اللبناني ، والحوثي باليمن ، وكذلك ميليشيات الحشد الشعبي ، والأخرى التابعة للحرس الثوري الإيراني في كل من العراق وسوريا .
تفسيرات متناقضة
لعدة أيام بعد مقتل الجنود الأمريكيين الثلاثة بمسيرة لفصائل عراقية تابعة للحرث الثوري الإيراني في قاعدة – التنف – على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني ، كان هناك نوع من الترقب من جانب مراقبين اعلاميين وأوساط سياسية واسعة في بلدان المنطقة ، توقعوا ، وتمنوا ان تكون الضربة موجهة الى الداخل الإيراني ، وتكون موجعة ، أي الى الراس والقلب بدلا من الأطراف ، وبشكل عام بنى العديد من الأطراف السياسية والشعبية التي تعارض أنظمة – الممانعة – في ايران ، وسوريا ، وميليشياتها اللبنانية ، والعراقية ، واليمنية ، والحماسية ، وخاصة في وسطنا السوري الامال الكبيرة على الضربة العسكرية الامريكية ( الموعودة ! ) التي قد تكون حاسمة ، وماحقة .
من جهة أخرى نعم هذه التمنيات مشروعة من الأساس ، لان نظام طهران يعيش في هلع الان بعد ضيق الخناق على حركة – حماس – فالقضاء عليها يعني توجيه ضربة قاصمة الى استراتيجية طهران بالمنطقة كلها ، ومخططاتها المعتمدة الى ميليشيات جلها من جماعات الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني ، وقد يفتح ذلك الأبواب على حل القضية الفلسطينية العادلة على أساس حل الدولتين بإدارة الممثل الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية ، وكذلك الى نوع من الاستقرار بالمنطقة ، والبحث عن حل للقضية السورية ، وتحقيق الامن في العراق خاصة بالاقليم الكردستاني ، ولن يتم انجاز ذلك كله الا بقطع راس الافعى الإيراني .
ولكن الضربة الأخيرة قلبت كل توقعات ، واحتمالات ، هؤلاء على عقب ، وبددت امالهم المعقودة على انتقام القوة العظمى ، والاتهام باستهانتها بدماء مواطنيها ، ومالبث هؤلاء ان دخلوا في متاهة التفسير التآمري للحدث ، بوجود تفاهم امريكي – إيراني في الخفاء ، ومؤامرة ثنائية ضد شعوب المنطقة تقضي بتوزيع الأدوار ، واتقان لعبة المناورات البينية ، من دون الخروج على القواعد المرسومة .
الرأي الاخر
هناك راي آخر مفاده ان هؤلاء ذهبوا بعيدا في التفاؤل الذي لايستند الى أساس واقعي ، وبنوا الامال العظام على قاعدة هشة ، ثم تورطوا في تفسيرهم التامري للأسباب التالية :
١ – من الخطأ واستنادا على تجارب التاريخ ، والتجربة السورية على وجه الخصوص الاعتماد على القوى العظمى عموما وامريكا تحديدا ، فهي تبحث عن مصالحها وليس عن مصالح الشعوب ، وتضحي بجنودها ليس من اجل تحرير سوريا ، والمنطقة ، والقضاء على الدكتاتوريات ، وتعميم الديموقراطية .
٢ - وفي القضية السورية علينا توجيه اللوم الى انفسنا ، ومعارضتنا ! والى ( المجلس الوطني السوري والائتلاف وانحرافاتهما ، والى الفصائل المسلحة المحسوبة زورا على المعارضة ، وخطاياها المميتة قبل توجيهه الى الأمريكي وغيره ، نحن السورييون فشلنا في إيجاد قواسم مشتركة بين مصالح شعبنا من جهة وبين مصالح القوى الأخرى العظمى والاكبر والصغرى ، واخفقنا بجميع اطيافنا العربية والكردية وغيرهما في تنظيم صفوفنا من جديد ، إعادة بناء واحياء الثورة ، والمعارضة ، واجراء المراجعة اللازمة ، وعقد المؤتمر الوطني السوري الجامع ، والعودة عن التبعية للخارج ، واستعادة قرارنا الوطني المستقل .
٣ – منذ بدء المفاوضات حول النووي الإيراني ، وماقبله كان واضحا ان أمريكا خصوصا والغرب عموما لم يكونوا في موقف القضاء على ايران ونظامه الحاكم ، وان أمريكا كانت ومازالت تضغط على إسرائيل لعدم القيام باي هجوم عسكري على ايران ، بل ان الاستراتيجية الغربية تنطلق من مفهوم إيجاد توازن بين القوى والكيانات في الشرق الأوسط ( العربية ، والتركية ، والإيرانية ) ، وان اللوبي الإيراني في أمريكا اخترق صفوف الطبقة السياسية ، ووصل الى أصحاب القرار أمثال وزير الخارجية الأسبق – كيري - ، وكذلك مسؤول الملف الإيراني – سيمون بالي - الملاحق قضائيا الان .
٤ – تصريحات الإدارة الامريكية من الرئاسة الى الدفاع والمخابرات ، ومنذ أعوام لم تخرج من اطار العمل على التفاهم مع ايران ، وإصلاح النظام بدلا من اسقاطه ، والحفاظ على قواعد الاشتباك المتبعة والامتناع عن أي عمل يؤدي الى الحرب مع ايران ، الى درجة القول ان لاعلاقة لإيران في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس ، أي اعفاء ايران من تبعات مؤامراتها على شعوب المنطقة عبر اذرعها ، وميليشياتها المنتشرة في بلدان المنطقة ، وعندما ضربت ايران أربيل وقتلت المدنيين ، صرح الناطق باسم البنتاغون : ليس لدينا خسائر بشرية هناك ؟! بالرغم من العلاقات – الافتراضية – الحميمة بين أمريكا وإقليم كردستان العراق .
لذلك أرى بان المضي في الانشغال بجمع المآخذ على الجانب الأمريكي تجاه ايران قد ينسي السوريين مخاطر عدوهم الأساسي : النظام ، والمحتل الروسي الداعم له ، والانشغال بامور عابرة بدلا عن انجاز المهام الكبرى التي تنتظر السوريين .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت