المدنية الإلهية (الثامن والأخير)

راندا شوقى الحمامصى
2024 / 2 / 3

القصاص الإلـــــــــــــــــهي

أن البشر في حرقة وأنين يحن للاتحاد ولاختتام سفر استشهاده الطويل مع ذلك يرفض بصلابة وعناد قبول النور والإقرار بسلطان القوة التي وحدها تستطيع أن تنتزعه من براثن الارتباك وتخلصه من المصيبة المفزعة التي تهدد بالحلول , وهكذا يدوي صوت بهاء الله منذرا بقوله عز بيانه :

" يا أهل العالم أعلموا أن مصيبة خفية تتبعكم وقصاصاً شديداً ينتظركم لا تظنوا أن ما ارتكبتموه غاب عن عيني".
وكذلك يتفضل ويقول :

" يا قوم أن لكم ميعاد يوم أن لم ترجعوا إلي الله تحل بكم النقمة ويأخذكم العذاب من كل الجهات , أن عذاب ربكم لشديد ".

فهل لا يزال ضروريا لإنسانية معذبة كما هو حالها اليوم , أن تتجرع كأسا من العذاب أشد وأمرّ قبل أن يصيرّها ذلك الكأس المطهر مستعدة للدخول في الملكوت الإلهي المزمع أن يتأسس علي الأرض ؟ وهل لا يزال ضروريا لافتتاح عهد جديد منور فريد في تاريخ العالم حلول مصيبة دهماء تصيب مصالح البشر لا تعيد فحسب بل تفوق مأساة انهيار صرح المدنية الرومانية في القرون الأولي للعهد المسيحي , وهل لا مفر من توالي التوتر الذي يهز بعنف أركان البشرية قبل أن يستوي بهاء الله علي قلوب الجماهير وأفئدتهم , وقبل أن يعترف العالم بسلطانه الذي لا نزاع فيه , ويتأسس ويرتفع هيكل نظامه العالمي الرفيع , قد انتهت مرحلة الطفولة التي كان علي الجنس البشري أن يجتازها . والإنسانية اليوم تسير في جو الاضطرابات المقترنة بأشد مرحلة مشوّشة في سفر التطور وهي مرحلة التهور والحكمة والنضوج الذي هو من خصائص الرجولة , عند ذلك يصل الجنس البشري إلي مقام النضوج الذي يمكنه من الحصول علي القوة والاستعدادات التي عليها يتوقف تطوره النهائي .

وحدة العالم هي الهدف
أن توحيد الجنس البشري كان الهدف الذي تقترب إليه الهيئة الاجتماعية . ولقد نجحت التجربة واستقرت في تحقيق
الوحدة في العائلة وفي القبيلة , وفي الولاية وفي الوطن وصارت الوحدة العالمية غاية تناضل من أجلها إنسانية معذبة. فبناء الوطن بلغ نهايته , والفوضى الكامنة في الأداة الحكومية وصلت أقصاها , وصار لزاما علي عالم يسير في طريق البلوغ أن يطرح عنه هذه المظاهر ويجرب الأداة التي تقدّم له القاعدة الأساسية للحياة مجسمة . وما أن كلمات بهاء الله تكشف لنا عن هذه الحقيقة بقوله الأعز :

" في هذا العصر تتموج شعوب الأرض بحياة جديدة ولكن لم يكتشف أحد علتها ولم يدرك قوتها " .

ثم يخاطب جيله بقوله الأحلى :

" يا بني الإنسان أن المقصد الأساسي للأيمان بالله والإقرار بدينه هو المحافظة علي مصالح الجنس البشري وترويج اتحاده .... هذا هو الصراط المستقيم والأساس الثابت القويم. كل ما يرتفع فوق هذا الأساس لن تضعضعه تغيرات العالم ولا حوادثه ولن تقوض أركانه ثورة القرون الأولي التي لا عدد لها ".

ثم يعلن بقوله عن اسمه :

" لا يمكن الوصول إلي راحة البشر وسلامه واطمئنانه إلا بأن تتأسس وحدته تأسيساً قوياً ".

وشهادة لهذا يتفضل ويقول :

" أن نور الاتحاد قوى علي شأن يستطيع أن ينور الأرض جميعها , يشهد بذلك الواحد الحق من عنده علم كل الأشياء , هذه غاية دونها كل غاية , وهذا الأمل سلطان كل الآمال ".

ثم يتفضل ويقول :
" والذي هو ربك الرحمن أنه يحمل في قلبه الرغبة أن يري جميع أفراد الجنس البشري كنفس واحدة وجسم واحد , أسرع لتفوز بنصيبك من فضل الله ورحمته في هذا اليوم الذي تضاءلت أمامه الأيام ".

إن وحدة البشر كما رسمها بهاء الله تعني تأسيس حكومة عالمية تتحد فيها اتحاداً ثابتاً وثيقاً كافة الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات , وفيها تكون الحقوق الذاتية للحكومات المكونة لأعضائها مكفولة تماماً , والحرية الشخصية لممثلي هذه الحكومة العالمية وتوقيعاتهم تكون محترمة نافذة .

هذه الحكومة العالمية بقدر ما نستطيع تصورها يجب أن تشتمل علي هيئة تشريعية عالمية يكون أعضاؤها وكلاء عن جميع الجنس البشري وأن يكون لها الأشراف التام علي موارد كافة الأمم التي تتكون منها , وأن تشرّع من القوانين ما تتطلبه نواحي الإصلاح وسد مطالب الأجناس والشعوب وتصحيح العلاقات فيما بينها , وعلي هيئة تنفيذية مؤيدة بقوة عالمية وظيفتها تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين التي تضعها الهيأة التشريعية والمحافظة علي هيكل وحدة الحكومة العالمية , وعلي محكمة عالمية تتولي الفصل والحكم النافذ البات في كل نزاع ينشأ بين العناصر المختلفة المكونة لهذا النظام العام , وبجانب هذا يجب تنظيم مركز مواصلات عالمي وتخصيص جهاز للتخاطب مع كل جزء من أجزاء الأرض , ويكون بعيدا عن كل تأثير وقيد قومي ويعمل بسرعة وكفاية تامة , وإعداد مقر عام يكون المركز النابض لمدنية عالمية تتركز حوله كل عناصر التوحيد في الحياة ومنه تنبعث أنوار آثاره المنشطة , والاتفاق علي لغة عامة تبتكر أو تختار من بين اللغات الحالية تدرس في جميع مدارس الأمم المتحدة وتكون بمثابة لغة مساعدة بجانب اللغات القومية , ونوع عالمي من حروف الطباعة والأدبيات , وشكل ونظام عالمي للعملة والموازين والمكاييل والمقاييس , كل ذلك من شأنه أن يسهل أسباب التعامل والتفاهم بين شعوب العالم وأجناسه , في مثل هذه الجامعة يتفق ويتعاون كل من العلم والدين اللذين هما القوتان الهائلتان في حياة البشر ويعمل كل منهما في وفاق مع الآخر , أما الصحافة في مثل هذا النظام فبينما تعطي العالم صورة حقيقية واضحة عن الآراء المختلفة والميول والعقائد البشرية لا يجوز أن يكون لعملها صيغة التحيز أو المنفعة الخاصة , ويجب أن تكون بعيدة عن تأثيرات الحكومات والشعوب المتنازعة. وكذلك يتعين تنظيم موارد العالم الاقتصادية باستثمار الخامات وتنظيم أسواقها وتوزيعها توزيعاً عادلاً .

أما الثورات القومية والعداوات والفتن فأنها تتوقف , ويتبدل العداء العنصري والتعصب بالوفاق والتفاهم والتعاون , وتنعدم نهائيا أسباب المشاحنات الدينية وترتفع الحواجز والقيود الاقتصادية ،ويختفي التمييز بين الطبقات , ويجب أن يختفي الفقر المدقع من جهة والغني المترف من جهة أخرى كما أن الأعتمادات الهائلة من أجل الحرب سواء أكانت حربا اقتصادية أو سياسية , يجب أن تخصص لأتساع دائرة الاختراعات وتقدم الفنون وازدياد النسل واستئصال جراثيم الأمراض وأتساع الأبحاث العلمية , والعناية بصحة الأجسام , وتنمية العقل البشري وصقله , واكتشاف ما لم يعرف بعد من ثروة الأرض وامتداد عمر الإنسان , والأخذ بكل عامل من العوامل الأخرى التي تساعد علي تدعيم الحياة العقلية والأخلاقية والروحية في جميع الجنس البشري .

فنظام الاتحاد الذي يحكم علي الأرض ويسيطر علي ما لا يمكن تصوره من الموارد الهائلة والذي يربط بين الشرق والغرب ويوصل بين آمالهما ويكون بعيدا عن الحرب وكوارثها , والذي يقوم علي اكتشاف الموارد الإمكانية والنشاط المنتج علي وجه البسيطة , نظام تكون القوة خاضعة في ظله لمبدأ العدالة , وحياته مستمدة من الإقرار العام بإله واحد والانضواء تحت لواء دين عام , لهو الهدف الذي تسير إليه الإنسانية مدفوعة بقوة عناصر التوحيد في الحياة , وتأييدا لها يتفضل عبد البهاء بقوله الأحلى :

" من الحوادث العظيمة المزمع حصولها في يوم ظهور ذلك الغصن الذي لا مثيل له , ارتفاع علم الله بين جميع الشعوب يعني أن جميع الشعوب والأجناس تجتمع مع بعضها بعضاً في ظل هذا العلم الإلهي , ألا وهو الغصن الرباني ويصبحون شعباً واحداً وينعدم العداء الديني والمذهبي وتزول البغضاء الجنسية والقومية وترتفع الاختلافات من بين الأمم ويدين كل الناس بدين واحد , ويؤمنون بإيمان واحد , ويندمجون في شكل جنس واحد , ويصبحون أمة واحدة يسكنون وطناً واحد وهو الكرة الأرضية ".
وإيضاحاً لهذا يتفضل ويقول :

" الآن قد وضعت يد القدرة الإلهية في عالم الكون أساس هذا الفيض الأرفع والموهبة البديعة وسوف يظهر وينكشف بالتدريج كل ما هو مكنون في خزائن هذا الدور المقدس لأن اليوم هو بداية النمو وربيع ظهور العلامات , وعند تمام هذا القرن ونهاية هذا العصر يتضح ويتبين كم كان عجيبا ذلك الربيع ومقدسا تلك الموهبة ".

وإلي هذا المقام تشير رؤيا اشعيا أعظم أنبياء بني إسرائيل وفيها تنبأ لألفين وخمسمائة سنة خلت بما قدّر للعالم أن يبلغه في مقام بلوغه بقوله :
" فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل لا ترفع أمة علي أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد ".

ثم يقول :
" ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب , ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه ".

وفي الرؤيا يشير إلي المجد الألفي الذي سوف تشهد الإنسانية يوبيله بقوله :

" ورأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة , فمن ذا الذي عساه يرتاب في أن تلك النتيجة ـــــــ مقام البلوغ البشري يجب أن ترمز بدورها إلي افتتاح عهد المدنية العالمية لم تر عين مثلها ولم يصل عقل لإدراكها ؟
من ذا الذي يستطيع أن يتصور اليوم ذلك المقام الأرفع الذي سوف تبلغه تلك المدنية عندما ينكشف القناع عن وجهها ؟ من ذا الذي يستطيع أن يقيس ذلك الأوج الرفيع الذي سوف يحلق فيه العقل الإنساني عندما يتحرر من قفصه ؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور تلك الحقائق التي سوف يكشفها روح الإنسان عندما يتنور بنور بهاء الله الساطع بنهاية الجلوة والجلال ؟ وأي اختتام أليق بذاك المقام من كلمات بهاء الله إذ يشيد بذكر عصر دينه الذهبي وهو العصر الذي فيه يتلألأ وجه الأرض من أقصاها إلي أقصاها بأنوار جنة الأبهي إذ يتفضل عز بيانه :

" هذا يوم لا يري فيه إلا سناء النور المشرق من وجه ربك الكريم الفضال , قد أنصعق كل نفس بسلطاننا الغالب القاهر , ثم خلقنا خلقاً جديداً فضلاً من لدنا علي الناس وأنا الفضال القديم , هذا يوم يصيح فيه العالم الأخفى طوبي لك يا أرض بما جعلت كرسي ربك وأختارك مقر عرشه العزيز , وينادي جبروت العزة نفسي لك الفداء بما أستقر عليك سلطان محبوب الرحمن بقوة اسمه موعود كل الأشياء ما كان منها وما يكون " .
حضرة شوقي أفندي

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت