فن البقاء

مهند طلال الاخرس
2024 / 2 / 1

ان التفوق في الثبات ، او الصمود ، او الاحتمال ، هي سمة يختص بها الشعب الفلسطيني اكثر من غيره بدرجات، وكل شعب تعرض لتجربة النكبة واللجوء والنفي والالغاء والتشريد والالحاق والتذويب وما الى ذلك من دروب الكمبرادورية والكولينيالية الهادفة بمجملها الى قطع الصلة التاريخية للشعب العربي الفلسطيني بارضه وسلخه عن هويته وتركه في مهب الريح تتلقفه الامواج العاتية القادمة من بلاد النفي والتغريب والعولمة .

وهذا النهج بالضبط ما يلخصه ويعبر عنه كوردل هل وزير الخارجية الامريكي في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي حين قال: "إذا أردت أن تلغي شعبا تبدأ بشل ذاكرته التاريخية ثم تشوه ثقافته وتجعله يتبنى ثقافة أخرى غير ثقافته ...ثم تلفق له تاريخا آخر غير تاريخه وتعلمه إياه ...عندئذ ينسى هذا الشعب من هو ومن كان وتندثر معالم حضارته وبالتالي ينساه العالم ويصبح مثل الأمم المنقرضة".

وفي الحالة الفلسطينية فان هذا الهدف هو مدار كل السياسات والخطط الاسرائيلية في حروبها ومعاركها [التهجير والشطب والالغاء والتذويب والافناء] وهذا بالضبط ما يقوم ويستند عليه جـوهر سياسات المـشـروع الصهــيوني تجـاه شعـبنـا الفلسطيني، وعـليه يصـيغون استراتيجيـاتهم ويشنون حروبهم وحتى مفاوضاتهم ،

ان اجتياحات اسرائيل وحروبها المستمرة وسياسة الملاحقة والمطاردة والاغتيال والتنكيل والتضييق الممنهج والاستيـطان وجرائم المتسـوطـنين، والجريمة المنظّمة في الـداخل والحواجز المتكاثرة والمتناثرة في الضفة وحصار غــزّة والحروب المستمرة عليها، وابادة المخيمات في الشتات وقتل الامل في نفوس قاطنيها وتهجير ابنائها والتنكيل بهم وتطويعهم وتدجينهم ما هو إلاّ ممارسات مبنية على سياسات ذات منهجية راسخة تفيد بأننا نواجـه أمراً أكبر بكـثير وأخطر من الأبـارتايد. نحن نواجه حالة سوسيوسايد شاملة، والسوسيـوسايد هو عمـلية تاريخيةّ وراهنـة لتدمير المجتـمع الفلسطيـني بشكل شامل وبطيء ومتواصل تستهدف إلغاء أسـس وجوده، ضمن سيـاقات لم تختبرها التجارب الاسـتعمارية الأخرى. فنحن وهذه الحالة نواجه مستعمر ومحتل فريد ومتفرد ولا يوجد له شبيه من اقرانه اصحاب السوابق الاستعمارية السابقين، وعليه فان اي مقارنة بينه وبين التجارب الاخرى يُلحق بنا الضرر كفلسطينيين وعرب لان ذلك يستتبع حتما الخطأ في اختيار الاساليب والادوات اللازمة لمقاومته ومجابهته.

أنّ قراءة الواقع باسـتخدام مفهوم الابـارتيد، سيؤدّي حتما الى مخرجات خاطئة تقود الى تبني سياسات خاطئة في مواجهة المشروع الصهيوني القائم على مفهوم السوسيوسايد وهو ما يؤدي حتما الى كوارث سياسية. لذا وجب التنويه دائما بان اي مشروع سياسي او نضالي فلسطيني يجب ان تقوم اسسه على فهم طبيعة المشروع الصهيوني السوسيوسايدي وبالتالي معرفة اهدافه وادواته ومواجهتها بشكل سليم ومنها وعلى راسها: الثبات والصمود واتقان فن البقاء والتشبت بالارض والابقاء على حالة الاشتباك قائمة ودائمة وعدم الركون للسياسات الجامدة او الاصوات العالية وهذا ما تلخصه الحكمة الصينية القائلة:" احمل عصا غليظة وتكلم بصوت منخفض".

والتفوق في الثبات والصمود والاحتمال ، ليس جينة او طبع يملكها الشعب الفلسطيني وحده او من شابهه في الظروف والتجارب والويلات دون سواه ويورثها نسله ؛ بل هو نتاج ظروف ، ونتاج تدرب وتحمل الويلات والقهر والبطش. فالبطش الذي تعرض له الفلسطينييون جيلا بعد جيل، كان قاسيا ومؤلما منذ بدايته، وظل كذلك حتى اللحظة، وزادت قسوته باطراد، وفي ظروف كثيرة فقد الشعب الفلسطيني قدرته على الرد والمواجهه وان كان لم يعدمها وبقي يحدث نفسه بها لايمانه الاكيد بحتمية النصر وعدالة قضيته ، ولاجل ذلك كله طور الياته وابتدع فنونه الخاصة للبقاء، فتحمل البطش ومحاولات الافناء وصبر على الاذى والتنكيل باشكاله والوانه المختلفة، وكان هذا هو السلاح المتيسر للبقاء على خط الحياة وضمن مجرى العملية التاريخية، وعليه فان ضحايانا من جيل الاباء والاجداد(النكبة والانطلاقة) قد تدربوا تدريبا متصلا على التحمل والثبات والصمود، لا بل ، راكموا في هذا المجال خبرات تمكن كل جيل من اضافة لمسته وخبراته الجديدة اليها، فبلغت هذا الحد والشكل المتميز .

وهكذا يوما بعد يوم وسنة بعد سنة وجيلا بعد جيل ، ابتكر شعبنا الفلسطيني وسائله لتدبر استمرار البقاء تحت كل الظروف وتجنب الابادة والفناء بهدف البقاء ضمن سيرورة وصيرورة العملية التاريخية.

وضمن هذا الفهم لطبيعة العدو اتصلت المعاناة وتواصلت لشعبنا الفلسطيني، فاتصلت القدرة على تدبر اي شيء من اي شيء. وحصل هذا ليس لان في شعبنا الفلسطيني ما يميزهم عن غيرهم، بل لان ظرفهم اختلف، ولان الذين نهبوا وطننا استهدفوا الغاء وجودنا، فصار الهدف هو الحفاظ على الوجود واثبات الذات والبقاء مع مجرى التاريخ مهما حدث، ومن هنا بالذات اصبح البقاء صنعة فلسطينية صرفة تختص به ويتزين بها على طول العمر وابد الدهر.

هذا فهمنا لطبيعة العدو ولطرق واساليب نضالنا في البقاء والمقاومة، وسننتصر ، طال الزمان ام قصر، لا لشيء كثير بل لاننا طورنا ابجدياتنا الخاصة بالبقاء، ولاننا من وطن تاريخه لوحده كفيل بأن يهزم ايّ كان.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت