مدينة لا تمسح أحذيتها

عزيز باكوش
2024 / 1 / 31

فجأة، خطرت ببالي فكرة تلميع حذائي الصحي رأفة بمظهره الباهت. فقمت على الفور بجولة خفيفة انطلاقا من صيدلية باب الزيتونة. كان مزاجي معتدلا والوقت ما بعد ظهيرة خريف جاف لا تجود سماؤه بقطرة مطر. حين توغلت في سويقة الخضر العشوائية لعنت الفوضى التي تعرشت على ضفاف ثانوية سيدي عزوز العريقة. سقيفات عشوائية تعبث بها الرياح فوق عربات بيع الخضر والفواكه. متآكلة صممت على عجل كي تضيع كي تكون مآوى مهجورة كأصحابها. وصببت جام غضبي على شرذمة من منتخبي الزمن السياسي الضائع. وسرعان ما انزلقت مثل سمكة مخولة في مصب بارد. ولما وقفت أمام مفترق الطريق المفضي لقبة السوق المشور، القلب النابض للحاضرة العليا استحضرت زمن الطفولة والتجارة والحنين إذ منذ عقود والمدينة تشكو لله بؤسها ونكبتها في عينة متناسلة من منتخبين وصوليين انتهازيين. استولوا على أجمل البقع. واحتكروا أصوات البسطاء في أسواق الذمم عقب كل استحقاق .

الآن، أعبر نحو زنقة الجزارين ثم الطرافين التي لم تعد كذلك، كانت عيناي طائشتين مثل بندقية محشوة في انتظار ماسح أحذية على شكل فريسة. لأن المسعى في حد ذاته مجرد تقديم مساعدة، وليس لأناقة المظهر!!
يا إلاهي! مدينة بئيسة بدون أفق ولا انتظارات. حاضرة ماضيها أفضل من خاضرها بسنوات ضوئية. مدينة تكدس الإسمنت وتتسلح بانجرافاته. إذ في الوقت الذي تزدحم في أبوابها العاهات وتتكدس على مداخلها مظاهر البؤس وتلتمع في الأفق القريب علامات الشلل الاجتماعي ضدا على النماذج التنموية، لا يمكن فيه العثور على ملمعي أحذية على الجنبات! رغم أنها مهنة من لا مهنة له كما هي عنوان تخلف تنموي بلا مقدمات. واصلت السير مقذوفا عبر المماشي الزاحمة بالأنفاس والعطور والزفرات حتى أشرفت على ساحة باب أحراش. وأنا على يقين أن حذائي الشاحب الذي فقد نظارته سيغدو بعد حين في حلة أبهى وسيستعيد بعضا من جمال المظهر بعد دقائق.
لكن المكان الذي كان مخصصا لملمعي الأحذية، تلك الزمرة من صعاليك المجتمع. المركونين على الدوام بجانب المقهى العالية، التي أغلقت أبوابها جراء إفلاس متوقع كان فارغا، إلا من بضع طاولات لمقهى زائغة تكاد تستولي على الشارع العام كلية.
مسحت الفضاء بعينين باردتين وفم متيبس باحثا عن هدف ما، سألت عن كهل كان هنا وأثر هناك. عن رجل أكتع كان ملمع أحذية مألوف ومحترف فأخبرني أحدهم أنه توفي إلى رحمة الله. أما الشاب الذي التحق مؤخراً بالحرفة، فهو مكتئب، وقد كسر صندوق التلميع على رأس أحد زبنائه بعد أن لعبت البوفا بعقله.
فيما الشيخ الثالث يضيف المصدر ذاته فقد غير حرفته من ماسح إلى كسيح، بعد ان اختار التسول مهنة وارتكن بباب مسجد بعد ابتكار عاهة.
مدينتي باتت دون ملمعي أحذية إذن! لكن تازة ازدهرت بفئة أخرى من ماسحي الكابات ولاعقي المال العام، وملمعي الصفقات والاختلاسات وتناسل العشوائيات والتعاطي مع الشأن الاجتماعي بعاهات تدبيرية مستدامة!!
:

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت