جلبةٌ بالشرق وهجومٌ بالغرب..

حسن أحراث
2024 / 1 / 31

ليس من باب العبقرية اكتشاف لُعبة حربية في إطار الصراع تعتمد أسلوب المناورة والخداع. قال "الأسلاف": الحرب خُدعة، ضاربون عرض الحائط قاموس الحقيقة والمبدئية والوضوح والمصداقية؛ تماما كما بعد ذلك مع ماكيافيلي، أي الغاية تبرر الوسيلة.
بالفعل، لا يعني الوضوح العلنية في العمل السياسي، وإلا ما جدوى السرية في ظل شروط القمع والاضطهاد؟!
حتى لا أغوص في الغموض، ولأن "اللُّعب" الحربية لا تنتهي، أعني "جلبة بالشرق وهجوم بالغرب". والمقصود هنا "لعبة" الإلهاء، حيث يُوجِّهون الأنظار إلى "الشرق" ويشتغلون ب"الغرب" والعكس أيضا. وعندما نستفيق، مناضلون ونُخَب وشعوب...، نجد كل الترتيبات قد تمت بعناية، ويكون الأوان قد فات...
إنها لعبة حربية ماكرة تتكرّر باستمرار ونحن نِيّام، أي لم نستفق بعد..
وما يؤكد انخداعنا لهذه "اللعبة" هو تفاعلنا التلقائي والحماسي مع ما نسميه ب"المستجدات".
صحيح، التعاطي النضالي مع المستجدات مطلوب، بل وضروري في إطار الصراع الطبقي المستمر والذي لا يعرف التوقف. لكن، هل لدينا بوصلة؟
إنه السؤال الجوهري..
هل نعرف ماذا نريد بالضبط ومتى، وبعيدا عن العموميات والشعارات؟
هل لدينا برنامج/برامج مرحلية واستراتيجية دقيقة تعكس رؤيتنا لتدبير الصراع، بعيدا عن ردود الفعل العشوائية؟
الحقيقة الثابتة، لدينا شعارات ثورية تُميّزنا عن غيرنا في الحقل السياسي، كماركسيين لينينيين، أبى من أبى وكرِه من كرِه. وعلى رأس هذه الشعارات النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي والثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية..
لكن، ليس كل من يُردّد هذه الشعارات ينتمي إلينا. فترديد هذه الشعارات وغيرها "لعبة" حربية أخرى لخلط الأوراق وتسييد الضبابية والعمى السياسي..
ونعترف كنقد ذاتي أن ترديد هذه الشعارات ولو بصدق وعن اقتناع لا يكفي. وأتوجه بالسؤال إلى الرفاق الذين ينتمون إلى توجهنا السياسي والمتعاطفين معنا ومع قضية شعبنا، هل نتقدم فعلا في درب الثورة المغربية المنشودة على قاعدة هذه الشعارات؟
ما هي منجزاتنا المحقّقة على أرض الواقع؟
لسنا عدميّين ولا نسعى إلى جلد الذات، هناك تضحيات مشهودة وأخرى في صمت من طرف الرفاق والمناضلين على العديد من الجبهات. لهم كل التحية والتقدير النضاليين..
لكن، ودائما ولكن، هل ترجمنا ذلك إلى قوة فعلية ومنظمة للتأثير في موازين القوى السياسية، وفي سياق حسم السلطة؟
كم اعتقل من مناضل؟ أين هم الآن؟
أي علاقة بالمعتقلين السياسيين وعائلاتهم الآن؟
كم عدد الشهداء؟ أي علاقة برفاقهم وعائلاتهم؟
وأي علاقة بالعمال؟
أي علاقة بالفلاحين الفقراء؟
إنها ليست أسئلة للمزايدة، أو لإلقاء اللوم على هذه الجهة السياسية أو تلك..
كل مناضل حقا معنيٌّ بهذه الأسئلة. وليس بالأسئلة فقط، بل وأساسا بالأجوبة..
إن لغة التخوين والتشكيك للحفاظ على كاريزما متوهّمة وامتيازات شكلية (مساهمات مالية وعينية أو دعم الكتروني/افتراضي...)، قائمة دائما. والمناضل حقا قادر على التمييز بين الصدق والادعاء/التمثيل. وإذا لم يكن في مستوى التحليل العلمي والمتابعة النضالية الميدانية المطلوبين، فعن أي نضال يتحدث؟! فليس في هذه الحال غير إمّعةٍ وتابعٍ "عاطفيٍّ" من التوابع (القبَلية) يُنفّذ ما يُملى عليه. وكُلٌّ يعرف نفسه...
عودةً إلى خُدعة "جلبة بالشرق وهجوم بالغرب"، إنه أسلوب الرجعية والصهيونية والامبريالية. وقد مورس بنجاح بخصوص القضية الفلسطينية وبشأن العديد مِمّا يُسمّى ب"النزاعات الإقليمية"، وذلك باعتماد الآلة الإعلامية المُدمّرة في ظل زمن التكنولوجيا الفتاكة والخادعة..
ومن بين نقط ضعفنا، استقاء المعلومة من السوق المُتحكّم فيها (قنوات تلفزية وإذاعات وجرائد ومواقع إلكترونية...)، وكثيرا ما نسقط في فخّ المعلومة المُوجّهة الصادرة عن الجهات المُسيطرة/المُهيمنة. ولأننا في كثير من الأحيان بعيدون عن مصادر المعلومة وغائبون عنها، نجد أنفسنا أمام "الجاهز" منها (السّهل)، علما أن لا تحليل ملموس دون واقع ملموس، أي دون اعتماد معلومة ملموسة..
ما هو المطلوب أمام حرب التضليل والخداع عموما؟
لا أدعي الإلمام بكافة جوانب الموضوع/الإشكالية، ولا أمتلك الجواب الحاسم؛ لكن اقترح ما يلي:
أولا، اعتماد نظرية علمية كمرجعية، أي الماركسية اللينينية؛
ثانيا، بناء ذات مناضلة ومكافحة تحت قيادة ثورية عبارة عن أركان حرب (المركزية الديمقراطية)، قادرة على التنظيم والتوجيه والتأطير...؛
ثالثا، تسطير برنامج عمل يقوم على معرفة دقيقة بالواقع وبمتطلباته وينسجم مع الهدف الاستراتيجي، أي الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية...
وفي الأخير، أسأل الرفاق (أسأل نفسي):
هل لدينا الآن برنامج عمل؟
وبشيء من "الجُرأة" الرفاقية (عودة ًالى الذات)؛ هل نعمل الآن، وبشكل ملموس، على بلورة برنامج عمل نضالي ننضبط إليه جميعا ونحتكم اليه؟!
من يرفض ذلك؟ ولماذا؟
هل نتواصل بانتظام وبمسؤولية نضالية؟
كفى رفاقي وكافة المناضلين من التيه وغض الطرف ومن أسطوانة "انصر أخاك/رفيقك" ومن هدر الزمن النضالي..
لنمتلك ولو قسط من الجرأة، ونُعلن الحقيقة..
أعرف، إن الحقيقة مُرّة...

إضافة:
الشرق والغرب هنا، كما الشمال والجنوب..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت