قراءة سريعة في آخر تطورات الوضع السياسي في تونس

جيلاني الهمامي
2024 / 2 / 2

أعلن اليوم وبصورة مفاجئة عن تعيين رضا شلغوم مدير ديوان رئيس الحكومة خلفا للهادي الماكني الذي انتقل ليشغل خطة كاتب عام للحكومة مكان أحمد زروق الذي عين كمستشار لدى الشاهد مكلفا بالوظيفة العمومية والحوكمة والإصلاح الإداري. جاء إذن شلغوم إلى هذا المركز كام مرشحا لأن يشغله منذ بداية تولي الشاهد رئاسة الحكومة ولكن هذا الأخير وخلافا لكل التوقعات عين مكانه الهادي الماكني. فاستقدمه الباجي إلى قصر قرطاج وعينه مستشارا أولا مكلفا بالإصلاحات الاقتصادية ربما مجازاة له على الدور الذي لعبه في هندسة " وثيقة قرطاج ".
ولمن لا يعرف رضا شلغوم فهو آخر وزير مالية في عهد بن علي وشغل نفس الخطة في حكومة محمد الغنوشي الأولى بعد 14 جانفي 2011. وسبق له أن تقلب في عدة خطط إدارية في مجال المالية ( السوق المالية ووزارة المالية ) علما وانه كان محل تتبعات في قضايا فساد تتصل بتمويل حزب التجمع المحل بتهمة " استغلال شبه موظف لصفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة أو مخالفة التراتيب المنطبقة عن تلك العمليات وفق الفصل 96 من المجلة الجنائيّة " غير وفي شهر ديسمبر 2013 صدر لصالحه حكم يقضي بإسقاط هذه التهم وحفظ القضية بعد أن اعتبر القضاء أن الحجج الواردة في ملف القضية غير كافية. والمعروف عنه انه كان على صلة وطيدة بجماعة الطرابلسية.
قد يبدو هذا القرار - لدى البعض - مجرد إجراء إداري روتيني وغير مفاجئ بما أن خبر تنحية الهادي الماكني من خطة رئيس ديوان الشاهد قد تم تداوله منذ أيام لضعف أدائه وقلة معرفته بالكثير من الملفات. والحقيقة أن هذا القرار يعزى لكونه أصبح ( أي الماكني ) منذ شهر مارس الماضي محسوبا على حافظ قائد السبسي.
ويمكن أن يكتسي – لدى البعض الآخر - أهمية سياسية لما يتضمنه من دلالات وما ينطوي عليه من مؤشرات على تطورات سياسية قادمة مازالت لم تكتمل ملامحها بصورة صريحة وواضحة.
والأرجح أن يكون الأمر على الصورة الثانية.
في الحقيقة – وفي غياب معطيات أدق حول ما يحصل في الكواليس – ينبغي قراءة هذا القرار في سياقه السياسي الراهن وفي ضوء الصراعات الداخلية الجارية الآن في الفريق الحاكم وبين الفاعلين في مراكز القرار الأساسية.
أول دلالات هذا القرار أنه بمثابة تحوير وزاري جزئي اقتصر على رئاسة الحكومة ويندرج ضمن عملية إعادة هيكلة لهذه المؤسسة ذلك ان القرار شمل ثلاثة مراكز هامة في رئاسة الحكومة هي إدارة الديوان والكتابة العامة للحكومة والوظيفة العمومية. ولعله يمثل مقدمة لتحوير آخر في الأفق يذهب الكثير من المراقبين إلى القول بأنه لن يتجاوز نهاية شهر جويلية القادم فيما يتوقعه البعض لشهر أكتوبر. وهو ما يؤكد ما سبق أن قلناه أن منظومة الحكم ككل والحكومة بشكل خاص لم تستقر بل وتتخبط في ازمتها ومرشحة إلى أن تغرق في أزمات أخرى أشد سنعود للحديث عن مؤشراتها.
من دلالات هذا التحوير أيضا أن وضع شلغوم في هذا المنصب وهو المعروف بولائه للباجي سيكون عينا للقصر عما يجري في الحكومة. بطبيعة الحال الأوساط الرسمية تقدم ذلك على انه قرار في محله لتحسين مستوى التنسيق بين قرطاج والقصبة. ولكن الحقيقة غير ذلك فهو من جهة يمثل كسبا ليوسف الشاهد بما ان مجيء شلغوم مكان الماكني سيخلصه من تدخلات حافظ قائد السبسي في شؤون الحكومة فإنه من ناحية اخرى يمثل كسبا للباجي الذي تمكن من وضع أحد أوفيائه في مكان حساس في القصبة. ومن غير المستبعد ان يكون تعيين شلغوم بهذا الموقع هو تمرين وإعداد للمرحلة القادمة ربما لتعيينه رئيسا للحكومة رغم أن أصوله الجهوية ( جهة قفصة ) لا تتلاءم مع نزوة البلدية والعائلة التي لا تقبل بان تخرج رئاسة الحكومة عن حلقتها الضيقة المقربة منها.
من جهة ثالثة وبعيدا عن تفاصيل هذا التحوير لا بد من التمعن أكثر فيما يعتمل داخل فريق الحكم من تجاذبات ومناورات خفية – يستعصي فهمها على عامة الناس – تؤشر على تطورات سياسية قادمة لها أبعاد وطنية وعربية ودولية.
فقد راج في مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام ( موقع الحرية وهو موقع جديد انطلق يوم 10 ديسمبر الماضي يعمل لصالح بقايا التجمع ) أن إدارة ترامب تدعم يوسف الشاهد في العمل على " إنهاء التحالف بين النداء والنهضة " و" إنهاء حقبة السبسي ". ويقال أن الشاهد سيقوم في غضون المدة القادمة بزيارة لواشنطن ( ما بين 9 و13 جويلية ) ليلتقي فيها بالرئيس الأمريكي وللحصول على عون مالي مهم ( هبات وقروض ). ويستدل على صحة هذا التوجه بما يسود من جفاء بين الشاهد وشق من نداء تونس بل بما يقوم به الشاهد من استدراج لجزء من الكتلة النيابية لحزب النداء إلى جانبه. ويذهب أصحاب هذا التحليل إلى القول بان ما لاقاه الشاهد من مساندة في حملته على الفساد في الشارع ومن قبل بعض القوى السياسية ( الجمهوري والحرة ومهدي جمعة ومحمد عبو الخ ... ) قد يكون شجعه على المضي قدما – ولو في نطاق التكتم وبهدوء – في مشروعه وربما هو الآن بصدد ترتيب أموره بخطوات محسوبة ومدروسة باتجاه أهدافه المذكورة ( إنهاء حقبة السبسي وإنهاء التحالف بين النهضة والنداء ).
ومما لا شك فيه أن العلاقة بين الباجي والشاهد ليست على ما يرام كما ان العلاقة بين الشاهد وشق من النداء بقيادة نجل الرئيس سيئة. ومما لا شك فيه أيضا أن الباجي " متقلق " من حملة الفساد التي أطلقها الشاهد دون أن يعني ذلك أن الشاهد يتجه فعلا إلى مكافحة الفساد بل كل ما في الأمر أنه يستعمل هذه الحملة لتلميع صورته وتنفيس حكومته وبناء أسس استقلاليته عن القصر وتوابعه. ويتضح الآن أكثر فأكثر أن الشاهد قد وجد ضالته في ملف من جهة ولكن من جهة أخرى ليصفي حساباته مع خصومه على اختلافهم.
ومصدر القلق في ذلك بالنسبة للباجي هو انه يريد ان يظل هو وحده الذي يمسك بخيوط المسرحية الأمر الذي لا يبدو حاصلا مع بعض " الطلعات " التي يقوم الشاهد من حين لآخر ( زيارة ميناء رادس مؤخرا ). وقد لمست أخيرا ( في زيارتي للبرلمان الأوروبي في إطار وفد برلماني ) الصدى لحملة الشاهد في أوساط البرلمان الأوروبي.
واضح أن الباجي غير مرتاح لنسق ما يسمى بحملة الحرب على الفساد وهو الأمر الذي يجعله في أكثر من مرة يدعو الشاهد إلى الإسراع بغلق هذه " العملة " خشية أن تتجاوز الخطوط المسموح بها فتطال أطرافا لا يود الباجي المس بهم.
في ضوء كل هذه المعطيات لا يستبعد أن يكون للخبر الذي نشره موقع " الحرية " أعلاه نوع من الوجاهة وهو في اقل تقدير يمكن أن يكون مندرجا في إطار حملة إعلامية لتأجيج الخلاف بين الشاهد من جهة والقصر من جهة ثانية وبينه وبين تحالف النداء والنهضة من جهة ثالثة. ولا يستبعد ان يكون الشاهد قد ساءه إعلان هذين الحزبين تشكيل هيئة تنسيق عليا بينهما في إطار نسج تحالف ثنائي استراتيجي كبديل عن تجمع وثيقة قرطاج.
ورغم أن صحة الخبر تبقى غير ثابتة فبإمكاننا ان نجد في التحولات الجارية على السياسة الأمريكية في المنطقة ما يدفع على الاعتقاد بصحتها. لأن إدارة ترامب حسمت امرها في علاقة بحركة الاخوان المسلمين لصالح الشق الوهابي ولا يمكن أن " تهضم " بسهولة تواجد حركة النهضة كشريك في الحكم في تونس. صحيح أن تونس لا تزن كثيرا في الحسابات الأمريكية في المنطقة إذ ليس لها لا القوة الاقتصادية ولا الوزن العسكري وليست معنية بصورة مباشرة بالصراع مع الكيان الصهيوني، ولكنها ( أي تونس ) تستمد أهميتها في موقعها الاستراتيجي في علاقة بليبيا والجزائر من جهة ومن القيمة الاعتبارية في المنطقة بصفتها أول ديمقراطية ناشئة تشكل نموذجا يمكن ان يلهم شباب وشعوب المنطقة.
ولكن الخطة الامريكية لعموم المنطقة تشمل كل البلدان بما في ذلك تونس. وبما ان الخطة تقضي باستبعاد حركة الاخوان المسلمين من الحكم وتقليص تأثيرها فلا بد إذن من تقليم أظافر حركة النهضة في تونس وجرها تدريجيا إلى خارج دوائر الحكم وفي أحسن الأحوال الحفاظ عليها كمجرد حركة معارضة في الساحة السياسية متحكم في حجمها وتأثيرها مهما قدمت من تنازلات واظهرت من المرونة والاستعداد للتعاون. ولا شك ان الإدارة الامريكية الحالية إذا ما استمرت على هذا النهج لن تبقى مكتوفة الأيدي وستجتهد من اجل صناعة البديل الذي ينسجم أكثر مع رؤيتها لأنظمة الحكم في المنطقة ككل.
وإن كان من المعروف أن الأمريكان لا يضعون كل بيضاتهم في سلة واحدة فإن الكثير من المعطيات ترجح كفة الشاهد على غيره من البدائل. فكل الدلائل تفيد أنه يحمل مواصفات الحصان الذي ستراهن عليه الولايات المتحدة الأمريكية للمرحلة القادمة. فعلاوة على انه سليل حزب الندا ء وينحدر من عائلة ارستقراطية ويمثل مصالح البرجوازية الكمبرادورية يبقى في النهاية ابن أمريكا واحد موظفيها القدامى ولم ينف أبدا كونه يحمل الجنسية الأمريكية. وفوق كل ذلك يشيع حوله الانطباع بكونه سياسيا شابا مرشحا أكثر من غيره لتكرار مثال ماكرون الفرنسي وقابل للتكيف مع كل الاملاءات في علاقة بتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة حتى يصنع منه بطل المستقبل. إنه بمعنى ما الحل الأمثل ( Le profil recherché ).
إن خبرا من قبيل الخبر المنشور على موقع " الحرية " يمكن ان يثير مخاوف كل من السبسي والنداء والنهضة على حد السواء ومن غير المستبعد أن يفكر كل منهم وبحساباته الخاصة في التخلص من الخصم المشترك ( الشاهد ) بصورة مبكرة قبل ان يشتد ساعده. فالباجي لن يسمح بان يخرج الشاهد عن طاعته او ان يستفرد بمفاتيح عملية انتقال الرئاسة خارج العائلة. والنداء الذي انقسم على نفسه في علاقة بالشاهد لن يقبل به كقائد بديل عن الباجي ولن تتحد صفوفه وراءه مادام حافظ على راس شق مؤثر في جانب هام من النداء. اما النهضة فإنها تخشى خروجها من دوائر الحكم على يديه وفق الرؤية الأمريكية المشار إليها.
فأن يفكر كل من النداء والباجي والنهضة كما قلنا كل من موقعه وبحساباته الخاصة ( أو بناء على الحسابات المشتركة ) في التخلص من الشاهد قبل أن يتحول إلى خطر حقيقي يعني ذلك انهم قد ينطلقوا في سلسلة من " المبادرات " والمضايقات لإضعافه. وفي المقابل من ذلك ليس واضحا بعد ما إذا كان الشاهد سيتجاسر على لي العصا في أيديهم وخاصة في يد الباجي وليس متأكدا أن يمضي بعناد في التباين مع الباجي ومع النداء والتحضير لفرض فك الارتباط بين الحزبين المتحالفين.
وهنا تطرح جملة من الأسئلة. ماذا يمكن ان يشجع الشاهد على هذا الموقف؟ شخصيته السياسية؟ الدعم الخارجي؟ سند سياسي مازال غير متوفر اليوم رغم انه من الممكن أن يقود انقساما جديدا في النداء او ربما قد يستميل أكثر قوى أخرى من خارج النداء ليشكل بها تحالفا جديدا بديلا عن تحالف وثيقة قرطاج؟
في كل الأحوال ينبغي أن نتابع الوضع بدقة وانتباه وأن نستقرئ كل الحركات البسيطة والعرضية في السياق العام للتطورات الجارية على الساحة الدولية والعربية والمحلية.
وفي انتظار أن تنضج عديد المظاهر الجزئية راهنا فكل ما يهمنا هو أن نعي أن الصراعات والمناورات داخل الائتلاف الحاكم وداخل النداء وفي بنية الحكم ككل والفريق الحكومي الحالي خاصة لن تهدأ بل الأصح ان هذه الصراعات ستستمر وستستمر معها الأزمة السياسية في تونس.
ما يهمنا في كل هذا هو أن هذه المناورات ستزيد في تعميق الأزمة السياسية إلى جانب الأزمة الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية المستفحلة بطبعها وهو ما سيضع بلادنا أمام مخاطر أكبر خاصة في ظل التقلبات السياسية الجارية في المنطقة سواء منها القريبة منا ( ليبيا ) أو في المستوى الإقليمي ( الشرق الأوسط والخليج ) أو حتى في المستوى الدولي.
ومن جهة أخرى فإن كل هذه المناورات والصراعات تجري في صفوف الرجعية ولا تتصل بصلة بمصلحة الشعب وقد تستعمل كذريعة للمضي قدما في الالتفاف على المكاسب الديمقراطية الهشة التي افتكها الشعب منذ 14 جانفي. إنها صراعات بين أطراف منها من هو مغامر ولا يكنّ للشعب والثورة غير نوايا الانتقام ومنها من هو " مبيوع " للخارج ومنها من يفكر بعقلية العائلة والبعض الآخر يتصرف بمنطق العصابة لا شك أن الخطر اكبر وسيكون ضرره فادحا بما لا يقاس.
حيال هذا كيف ينبغي أن نتصرف كحزب وكجبهة شعبية؟
إن إفشال كل هذه المناورات رهين الروح التي سننقاد بها. ومن النافل أن لا نترك الحركة الديمقراطية والشعبية في موقع دفاعي حيال هذا الهجوم الرجعي بل لا بد من رد الهجوم المعاكس وبسرعية. ويتضمن الهجوم حملتين متوازيتين واحدة من فوق عبر حملة دعاية وتشهير واسعة النطاق عبر ما يتاح في وسائل الاعلام ( على محدوديته ) وفي البرلمان وفي المواقع الاجتماعية ضد حملة الفساد الكاذبة لكشفها على حقيقتها وتعرية دواعيها وأغراضها الحقيقية مع العمل على تشكيل أوسع تجمع حول حماية الحريات ( حرية الاعلام والتظاهر والاحتجاج الخ ...) والعودة للعمل بشعار " من أجل انتخابات عامة مبكرة " وشرحه وكسب تعاطف أوسع الناس حوله.
أما الضغط من تحت فإن أحسن سبل الضغط تتمثل في استنهاض الحركة الاجتماعية وإحياء الحركة الاحتجاجية لتظل الحكومة تحت الضغط وحتى لا يستمر الشاهد وكل أطراف الائتلاف الرجعي الحاكم يديرون صراعات الفوقية في أريحية.
إن المرحلة مرحلة دعاية وتشهير وتحسيس تتطلب تنويع أشكال الدعاية وتكثيفها : الجلسات الموسعة وحلقات النقاش والندوات ( من الأفضل في فضاءات عامة ) والاجتماعات العامة. ولكن ذلك لا يمنع من القيام بأعمال ميدانية واسعة ( توزيع فلاير وبيانات الخ ... ) كلما كان الظرف سانحا ولما لا حتى تنظيم احتجاجات كلما كانت هناك مطالب مادية واجتماعية متحركة وقابلة لتعبئة الناس حولها مثل ملف العطس وقطع الماء الصالح للشراب في أكثر من جهة ومكان.
إن مؤشرات نهوض الحركة الاحتجاجية قد عادت للظهور من جديد ولا يغرنا الهدوء والخمول الذي باتت عليه الحركة جراء شهر رمضان وحرارة الطقس. فحدة الأزمة الت يعليها ظروف العيش يمكن أن تحول أي قادح مفاجئ وبسيط إلى حريق واسع.

7 جانفي 2017

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت