الثورة التونسية: طابعها، آفاقها ومعيقات تطورها

جيلاني الهمامي
2024 / 1 / 31

يحق للشعب التونسي أن يفخر بإنجازه التاريخي العظيم، بثورته على نظام بن علي الاستبدادي الذي مثـّل وعلى امتداد أكثر من 20 سنة واحدا من أعتى النظم الدكتاتورية في العالم. وقد باتت ثورة الكرامة التونسية اليوم مضرب الأمثال ونموذجا يلهب مشاعر وطاقات شباب الوطن العربي والعالم وشعوبه التواقة للحرية والكرامة. فعلى منوالها نسج الشعب المصري الشقيق وأطاح بالطاغية مبارك. وها هي جماهير البحرين واليمن وليبيا والجزائر والمغرب والسودان والعراق تهبّ للشوارع لتسير نحو نفس الهدف ألا وهو التخلص من أنظمة الفساد والقهر والعمالة.

لقد كان الشعب التونسي، أيّاما قليلة قبل تاريخ احتراق الشهيد البطل محمد البوعزيزي، يبدو وكأنه مستكين خانع ولا مبال بالقهر والظلم والاستغلال الذي ألحقه به نظام بن علي، حتى ذهب في ظن الكثير من المثقفين ضيقي الأفق إلى نعته بأنكى النعوت. ولكنه وكما سبق له أن فعل في الستينات ( انتفاضة الأرياف ) والسبعينات (جافي 1978) والثمانينات (ثورة الخبز) هبّ وبصورة مفاجئة ليقول لا للظلم والقمع غير آبه بالبوليس وبالرصاص الحيّ. فمن سيدي بوزيد شبّت الاحتجاجات وامتد الحريق ليعمّ جميع المدن المجاورة ( منزل بوزيان، الرقاب، المكناسي...). ومن ولاية سيدي بوزيد توسّعت رقعته إلى القصرين وتالة ومن ثمة إلى سليانة فالكاف فجندوبة... ولم تهدأ الاحتجاجات حتى دخلت تونس العاصمة بأحيائها الشعبية وخاصة "حي التضامن" فتحوّلت هذه الانتفاضة إلى ثورة حقيقية، ثورة شعبيّة عارمة تنادي برحيل بن علي وبإسقاط نظامه.
1 - ثورة ديمقراطية
لم تهدأ الأحداث بعد ومع ذلك انطلق الجدل حول طبيعة ما حصل أهو ثورة أم انتفاضة فيما راحت بعض الأصوات تتحدث عن مؤامرة حبكت الدوائر الخارجية خيوطها. لقد اختلفت القراءات والتحاليل باختلاف المنطلقات لكن لا يخلو الأمر في ذلك أحيانا من مساعي لتشويه الإنجاز الذي حققه الشعب التونسي. لا شك وأن الأيام القادمة ستكشف عن الكثير من المعطيات التي ستوفر حقائق لها وزنها في قراءة حصيلة شهر من الاحتجاجات والمواجهات والقمع أدت في الأخير إلى حصول تغيير على غاية من الأهمية في تونس. وفي انتظار ذلك فإن التحليل الموضوعي للأحداث يسمح لنا بأن نجازف بالقول أن ما حصل هو فعلا ثورة لا شيء آخر.

تتحدّد طبيعة كل ثورة بطبيعة القوى الاجتماعية التي شاركت فيها وكانت لها مصلحة في القيام بها وبالأخصّ تلك التي لعبت فيها الأدوار الأساسية. كما تتحدّد بطبيعة البرنامج الذي انقادت به، أي الشعارات والأهداف التي رسمتها لنفسها (بصورة واعية أو عفوية) وأخيرا بطبيعة القيادة السياسية التي نظمتها وأطـّرتها وقادت أطوارها.

ومن باب التجني على الوقائع القول أن إن ما حصل في تونس كان من فعل طبقة اجتماعية محددة، ولم تضطلع فيها طبقة من الطبقات لوحدها بالدور الأساسي. فهي من هذه الناحية كانت من صنع جميع الطبقات والفئات الشعبية المتضرّرة من سياسة نظام بن علي الدكتاتوري. فإلى جانب الشباب المعطل عن العمل في سيدي بوزيد والقصرين وباقي الجهات لعبت فئات أخرى كالموظفين (رجال التربية وغيرهم) والمحامين وعمال المؤسسات الصناعية والخدماتية وصغار التجار والحرفيين وحتى شرائح واسعة من سكان الأرياف والشباب الطلابي والتلمذي وأصناف أخرى من الأجراء كالصحافيين وغيرهم، لعبوا كلهم دورا مهما في حركة الانتفاضة واحتدامها واتساع رقعتها حتى تحولت إلى عصيان مدني وثورة شعبية عارمة ضمت الرجال والنساء والشباب وعائلات بأكملها في ال مظاهرات والمسيرات والمواجهات مع قوات البوليس وعصابات الميليشيا الدستورية.

وعلى خلاف ما يدّعي الكثير من مردّدي الخطب البرجوازية الإصلاحية، فإن هذه الثورة لم تكن ثورة عفوية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، لأنها سرعان ما رفعت شعارات سياسية واضحة رغم أنها انطلقت في البداية بمطالب اجتماعية جزئية (حق الشغل). ومن هذه الشعارات السياسية "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق" و "لا لا للطرابلسية الي نهبو الميزانية" و"ثورة ثورة مستمرة وبن علي على بره"، و"بن علي يا جبان شعب تونس لا يهان"، "حريات حريات لا رئاسة مدى الحياة"، إلخ. وهي شعارات طرحت إسقاط النظام وشهّرت بنظام المافيا والفساد وطالبت بالقضاء على الاستبداد ونادت بالحريات. وقد لعب العنصر الثوري والتقدمي من نشطاء الحركات السياسية اليسارية والقومية العاملين في النقابات وفي منظمات حقوق الإنسان والحركة الطلابية والتلمذية ومن العاطلين عن العمل دورا بارزا في بث هذه الشعارات السياسية الواضحة وفي رفع مستوى الوعي أثناء الاحتجاجات من مجرد مطالب اجتماعية أو تعابير احتجاج وتذمّر إلى مطالب سياسية تستهدف نظام الحكم ونمط التنمية المتبع وتنادي بالديمقراطية والحريات وبالتنمية العادلة.

ويمكن القول، أن الثورة التونسية لم تكن ثورة عفوية، بمعنى ثورة احتجاج من دون أفق وأهداف، بل على عكس الدعايات الرائجة، فقد كانت ثورة واعية بمصالحها وبأهدافها واستماتت في الدفاع عنها رغم القمع والإيقاف والقتل وكل أشكال التنكيل ورغم المناورات ومحاولات الالتفاف والمغالطة (خطب بن علي، محاولات حزب التجمع ووسائل الإعلام وحتى بعض المعارضين الإصلاحيين الذين ساروا في ركاب بن علي أيام الثورة ).

لكن، وإن رفعت الثورة هذه الشعارات ونادت بهذه المطالب بما في ذلك طلب تنحي بن علي عن الحكم فهل يعني ذلك أنه كان للثورة برنامج بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ أي برنامج تغيير واع ومدروس ومخطط له؟
لا يختلف إثنان في أن الأحداث اندلعت بصورة عفوية وعلى إثر عمل فردي كان يمكن أن يمر مر الكرام لو لا ما كا ن تختزنه الآلاف المؤلفة من الشباب وعموم التونسيين من حنق وشعور بالحرمان ورغبة في التعبير عن الغضب الذي يسكنها. فما أن انتشر خبر احتراف البوعزيزي حتى انفجرت الاحتجاجات التي كانت موتة البوعزيزي مجرد قادح لها. ولكن الجماهير الغاضبة التي سرعان ما استحضرت ألامها ومآسيها لم يكن من العسير عليها بلورة الشعارات المعبرة عن كل هذه الآلام والمطامح التي تختلج فيها. لكن مهما كان عمق الشعارات التي رفعتها المظاهرات والمصادمات مع قوات البوليس فإنها في الحقيقة لم ترتق إلى أن تشكل برنامج ثورة حتى وإن مثلت استحقاقات المرحلة الكثر إلحاحا. ويمكن القول أن الثورة التونسية بلورت برنامجها في الحركة وفي خضم الاحتجاجات وصنعت الجماهير المنتفضة ولم تكن للأحزاب السياسية والثورية منها على وجه الخصوص دور كبير إلا عن طريق قواعدها التي اندمجت بالحركة ونقلت ما راحت تردده لسنوات حول الحريات والديمقراطية والمطالب الاجتماعية كالتشغيل والمقدرة الشرائية والفوارق الطبقية وقضايا التهميش وغياب التنمية. بهذا المعنى كانت الثورة ثورة عفوية.

من جانب آخر افتقدت الثورة واحدا من الأركان الأساسية في كل ثورة ألا وهو التنظيم ونقصد التنظيم والتخطيط المركزي أي القيادة. كانت بالفعل ثورة عفوية لأنها لم تسر تحت توجيه قيادة سياسية موحدة ومنظمة بقدر ما سارت إمّا بكامل العفوية (خاصة في الأحياء الكبرى في تونس العاصمة) أو تحت " قيادات " سياسية ونقابية جهوية مشتتة اجتهد كل منها وفق المعطيات الخصوصية للجهة وبحسب قدرتها على التأثير والقيادة. ورغم أن وسائل الاتصال الحديثة ( الهاتف والأنترنيت...) قد ساعدت بشكل كبير على انتشار المعلومات والأخبار وحتى على تنظيم التحركات وعمليات المساندة أحيانا فإنها مع ذلك لم تكن لتعوّض دور القيادة السياسية المنظمة والممركزة للثورة.

وتوعز هذه النقيصة الكبرى لتخلف الحركة السياسية في تونس بشكل عام والمعارضة الثورية بوجه خاص ولتخلفها عن الاستعداد لمثل هذه الهزات الكبرى. فالحركة السياسية المعارضة، أحزابا وتنظيمات، كانت، ولأسباب تاريخية وسياسية معروفة، تعاني من الانحسار والتشتت والانقسام.

لقد عمل بن علي منذ مجيئه للحكم إثر انقلاب 7 نوفمبر على تهميش أحزاب المعارضة وعزلها عن الحركة الاجتماعية، وعلى بث كل أسباب الفرقة والانقسام داخلها بل وذهب إلى إثارة القلاقل داخل كل حزب من أحزابها علاوة على تدجين كل الأحزاب المعترف بها تقريبا إما بربطها بعجلة نظامه وتحويلها إلى واجهة ديكورية للدكتاتورية التي أقامها أو بمحاصرة كل من حاول منها الحفاظ على حد أدنى من الاستقلالية والنقد تجاهه. أمّا الأحزاب غير المعترف بها فقد ألحق بها سلسلة من حملات القمع المتتالية التي أنهكتها وأجبرتها على العمل في السرية المطبقة وضرب حولها حصارا بوليسيا مشدّدا ومنعها من أبسط أشكال التعبير والاتصال والعمل. وفي مثل هذه الأجواء عاشت كلّ أحزاب المعارضة (بما في ذلك الموالية لبن علي) تحت وطأة الانغلاق السياسي والإعلامي التام ولم تكن بالتالي مهيأة لأبسط المعارك السياسية بما في ذلك الانتخابية منها، فما بالك للتأثير أو قيادة تحركات وانتفاضات اجتماعية جماهيرية كبرى من قبيل انتفاضة الحوض المنجمي أو ثورة الكرامة الأخيرة.

غير أنه لا بدّ من القول أيضا أنه علاوة على هذه العوائق الموضوعية، فإن الغالبية العظمى من أحزاب المعارضة كانت تفتقد لبرامج تغيير حقيقية وشاملة وكانت تركز أساسا على الجوانب السياسية المباشرة مهملة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لذلك بدت كأحزاب ليبيرالية غير مرتبطة، حتى من حيث الأطروحات، بمشاغل الشعب المفقر وطموحاته. بل أن الكثير منها كان يقرّ ويروّج للمعجزة الاقتصادية التونسية حاصرا بذلك " إخفاقات " نظام بن علي ومساوئه في غياب الحريات فقط. ولم تكن قوى اليسار بأفضل حال، ذلك أن بعض حساسياته وتياراته تحوّلت إلى فعاليّات نقابيّة منغمسة في صراعات المواقع داخل الجهاز البيروقراطي للاتحاد العام التونسي للشغل ومنحصرة في أحسن الحالات في المطالب المادية والمهنية الجزئية منصرفة عن قضايا المجتمع ومشاغل الشعب الأساسية حتى غدت حقا بيروقراطية ناشئة. أما بعضها الآخر فقد انحاز، حين استشعر أهمية النضال السياسي العام، إلى الجبهة الإصلاحية جاعلا من فزّاعة "الإسلاميين" ذريعة للتغطية على نزعته الإصلاحية المتهافتة.

لم تأخذ كل هذه الأحزاب والحساسيات السياسية مأخذ جد الإنذار الذي وجهته حركة الحوض المنجمي ولم تقرأ في تتالي الاحتجاجات من فريانة إلى بن قردان مرورا بالصخيرة وجبنيانة وغيرها ما يفيد احتمال انفجار الأوضاع الاجتماعية وقيام الثورة في تونس. لذلك لم تعدّ نفسها بصورة مسبّقة لهذه التطورات التي كانت كل الدلائل تشير إلى حتمية قيامها.

أما حزب العمال رغم كونه تنبأ بهذه الانتفاضة ونبه إلى حتمية انفجارها منذ ما يزيد عن سنة وأكد مجددا على قرب اندلاعها (انظر افتتاحية "صوت الشعب" عدد نوفمبر 2010 بعنوان "الحركة الاجتماعية تطل برأسها"، وأعد مناضليه لذلك من جميع النواحي السياسية والإيديولوجية والتنظيمية، فإنه لم يكن قادرا لوحده على تأمين قيادة سياسية مركزية فاعلة للثورة لمحدودية إمكانياته البشرية والعملية للعوامل الموضوعية والتاريخية التي سبق ذكرها.

وخلاصة القول أن الثورة التونسية وفي غياب القيادة السياسية الواعية المالكة لأدوات تأطير حركة الاحتجاج إبان اندلاعها ولبرنامج تحويلها إلى ثورة تستهدف النظام برمته، ونظرا لمحدودية دور الطبقة العاملة فيها مقارنة بالدور الذي لعبته بقية الفئات الاجتماعية الأخرى البرجوازية الصغيرة، في المدن والأرياف في مجرياتها، كانت لم تتجاوز الثورة سقف الحريات الديمقراطية رغم فرار رأس النظام الديكتاتور بن علي. أي لم يتجاوز سقفها تغيير شكل الدولة من شكل استبدادي فاشستي إلى شكل ديمقراطي يتراوح بين الشكل الديمقراطي الشعبي والشكل الديمقراطي البرجوازي الليبرالي. ولا يزال يجري حتى اليوم صراع مرير بين الرؤيتين اللتين بينهما توزعت القوى السياسية توزيعا جديدا.

2 - آفاق الثورة:
ما تزال الثورة في تونس في منتصف الطريق إذ أسقطت الدكتاتور بن علي ولم تسقط بعد أركان الدكتاتورية كنظام، ذلك أن الأجهزة التي حكم بها بن علي من مجلس نواب ومجلس مستشارين (رغم تجميدهما شكليا) ومن جهاز الحزب الدستوري والبوليس السياسي والأجهزة الإدارية على صورتها القديمة، لا تزال قائمة وهي تحاول اليوم العودة للعمل تحت الحكومة الحالية، حكومة الغنوشي المعززة بحزبي "الديمقراطي التقدمي" و"التجديد".

ففيما يحاول الشعب وقواه الثورية والديمقراطية العمل على استكمال هذه الثورة لتحقق كل أهدافها، تحاول الرجعية المتمثلة في بقايا النظام القديم معتمدة على التحالف الجديد مع حزبي "التجديد" و"الديمقراطي التقدمي" وبمساعدة خفية من دوائر أجنبية (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وليبيا) الالتفاف عليها وإجهاضها والاكتفاء بالتنازل عن بعض الإصلاحات الجزئية الظرفية.

لقد توقفت الثورة في مفترق الطرق بين خيارين أساسيين، إما المضي قدما في تحقيق أهدافها وإما الخضوع لمخطط الالتفاف والإجهاض الذي تنفذه الحكومة تدريجيا بالتغاضي لا فقط عن المطالب ذات الطابع الاجتماعي وإنما أيضا بالتراجع حتى عن بعض القرارات التي اضطرت لاتخاذها تحت وطأة الضغط الشعبي مثل حل الحزب الدستوري وتعقب ومحاكمة رموز النظام البائد، إلخ.

وليس خاف على أحد أن التقدم بالثورة إلى الأمام وإفشال هذا المخطط يقتضي اليوم مزيدا من الضغط الشعبي والإصرار أكثر على إسقاط هذه الحكومة للانطلاق في مسار جدّي للإعداد للتغيير العميق وتنفيذه.

لا شك أن الغرض من ضم حزبي "الديمقراطي التقدمي" و"التجديد" وبعض الوجوه المحسوبة على المعارضة والاستقلالية كوزير التربية الحالي الطيب البكوش أو وزير العدل لزهر الشابي لحكومة الغنوشي هو مغالطة الرأي العام الوطني وإرباك الجماهير الثائرة. وقد حقق هذا المسعى بعضا من أهدافه.

ولا شك أيضا أن البيروقراطية النقابية ممثلة في الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل عبد السلام جراد لعبت دورا تخريبيا إذ جرت الهيئة الإدارية الوطنية لاتخاذ مواقف مساندة للحكومة وساهمت من موقعها في بثّ الكثير من الأوهام والغموض حول طبيعة الحكومة الجديدة وأهدافها.

صحيح أن ارتباك وتردّد الكثير من فعاليات المجتمع المدني وبعض مناضلي الجهات حيال الحكومة الجديدة قد أضفى عليها ولو لفترة قصيرة نوعا من المصداقية وبثّ الوهم حول إمكانية أن تكون الحل لإعادة الاستقرار والأمن ولعودة الحياة العامة لمجراها الطبيعي ولإجراء التغيير الديمقراطي في تونس.

لقد شكـّل تعيين الحكومة الجديدة عاملا كبيرا في تراجع حركة الاحتجاج الميداني في الشـّارع طوال الأسابيع الأخيرة. ولكنّ العديد من ممارسات وقرارات هذه الحكومة، مثل الهجوم القمعي الفاشستي على اعتصام القصبة الذي دشنت به عهدها وتهجمات وزير التربية على سلك الأساتذة وتعيين ولاة جدد من التجمع الدستوري الديمقراطي وتعيين رؤساء اللجان الثلاث (الإصلاح السياسي، تقصي الحقائق حول الفساد والتجاوزات الأمنية)، كل هذه الممارسات والقرارات وغيرها عجلت بكشف حقيقتها كحكومة معادية للثورة رغم كل الجهود التي يبذلها نجيب الشابي وأحمد إبراهيم والطيب البكوش والغنوشي لمغالطة الشعب. لذلك هبّتْ الجماهير مجدّدا لطرد الولاة التجمعيّين ووزير الخارجيّة (أحمد ونيّس)، واستمرّت في محاصرة رموز التجمّع في الإدارات والمؤسسات، وواصلت تركيز اللـّجان الجهويّة والمحلية لحماية مكاسب الثورة، ونظمت المسيرات والاحتجاجات وقوافل التضامن مع الجهات الأكثر تضررا من أعمال القمع التي طالت شباب الثورة، ودعت مجددا لحل "التجمع الدستوري" وتصفية أملاكه ومقراته وحل الحكومة، ورفضت اللجان الصورية والفوقية. ويتخذ نسق هذه الأعمال شكلا تصاعديا حتى عاد اليوم شعار "الشعب يريد إسقاط الحكومة" إلى صدارة الاهتمامات والمطالب والتحركات. وفي خضم هذه التطورات الهامة تحسن دور المعارضة السياسية، أحزابا وجمعيات ومنظمات، لعل أبرز ما يدل على ذلك ظهور جبهة 14 جانفي التي قدّمت بديلا سياسيا متكاملا ساهم في جمع كل التيارات اليسارية الثورية حول مشروع بعث المجلس الوطني لحماية الثورة.

إن ميلاد "المجلس الوطني لحماية الثورة" يعدّ في حدّ ذاته خطوة سياسية على غاية من الأهمية تعطي لمواجهة الحكومة المنصّبة أبعادا جديدة إذ يقدم بديلا سياسيا وعمليا لتجاوز ما يسمى بالفراغ الدستوري والسياسي علاوة على أنه يشكل عامل ضغط من فوق على الحكومة وأداة سياسية لتوجيه وقيادة الضغط من تحت والتعبئة الجماهيرية في الجهات والنقابات وفي قطاع الشباب وكل فعاليات الشارع المحتج حتى إسقاط الحكومة. يكرّس "المجلس الوطني لحماية الثورة" مبدأ الشرعية الثورية التي حلت محل شرعيّة مؤسسات النظام القديم ويفتح الباب لتجاوز كل الالتباسات حول مشروعية الإجراءات المتخذة أو الواجب اتخاذها لتأمين الانتقال الديمقراطي السلمي نحو نظام ديمقراطي شعبي حقيقي.

فالمجلس الوطني بتركيبته يمثل كل تعبيرات الشّعب، السياسية منها (الأحزاب) والمدنية (الجمعيات والمنظمات) والنقابية ( اتحاد الشغل والمنظمات المهنية الأخرى كالمحامين والصحافيين والعاطلين عن العمل) والجهات (المجالس واللجان الجهوية لحماية الثورة) ويشكل بالتالي نوعا من البرلمان المؤقت الممثل للإرادة الشعبية تمثيلا توافقيا يتناسب مع طبيعة الظرف في ظل استحالة تنظيم انتخابات فورية وفي ظل غياب القوانين المنظمة للحياة السياسية الموروثة عن النظام السابق والمنافية لأبسط قيم الحريّة والديمقراطيّة بعد أن تم تجميد العمل بها.

وبالنظر لخاصيّة هذا المجلس كهيئة نيابيّة توافقية، هي الأقرب في الظرف الراهن لتمثيل الفعاليات السياسية والمدنية المعبرة عن الشعب، فإنه يبقى الإطار الأكثر مشروعية لاستصدار الأحكام والقوانين الوقتية لتنظيم الحياة السياسية في المرحلة الراهنة ريثما يقع تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي. و"المجلس الوطني لحماية الثورة" هو الإطار المؤهّل بحكم خاصيّاته أيضا لتعيين الحكومة الجديدة التي بدورها أن تحوز على قبول كل فعاليّات وتعبيرات الشعب وتكون بالتالي قادرة على تصريف شؤون الحياة العامة في المرحلة الانتقالية برضا الشعب ومساندته بما يسمح لها بإعادة بسط الأمن بتعاون شعبي واسع وبإعادة تنشيط أجهزة الإنتاج والتوزيع وكامل الدورة الاقتصادية وتنظيم الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية دون تعطيل.

لقد اهتدت الثورة أخيرا بعد مرحلة من التردّد والشكّ إلى توفير الأداة والمدخل لحسم الصراع الدائر بين إرادة استكمال مهام الثورة وبين إصرار قوى الردة على إجهاضها. فالمجلس الوطني لحماية الثورة هو اليوم المدخل إلى المرحلة الجديدة، مرحلة فض كل أشكال التلاعب "الدستوري" والحلول المتخذة على مقاس حكومة بقايا النظام القديم. وهو المدخل لتسيير المرحلة الانتقالية تشريعا وتنفيذا عبر مراقبة الحكومة أو حلها وتعويضها بأخرى مقبولة من قبل الشعب وهو المدخل أيضا لإعداد الانتخابات القادمة.

إن موافقة الرئيس المؤقت على هذا المجلس الطابع "الشرعي" بالتصديق عليه أمر من شأنه أن يجنب البلاد كلفة قد تلحق بالثورة ضررا وتشويهات هي في غنى عنها. أما إذا خضع الرئيس المؤقت إلى ضغوط حكومة الغنوشي ورفض "تشريع" المجلس فإن هذا الأخير سيضطر إلى أن يفرض مشروعيته بالقوة مستندا في ذلك إلى الإرادة الثورية مجسمة في القوى السياسية والمدنية وبلغة أخرى قد تضطر البلاد إلى دخول مرحلة تشهد فيها ازدواجية في السلطة ومرحلة أخرى من الثورة قد لا تخلو من العنف وربما حتى الفوضى.

إن الحكومة الحالية لا تستند إلا إلى بقايا الأجهزة القديمة لنظام بن علي مدعومة بالأموال المكدسة لديها وبمساندة ودعم الدوائر الأجنبية، الأمريكية والأوروبية، ولكنها بالمقابل تفتقد للشرعية الثورية والمساندة الشعبية.

أمّا المجلس فإنه كسلطة جديدة يستند إلى الشرعية الشعبية التي تمثلها الأحزاب والجمعيات والمنظمات وفعاليات الجهوية والشبابية واللجان والمجالس الشعبية. ورغم أنه يفتقد للأجهزة الإدارية الرسمية وللأموال التي في حوزة الحكومة الحالية فإن مساندة الشعب له تبقى هي العنصر الحاسم في الصراع الدائر الآن والذي من المرجح أن يتواصل بل ويحتدم أكثر في الأيّام القادمة.

وتؤكـّد عودة حركة الاحتجاج الجديدة التي دشـّنها اعتصام القصبة الحالي والتحركات في الجهات وانتشار المسيرات والمظاهرات وتصاعد نسق بعث اللجان والمجالس الجهوية، تؤكد كلها أن حالة اللاحسم التي دامت بضعة أسابيع آخذة في التطور نحو الحسم لصالح المجلس الوطني لحماية الثورة والتمشي الذي وضعه لاستكمال مهام الثورة. ويعتقد أن الفترة القليلة القادمة ستأتي بالجديد في هذا الصدد ومن غير المستبعد أن تجبر الحكومة ذاتها على الانحلال والتلاشي هذا إذا لم يطرأ طارئ ما وإذا ما ظلت القوى الثورية متيقظة حيال أي مناورة قد تقوم بها البرجوازية ومؤسساتها لقلب مسار الأحداث لصالحها طبعا.

3 - معيقات الثورة وعوامل نجاحها:

وتبقى هذه المؤشرات بلا معنى إذا لم يقع تحويلها فعلا إلى شروط مادية لفرض التغيير، إذا لم يقع تكثيف الضغط الشعبي في كل قطاعات الشعب، الشباب والنقابات والجهات والشارع، حتى تضطر الحكومة إلى الإذعان وتقبل بأن تتخلى طواعية فاسحة بذلك المجال إلى حكومة تحظى بثقة الشعب وقادرة على بسط الاستقرار والهدوء وتصريف شؤون المواطنين تتولى فورا إعداد شروط تنظيم انتخابات عامة وبعث مؤسسات النظام الجديد، أي وضع دستور جديد ينظم الحياة السياسية الجديدة ومؤسساتها التمثيلية والتنفيذية. ومن هنا جاءت صفة " التأسيسي " لهذا البرلمان، لهذا المجلس النيابي.

إن العقبة الأولى في وجه هذه الإمكانية هو الحكومة الحالية المتمترسة في كراسي الحكم متعللة بالشرعية. ولكن أية شرعية ومن أين استمدت هذه الشرعية؟ أمن الشعب أم من القانون؟ أم من مؤسسات نظام بن علي؟ وللجواب على ذلك لا بدّ من القول أن الشعب أكد ويؤكد اليوم مجددا أنه غير قابل بهذه الحكومة وغير راض عنها وليس أدل على ذلك من الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات التي هي الآن بصدد الانتشار في كل مكان منادية بإسقاط النظام وإسقاط الحكومة. وقد سبق للشعب أن عبّر عن استيائه من التشكيلة الحكومية فور الإعلان عنها. وجاء هذا الرفض في تحركات الجهات وتشكيل اللجان الخارجة عن سلطة الحكومة كما جاء في رفض الولاة الذين عيّنتهم. وحتى المنظمات التي زكـّت الحكومة، مثل عمادة المحامين واتحاد الشغل فقد استنكرت قواعدها هذه التزكية ولقيت قيادتهما نقودا حادة من منخرطيها ممّا أجبر هيئة المحامين على إصدار موقف ثان مناقض لموقف التزكية، موقف رافض للحكومة. وأجبرت قيادة الاتحاد على التراجع تدريجيا عن موقفها المساند للحكومة والعودة مجددا إلى العمل ضمن الأحزاب والجمعيات والمنظمات المطالبة بمجلس وطني لحماية الثورة. فمن أين إذن استمدت الحكومة شرعيتها؟ هل من القوانين الحالية؟ إذا كان الأمر كذلك لا بدّ من التذكير أن الثورة قد وضعت ترسانة القوانين القديمة بما في ذلك الدستور جانبا باعتبارها قوانين موروثة عن نظام بن علي، أي قوانين الدكتاتورية التي رفضها الشعب. فالاستناد إلى هذه القوانين هو نفي للثورة وتشبث بأسس العهد البائد وهو تبرير مرفوض لمشروعية مرفوضة. أما إذا كان الادعاء بالشرعية يستند إلى مؤسسات النظام السابق فهو كذلك طعن في الثورة وتشبث بالنظام القديم والحال أن الشعب نادى ولا يزال ينادي بحل هذه المؤسسات من مجلس النواب إلى مجلس المستشارين إلى حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي وجهاز البوليس السياسي والمجالس الجهوية والبلدية المنصبة. إن كل هذه المؤسسات مرفوضة من الشعب ومطعون في شرعيتها ولا يمكن أن تكون أساسا لشرعية الحكومة. وعليه فإن الحكومة الحالية حتى وإن ضمت في صفوفها أحزابا وقفت بهذا الحد أو ذاك ضد نظام بن علي، حكومة غير شرعية وتشبثها بهذا الادعاء وإصرارها على البقاء هو شكل من أشكال التصعيد وتعمد استبقاء التوتر وإثارة لمزيد الاحتجاج والتمرد الأمر الذي سيزيد من تعطيل الحياة العامة والحركة الاقتصادية. وتتحمل الحكومة الحالية تبعات هذا التصعيد وكل الانعكاسات السلبية وستدفع ثمن ذلك غاليا.

إن حملات الإعلام المنظمة حول فزّاعة " الفراغ " الغرض منها بث المغالطات والخوف في صفوف الشعب وتقسيمه وربما حتى الدفع به إلى التناحر والاقتتال والتلهي عن مهامه الثورية بخلافات وصراعات جانبية لا علاقة لها بمصلحته. هذه الحملات ليس لها من غرض غير التشويش على العمل الثوري الجاري الآن في بلادنا وتعكير أجوائه المفعمة بالحماس والنقمة. وهو ما يطرح على القوى الثورية أن تتفطن لهذا المسعى الخطير الذي يشكل عائقا امام تطور العملية الثورية.

وقد لاحظنا في الأيام الأخيرة أن هذه الحملة عادت لتوظف مجددا وسائل الإعلام لصالحها وإقصاء الرأي المخالف وتجديد أساليب الدعاية القديمة التي مارسها نظام بن علي. ولولا استمرار الضغط لذهبت الحكومة بعيدا في إجراءاتها لمحاصرة حرية التعبير علما وأنها حالما أعلنت عن تشكيلتها أصدرت أوامرها للقنوات التلفزية والإذاعية والجرائد بالتركيز على الدعاية لها والتضييق على كل ما بخالفها الرأي. لكم ولحسن الحظ تفطنت القوى الثورية وعموم الشعب، وبصورة مبكرة، لهذه الخديعة وللتحول السلبي في أداء وسائل الإعلام، فكانت ردة الفعل الطبيعية أن أطردت الجماهير المحتجة فرق القنوات والاذاعات التي انخرطت في مشروع الحكومة من تغطية بعض التحرّكات والأنشطة.

ولا تقف الحكومة عند هذه الأساليب لوضع العراقيل في وجه تطور الحركة الاحتجاجية واستمرار المسار الثوري. من ذلك الطرق المفيوزية في استعمال المال سواء من خزينة الدولة أو من مصادر مشبوهة لتوزيعها على ميليشيات تحاول تجنيدها ضد الاحتجاجات وتحركات الشباب. وقد راجت أخبار كثيرة حول مساعي الحكومة للحصول على تمويلات أجل تغطية هذه المصاريف وغيرها كاشفة بسرعة عن حقيقتها كحكومة مأجورة ومرتبطة بالخارج. ونلاحظ اليوم تكثيف أمريكا وأوروبا وخاصة فرنسا من تدخلاتها من أجل تمويل حكومة الغنوشي حتى تتمكن من التغلب على مصاعبها المالية وإرضاء قطاعات من المحتجّين عسى أن تصرف نظرها عن موقفها الرافض للحكومة.

لقد أبدى الشعب التونسي يقظة عالية ودرجة كبيرة من النضج وأدرك بحسه مقاصد كل هذه المحاولات لإعاقة الثورة. فبعد مدة قصيرة من الارتباك والتردد عادت الحركة لسالف حيويتها لتطالب مجددا بحل الحكومة وإسقاط النظام مسلحة هذه المرة ببديلها العملي لما يسمّى بالفراغ مقدمة تصورا متكاملا لطبيعة النظام الجديد وكيفية إقامة مؤسساته. وتحتاج هذه العودة تصعيد التعبئة الشعبية في الجهات للاستمرار في بعث اللجان ومجالس حماية الثورة في كل مكان وفي كل قطاع، في صفوف الشباب والعمال ومع النقابات وهياكل المهن الأخرى والسيطرة على الشارع لأن كل مؤشرات النصر قد لاحت وباتت تبعث على الأمل في تحقيق النصر قريبا.

تونس في 21 فيفري 2011

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت