في الجدل حول الثورة ام الانتفاضة ومسائل أخرى

جيلاني الهمامي
2024 / 1 / 31

ما من أحد كان يتوقع أن تنقلب حادثة " بسيطة " في حجمها كتلك التي جدت صبيحة يوم 17 ديسمبر 2010 حين أقدم محمد البوعزيزي على حرق نفسه احتجاجا على الإهانة التي الحقتها به عون من الشرطة البلدية في مدينة سيدي بوزيد إلى حركة احتجاجية عارمة عمت كامل أرجاء البلاد في أقل من شهر من الزمن امتد لهيبها إلى خارج حدود تونس لتطال – أي حركة الاحتجاج – البلدان المجاورة وكامل الوطن العربي تقريبا بل ولفحت رياحها بلدان أخرى في أوروبا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية. لقد استحوذت أحداث انتفاضة الشعب التونسي طوال أسابيع على اهتمامات الرأي العالمي واختطفت أضواء الاعلام ولفتت إليها انظار الجميع. وكان لها تداعيات واسعة وغير متوقعة في ظرف كان العالم تحت وطأة فترة طويلة من الركود الاقتصادي والخمول الاجتماعي والثوري إن جاز التعبير وكانت الرأسمالية تتباهى ببسط نفوذها على كل البلدان وتخطط لتجاوز أثار الأزمة التي هزت أركان نظامها خريف سنة 2008 دونما عناء كبير.

ففي شهر أكتوبر من تلك السنة اندلعت أزمة المصارف وكبريات البنوك العالمية في أمريكا وسرعان ما امتدت إلى أوروبا فآسيا وبلدان أخرى من العالم. ولو لا تدخل البنوك المركزية لما أمكن إنقاذ المنظومة المتهاوية في وقت كانت الطبقة العاملة العالمية وعموم الشعوب تتفرج مذهولة وعاجزة عن رد الفعل. وقد ألقت تلك الأزمة بظلالها على كامل النظام الرأسمالي العالمي وعلى كل الاقتصاديات الضعيفة التابعة الشبيهة باقتصادنا وبمضاعفات أشد وأكثر قسوة.

ولا ننسى أن تونس عرفت مطلع جانفي 2008 انتفاضة الحوض المنجمي التي كشفت عن حقيقة الأزمة الاقتصادية التي أضحت عليها البلاد وترجمت حالة الغضب الاجتماعي الذي لم تقدر الدعاية الرسمية طمسه رغم كل ما رفعته السلطة من شعارات حول ما يسمى بـ" المعجزة الاقتصادية التونسية " و" السلم الاجتماعية " و " الاستقرار السياسي " واشتغلت عليها اجهزة الدعاية التابعة لنظام بن طوال فترة حكمه.

وكما هو معروف حشد بن علي لمواجهة انتفاضة الحوض المنجمي قواته البوليسية والعسكرية واستقدم لها تعزيزات ضخمة وعمد إلى أبشع أشكال القمع بما في ذلك استعمال الرصاص الحي كل ذلك من اجل إخماد تلك الانتفاضة ومنع تسربها إلى بقية جهات البلاد. غير أنه لم يفلح في ذلك إلا بعد ستة أشهر من المواجهات ومع ذلك لم يتمكن من سل فتيل الغليان الاجتماعي وغضب الفئات الشعبية والمناطق الداخلية حيث نشبت لاحقا احتجاجات أخرى في بن قردان وفريانة والصخيرة وغيرها كانت في الحقيقة تمهيدا لاندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011.

الثورة مسار له شروط
إن الثورة ليست حدثا عرضيا ولا يمكن اختزالها في الأحداث التي تقع لحظة اندلاع الانتفاضة أو التمرد أو العصيان المدني أو ساعة نشوب الاحتجاجات وأعمال العنف بل هي مسار طويل مركب ومعقد يمتد على فترة طويلة من الزمن تحصل فيه مراكمات كمية تتجسد في معارك طبقية متنوعة جزئية ومحدودة الحجم أو قطاعية وتأخذ طابعا ظرفيا – قد تحقق مكاسب للجماهير التي تخوضها وقد لا تحقق شيئا يذكر – ولكنها في كل الأحوال ترسم على مدى فترة من الزمن ملامح المعركة الحاسمة التي يستحيل قيامها ما لم تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية.

فمن الناحية الموضوعية عامة ما تكون الأزمة الاقتصادية سببا لنشوء ازمة ثورية. معنى ذلك أن الجماهير التي تتحمل ولفترة من الزمن دفع فاتورة تلك الأزمة وهي تتذمر وتشتكي وتعبر سلميا عن استيائها من أوضاع عيشها تصل إلى الحد الذي تصبح فيه غير مستعدة لمزيد الصبر والتحمل بل وتبدي استعدادها لإعلان القيام ضد تلك الأوضاع بصورة صريحة وجريئة. فعلى قدر حدة الأزمة وخطورتها تتحول إلى ازمة ثورية تتفاقم فيها حالة الغضب العام وتنتقل الجماهير من مجرد التذمر والاستياء إلى التمرد وشق عصا الطاعة في وجه السلطة القائمة. وفي الكثير من الحالات – إن لم نقل في كل الحالات – تتسرب إلى صفوف أجهزة الحكم خلافات وصراعات بين مختلف المقاربات التي تظهر في صفوفها حول كيفية مواجهة الوضع. فمنها من يرى في اعتماد القمع والغطرسة السبيل الوحيد لإنقاذ النظام والقضاء على الغضب الشعبي ومنها من يجنح أكثر إلى أسلوب المناورة والمغالطة عبر تقديم تنازلات شكلية وجزئية لامتصاص الغضب وسل فتيل الثورة.

وهو ما حصل فعلا أكثر مرة في تونس. فكلما احتدت الأزمة الاقتصادية إلا وساءت أحوال الناس ودب في صفوفهم الغضب وراحوا يعبرون عن ذلك في حركات احتجاج قطاعية وجهوية قبل أن تعم حالة الغضب وتتحول الحركة إلى تمرد عام يهز أركان البلاد والنظام القائم. فقبيل 26 جانفي 78 مثلا وفي وقت كان الاقتصاد التونسي يعاني من أزمة حادة انعكست بشكل مأساوي على حياة التونسيين اندلعت حركة اضرابية هنا وهناك إلى ان أدت إلى الاضراب العام الذي اتخذ طابعا سياسيا. وقد انقسمت البرجوازية بين من يدعو إلى التعاطي مع الحركة الاضرابية الواسعة والغضب العمالي والشعبي باعتماد عصا القمع والتعسف ( شق نويرة والصياح ومن لف لفهم ) وبين من كان يدعو إلى امتصاص هذا الغضب باتباع أسلوب المناورة والتظاهر بالتنازل وإيجاد أرضية تفاهم مع البيروقراطية النقابية التي وجدت في الإضرابات العمالية سلاحا لخوض الصراع مع غريمها شق الصقور في الحكم.

وقد تكررت الحالة أيضا سنة 84 في أحداث الخبز وكذلك نهاية سنة 2010. وبطبيعة الحال كان للأزمة الاقتصادية سنوات 2008 – 2010 انعكاسات اجتماعية وخيمة مثلت الأسباب العميقة لاندلاع ثوة 17 ديسمبر – 14 جانفي. وقد بات من تقاليد الحركة الاجتماعية في تونس حدوث هزات اجتماعية عنيفة وعفوية خاصة في فصل الشتاء تسبقها فترة طويلة من الهدوء يظهر فيها الشعب التونسي مستكينا وخانعا ثم ولأبسط قادح يفجر في وجه السلطة جام غضبه ونقمته بشكل تعجز عن التحكم فيه مهما استعملت من عنف وقمع.

غير أن هذه الهزات عامة ما تحصل بصورة فجئية وعفوية وعامة ما تكون فاقدة للبرنامج السياسي الملموس وتندلع في غياب عنصر التنظيم والتخطيط. وهو ما حكم عليها دائما بالقصور عن تحقيق أهدافها أو فرض مكاسب ذات بال ترتقي إلى مستوى التضحيات التي يتكبّدها الشعب في كل مرة.

ولا غرابة أن تؤول الثورة إلى هذا المآل الأليم كلما كانت تفتقد لشرط العنصر الذاتي – إلى جانب الشرط الموضوع – أي وجود القيادة السياسية المنظمة التي تحظى بثقة الجماهير المنتفضة وتتمتع بالقدرة على تنظيم كامل الحركة في تيار واحد تحت راية شعارات وأهداف موحدة. وتنطبع هذه الأهداف والشعارات، برنامج الثورة، بطابع القوى الاجتماعية التي تخوض المعركة وبطابع طلائعها التي تقودها. وهو ما يمكن اعتباره بوجه ما محددا في النجاح والفشل في كل ثورة.

إن هذين العاملين هما شرطان متلازمان كي تطمح أي ثورة في الظفر وبلوغ أهدافها. ومن دون ذلك تبقى مهددة بالانتكاس والفشل أمام القوى الرجعية التي تعبئ كامل طاقتها وكافة أجهزة دولتها لتدافع عن نظامها بفائق الحزم والبطش والجبروت.

الثورة وأشكالها
تتخذ الثورة أشكالا متنوعة ومتعددة بحسب الظروف التي تحف باندلاعها وبالقوى الاجتماعية التي تخوضها والأهداف التي تحركها وبحسب درجة تنظم الطلائع الطبقية التي تقودها وتؤثر في مجرياتها. ومن البلاهة بمكان أن نحصرها في شكل محدد ووحيد فكما قال لينين " إن التاريخ بوجه عام، وتاريخ الثورات بوجه خاص، لهو على الدوام أغنى بالمضامين وأكثر تنوعا وشمولا وأنبض بالحياة و« أكثر روغانا » مما تتصوره أحسن الأحزاب وأكثر الطلائع وعيا من أكثر الطبقات تقدما. وذلك أمر مفهوم، لأن أفضل الطلائع إنما تعرب عن وعي وإرادة عشرات الألوف وعن عواطفهم وتخيلاتهم، بينما تتحقق الثورات في لحظات تفجر جميع الطاقات البشرية وتوترها لدرجة كبيرة، وهي تتحقق بوعي وإرادة وعواطف وتخيلات عشرات الملايين المدفوعة بأحد صراع بين الطبقات. وهنا ينبثق استنتاجان عمليان على غاية من الأهمية: الأول، انه يجب على الطبقة الثورية، من أجل تحقيق مهمتها أن تتضلع بجميع أشكال النشاط الاجتماعي ونواحيه دون استثناء (وبعد الاستيلاء على السلطة السياسية، أن تنجز، أحيانا، بمجازفات كبيرة وأخطار جسيمة، ما لم تنجزه قبل الاستيلاء عليها) والثاني، أنه يجب على الطبقة الثورية أن تكون على استعداد لتنتقل، بأتم السرعة والمفاجأة، من شكل إلى شكل آخر. " ( لينين - خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية ).

لقد أثارت الثورة في تونس جدلا في أوساط المثقفين خاصة والمتشيعين للفكر الماركسي على وجه أخص حول مدلولات ما حدث ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. فقد افتعل بعضهم خلافا في المصطلحات وأثاروا حروبا كلامية حول " الثورة " و" المسار الثوري " و" الانتفاضة " و" الحراك " وما إلى ذلك من المصطلحات وبدا وكأن الأمر يتعلق فعلا بخلافات نظرية ومبدئية فيما لم تكن هذه الخلافات في واقع الأمر غير مجرد ترف فكري ينم أحيانا عن جهل بالماركسية.

والحقيقة أن ما حصل في خلال شهر كان ظاهرة تؤدي معنى كل مصطلح من هذه المصطلحات على حدة وكذلك معناها مجتمعة في نفس الوقت. فهي ثورة بما أن الهدف من ذلك كان إسقاط نظام الحكم بصرف النظر عما إذا تحقق هذا الهدف فعلا أم لا. علما وانه منذ الأسبوع الثالث من المواجهات التي عرفتها البلاد آنذاك كان الشعب يهتف بشعار " الشعب يريد إسقاط النظام " وقد بلغ يوم 14 جانفي جانبا من هذا الهدف حيث فر رأس النظام الدكتاتور بن علي. وهي في ذات الوقت انتفاضة شعبية تجسدت في تلك المظاهرات والمسيرات وما صاحبها من مواجهات عنيفة مع قوات البوليس معبرة عن حالة التمرد العامة التي استبدت بالشباب وبعموم المتظاهرين ليلا نهارا في كل مكان تقريبا. وهي تمرد وعصيان مدني في نفس الوقت. وهي أخيرا الإضرابات التي شملت مؤسسات إنتاج ومصالح إدارية متنوعة وإضرابات جهوية كانت كلها ذات طابع سياسي للاحتجاج على سلوك السلطة القمعي حيال الحركة الاحتجاجية العامة حتى وإن كانت هذه الإضرابات من تنظيم النقابات ولم ترتق إلى مستوى الإضراب السياسي العام الذي عملت البيروقراطية النقابية ما في وسعها على تلافيه واستبدلته بالاضرابات الجهوية وفق قرار الهيئة الادارية الوطنية تحت ضغط التمرد العام الذي شمل كل جهات البلاد. لقد جمعت الثورة كل هذه الاشكال وأدت معنى كل هذه المصطلحات مجتمعة.

إن عدم إدراك هذه الحقيقة ليس غير خلط نظري وخطأ منهجي في فهم وتحليل ما جرى في تونس ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. ومن ذهب إلى القول بأن الأمر لا يعدو أن يكون انتفاضة ظنا منه ان الانتفاضة هي درجة أدنى من الثورة فإنه يسقط في هذا الخلط بين الأشكال التي تتخذها الثورة، أي ثورة، ومدلولها السياسي العميق.

الثورة هي عمل نضالي جماهيري راق يهدف إلى تغيير النظام القائم سواء اكان النظام السياسي أي تركيبة السلطة فقط أو نظام العلاقات الاجتماعية السائدة. وتقاس نوعية الثورة بمدى عمق التغيير الذي تجريه على شكل الدولة أو على البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية برمتها. أما الشكل الذي تتخذه الثورة فهو متعدد ومتنوع ومرتبط بطبيعة القوى التي تشارك فيها وتقودها ويمكن ان تنحصر في شكل محدد أو تجمع بين أشكال متعددة. وبحسب هذه الأشكال يمكن أن تتخذ طابعا سلميا أو أن تنحو نحو العنف. وفي الغالبية العظمى من الحالات عامة ما تكون القوى الاجتماعية المهيمنة والماسكة بالسلطة هي المبادرة باستعمال العنف لتزج بالثورة في اتون العنف والعنف المضاد والذي يمكن أن ينقلب بسرعة إلى حرب أهلية وعمل مسلح.

ولا تقاس الثورة بمدى نجاحها فمن ينزع عن ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي هذه الصفة إنما يقترف هو الآخر خطأ نظريا فادحا جراء الخلط بين المدلول العام للعمل الثوري ونتائجه. إن الثورة ليست بالضرورة هي الثورة المظفرة لأن نجاح أي ثورة مرتبط أشد الارتباط بموازين القوى ساعة اندلاعها وطوال أحداثها وبجملة من العوامل الأخرى.

فما كل ثورة تقوم إلا وتنجح بالضرورة حتى تستحق تسميتها بثورة. فكما هي مرشحة للظفر فإنها تبقى مرشحة أيضا للفشل وذلك مرتبط بموازين القوى وقدرة كل من المعسكرين المتصارعين على قلب موازين القوى والحفاظ عليها لصالحه. فكما يمكن أن تفشل وتعجز عن تحقيق أهدافها أي بلغة أخرى لا تتوصل إلى إجراء التغيير المطلوب فتبقى السلطة بيد الطبقة أو التحالف الطبقي المهيمن على المجتمع والماسك بجهاز الحكم، يمكن أن تحقق الثورة نصف انتصار وتفشل في تحقيق كل أهدافها ولا تجري تبعا لذلك إلا تغييرا طفيفا على موازين القوى فتحقق فقط جزءا من أهدافها حسب ما تسمح به تلك الموازين أو ان تنجح وتحقق كامل أهدافها وتكون ببذلك ثورة ناجحة. وكما سبق أن قلنا فإن الثورة مسار متواصل وهوما يعني أنها يمكن أن تسجل تقدما كما تظل دوما قابلة للانتكاس والتراجع طالما هنالك صراع بين الطبقات، صراع في كل أبعاده. بل يمكن ان تنجح الثورة ولكن القوى المعادية تستطيع لأسباب متعددة الالتفاف عليها وتقوم بثورة مضادة وتعود بالأوضاع إلى ما قبل الثورة.

ونجد في تاريخ الثورات أمثلة كثيرة على ذلك. ففي فرنسا مثلا التي عرفت ثورات متعاقبة فشلت كلها باستثناء الثورة البرجوازية الكبرى ( 1789 ) ولم يمنع ذلك من الحديث عن ثورات، ولم يكن فشل ثورتي 1848 و1871 مبررا للقول بأنهما كانتا مجرد انتفاضة أو مسار ثوري كما يحلو للبعض ترديده والذين يتشبثون بنزع عما جرى في تونس صفة الثورة.

فما بين 1848 و1852 عاشت فرنسا ثورة عارمة استمرت لأربع سنوات وشهدت تقلبات عجيبة انطلقت بمطلب وحيد تقريبا وهو استعادة الشعب الفرنسي حق الانتخاب ثم سرعان ما تطور ليصبح المطالبة الجمهورية الاجتماعية لينتهي في الأخير إلى الفشل التام وعودة الملكية تحت بونابارت الثاني. لقد رسم ماركس، وبدقة متناهية، في مؤلفه الشهير " 18 برومر لويس بونابارت " تفاصيل تعرجات المسار الثوري في فرنسا آنذاك ليستخلص في الأخير قائلا " ولهذا يبدو أن فرنسا لم تنج من استبداد طبقة برمتها إلا لتقع تحت استبداد فرد بل وتحت سلطة فرد بلا سلطة. ويبدو أن الصراع قد انتهى بحيث أن جميع الطبقات، وقد تساوت عجزًا وسكوتًا، جثت على ركبتيها أمام عقب البندقية " بعد أن سرق بونابارت الثورة واستوي امبراطورا جديدا على فرنسا ودفن حلم الجمهورية الاجتماعية بل وحتى الجمهورية من النمط البرجوازي لعقدين من الزمن. ومع ذلك لم يتردد ماركس في الحديث عن " ثورة شهر فيفري " رغم ما آلت إليه قائلا " أن ثورة شباط (فيفري) كانت هجومًا مفاجئًا، كانت أخذًا مباغتًا للمجتمع القديم. وقد أشاد الشعب بهذه الضربة غير المتوقعة باعتبارها عملاً ذا أهمية تاريخية عالمية يؤدي بحقبة جديدة. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) تختفي ثورة شباط (فيفري) بين يدي نصاب ماكر ويبدو في النتيجة أن ما أطيح به ليس هو الملكية بل التنازلات الليبيرالية التي انتزعتها منها قرون من الكفاح. وبدلاً من أن يظفر المجتمع نفسه لنفسه بمحتوى جديد، بدا أن الدولة قد عادت إلى أقدم أشكالها فحسب – إلى السيطرة البدائية العديمة الحياء – سيطرة السيف والقلنسوه الكهنوتية ".

بعد حوالي 20 سنة من ذلك عاد التاريخ ليكرر أحكامه القاسية وعاد الشعب الفرنسي، والطبقة العاملة الباريسية على وجه التحديد، ليخط بأحرف من العرق و الدم وبنار السلاح تجربة الكومونة الشهيرة في معركة دامية طوال حوالي ثلاثة أشهر. وامتد لهيب الثورة لكل أرجاء فرنسا التي عقدت صفقة استسلامها أمام الجيوش البيسماركية الغازية فابتدع عمال باريس نمط الدولة الجديدة، الكومونة تكريسا حيا " للجمهورية الاجتماعية ". يقول ماركس في مؤلفه " الحرب الأهلية في فرنسا " إن شعار " الجمهورية الاجتماعية "، الذي هللت به بروليتاريا باريس لثورة شباط (فيفري)، لم يكن إلا تعبيرا عن طموح غامض إلى جمهورية ينبغي لها أن تزيل لا الشكل الملكي للحكم الطبقي فحسب بل الحكم الطبقي ذاته. وجاءت الكومونة الشكل المعني بالذات لتلك الجمهورية ".

ولكن الكومونة لم تكن غير نصر مؤقت لأسباب عددها ماركس في ذات المؤلف إذ انقادت الثورة التي بدت في طريق مفتوح لصنع تاريخ جديد لفرنسا بل لكل أوروبا إلى هزيمة نكراء كما سابقاتها من الثورات الفرنسية. إن مفارقة الصراع الطبقي في فرنسا هي كما يقول انجلز " فإن كل ثورة كان ينتصر فيها العمال كان ينشب في أعقابها نضال جديد ينتهي بهزيمتهم ".

أما في روسيا فإن ثورة 1905 ( وأشدد على كلمة ثورة ) التي كان هدفها الإطاحة بالنظام القيصري الاستبدادي فإنها انتهت إلى اقتلاع نزر قليل من الحريات " أكره القيصر ( كما يقول لينين ) على إصدار قانون انتخابي جديد يزيد بصورة ملحوظة عدد الناخبين ويعترف بطابع الدوما التشريعي " والمقصود هنا هو دوما بوليغين الذي لم يسبق له أن انعقد أصلا من قبل.

ورغم هزيمة الثورة فإن ذلك لم يمنع لينين من القول في نصه الشهير " تقرير عن ثورة 1905 " ... ولذا نرى أن الثورة في روسيا لم تبلغ فقط الهدف التالي وهو أنها أيقظت نهائيا من السبات أكبر بلد في أوربا وأشد بلدانها تخلفا، وأنشأت شعبا ثوريا تقوده بروليتاريا ثورية. لم تبلغ هذا فقط. فإن الثورة الروسية قد استثارت كذلك حركة في عموم آسيا. وتبين الثورات في تركيا وبلاد فارس والصين أن الانتفاضة الجبارة في عام 1905 قد تركت آثارا عميقة وأن تأثيرها الذي يتجلى في تحرك مئات ومئات الملايين من الناس إلى الأمام، إنما يستحيل استئصاله... ".

وعلى معنى هذه الاستنتاجات يحق لنا القول إن الثورة التونسية التي كان لها صدى لدى كل الشعوب العربية تقريبا ولدى الكثير من شعوب العالم قد أيقظت هي الأخرى – بقدر ما على غرار الثورة الروسية - الحس الثوري لدى هذه الشعوب والأمم في زمن كانت قد انطلت على أجيال متعاقبة كذبة أفول عهد الثورات وخضوع الإنسانية خضوعا أبديا للنظام الرأسمالي الذي يصارع سكرات ازماته وآخرها ازمة أكتوبر 2008.

وخلاصة القول أن ما جعل ماركس وانجلز ولينين يصطلحون على الاحداث التي سقناها كأمثلة بـ" الثورة " رغم فشلها في تحقيق أهدافها، بل رغم الهزيمة التي منيت بها، إنما هو ذلك الغضب العارم المنتفض على حياة الهوان والاستغلال والقهر وتلك المبادئ التي تحركه وتلك الأهداف التي تعبئ طاقاته وطاقات فئات اجتماعية واسعة كانت لها مصلحة في التغيير. لكن ان تنجح في ذلك أو تفشل فهو ليس بالأمر المؤكد لمجرد قيامها – أي الثورة – بل هو امر مرتبط كما سبق أن قلنا بجملة من الظروف المتشابكة والمركبة. فكلما نضجت الظروف الموضوعية والذاتية إلا وكان النجاح مضمونا وكلما اختلت هذه الشروط آلت النضالات العظيمة إلى الفشل بل وفتحت الباب في الغالبية العظمى من الحالات على مسار من الالتفاف بدرجات متفاوتة من الانتقام والثأر والجرائم. فنجاح الثورة أو فشلها هو في النهاية قضية موازين قوى بين الطبقات المتصارعة، الطبقات القديمة التي تريد استدامة نظامها، نظام الاستغلال والقهر والطبقات الجديد، الطبقة العاملة والفئات الكادحة الحليفة التي تريد افتكاك السلطة السياسية وتغيير نظام العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ومجمل جوانب الحياة الأخرى.

لنرى الآن ما إذا كانت هذه العناصر الأساسية متوفرة في الثورة التونسية ام لا حتى تكون جديرة بأن نعتبرها فعلا ثورة.

إنها وبلا تردد ثورة بقطع النظر عن نتائجها ومصير هذه النتائج أمام مخاطر الفشل والالتفاف التي نراها ماثلة أمامنا في تجليات كثيرة ومتنوعة. إنها ثورة للأسباب والعوامل والاعتبارات التي اخذها ماركس وانجلز ولينين في الحسبان عند حكمهم على الثورات التي عايشوها. وأول هذه العوامل هي أنها ككل ثورة لم تكن عملا مفتعلا بل كانت لها أسبابها الموضوعية التي حتمتها، وهي الاستبداد والاستغلال الفاحش والفساد والعمالة وهو ما أدّى إلى تفاقم الفوارق الطبقية كما أدّى إلى تفاقم البطالة والتهميش والفقر والتفاوت بين الجهات. وهي العوامل التي أثارت نقمة الشعب التونسي قديما وحديثا فحاول النضال ضدها وفجر في وجهها شتاء 2010 – 2011 ثورة عارمة.

إن ثورة 14 جانفي ليست حدثا معزولا عما حصل في بلادنا في الستينات والسبعينات والثمانينات وسنة 2008 فيما يعرف بأحداث الحوض المنجمي هذه الأحداث التي مهدت للثورة والتي راكم الشعب التونسي من خلالها تجربة ثرية استخلص منها الدروس التي جعلته هذه المرة يحاول وينجح في المحاولة مؤكدا إصراره على أنه أصبح غير مستعد للعيش تحت قهر النظام واستغلاله وفساده وعمالته.

أما العامل الثاني فهو الطابع الشعبي لأحداث الثورة حيث شاركت فيها كل الطبقات والفئات الشعبية المتضررة ماديا ومعنويا من النظام. وإن كان العاطلون عن العمل هم السباقون للاحتجاج فإن بقية الفئات سرعان ما التحقت بهم، أساتذة ومعلمين ومحامين وأخيرا العمال والأجراء وكل فئات الشعب في المدن والأرياف مما أعطى للأحداث طابعا عاما ووطنيا.

العنصر الثالث هو شعارات الثورة التي ترجمت أهدافها ومطالبها ذلك انها ركزت على الإطاحة بنظام الحكم الفاسد ( الشعب يريد إسقاط النظام، الشغل استحقاق يا عصابة السراق وغيرها من الشعارات ). ورغم القمع والتقتيل تارة والمناورة والتمويه تارة أخرى فقد اصر الشعب الثائر على بلوغ أهدافه أي إسقاط رمز الدكتاتورية ورأس النظام وهو ما يميز ثورة 14 جانفي عن الانتفاضات التي سبقتها في 2008 و1984 وغيرها. لقد كانت ثورة حقيقية ذات اهداف وليست مجرد حركة للاحتجاج والتعبير عن الغضب ولا هي حركة محلية أو ظرفية.

لقد أدركت الجماهير في حركتها العفوية جوهر مصالحها فعبرت عنها بشعاراتها ولكنها أيضا أدركت حقيقة موازين القوى مع النظام القمعي فنظمت احتجاجاتها بشكل فوت على نظام الحكم رغم كل مساعيه فرصة تحويلها إلى حرب أهلية دامية إذ لم يستعمل المحتجون السلاح ولم ينجروا في الغالب إلى أعمال التخريب حيث اقتصرت أعمالهم على مهاجمة مراكز السلطة ورموز النظام والفساد المرتبطين به. وبذلك اثبت الشعب التونسي أنه فجر ثورة شعبية من أجل نيل الحرية والتخلص من نظام الاستبداد وتحقيق مطامحه في الشغل والكرامة والمساواة والقضاء على التهميش والحقرة.

فيما نجحت الثورة وفيما فشلت؟؟
الآن وقد انقضت ست سنوات بعد هروب بن علي كيف يمكن أن نقيم حصيلة الثورة التونسية؟ ما يتفق فيه الجميع تقريبا بصرف النظر عن الموقف الذي اتخذته جميع الأطراف مما حدث هو ان حصيلة الثورة تقف عند المكسب الديمقراطي. ويشتمل هذا المكسب، إذا ما فككناه، إلى ثلاثة عناصر أساسية هي مدنية الدولة والحريات العامة والفردية والنظام السياسي التي وضع الدستور الجديد أسسها.

فبخصوص مدنية الدولة فإن الدستور الجديد أعلن صراحة أن الدولة التونسية دولة مدنية، الشعب هو مصدر السلطة والتشريع فيها وغلق الباب " نهائيا " أمام التصورات المنادية بدولة ذات مرجعية دينية. وعلاوة على ذلك ضمن " حرية المعتقد والضمير " بل وكفل في ذات الوقت حرية " ممارسة الشعائر الدينية " ونصص على " حياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي ". وهو مكسب مهم حتى وإن بقي منقوصا ذلك أن عدم التنصيص على حياد المساجد عن التوظيف السياسي ( إلى جانب الحياد عن التوظيف الحزبي ) نقيصة ستترك الباب مفتوحا للأئمة أتباع التيارات السياسية التي تتخذ من الدين غطاء كي يوظفوا المساجد بطرق ملتوية لفائدة أحزابهم وضد خصومهم السياسيين. ومعلوم أن مثل هذه الضمانات الدستورية على أهميتها تبقى دوما عرضة للانتقاص والتراجع في الممارسة حسب ما تسمح به موازين القوى السياسية في كل مرحلة من مراحل الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد.

أما المكسب الثاني في الدستور الجديد فهو باب الحقوق والحريات الذي يتضمن المبادئ العامة المتعلقة بالحريات الأساسية، العامة والفردية، لإرساء المواطنة في مفهومها الحديث. حيث نص في الباب الخاص بالحقوق والحريات على تساوي المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وعلى ضمان الدولة لهذه الحقوق والحريات وخاصة قدسية الحق في الحياة رغم أن هذه الصيغة لم تراع فحوى الاتفاقيات الدولية ولم ترتق إلى ما ورد في دساتير أخرى ( المغربي مثلا ) في ما يتعلق بالحق في الإجهاض. كما نص الدستور على تجريم التعذيب وعلى حماية حرمة المسكن والمراسلات والمعطيات الشخصية وعلى " حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر .." وحرية البحث العلمي .. " وحق الانتخاب وضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة وحق تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات والحق النقابي والحق في الإضراب وفي الاجتماع والتظاهر. وإلى جانب ذلك تضمن الدستور فصولا خاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل الحق في العلاج والرعاية الصحية والحق في التعليم والعمل والثقافة وحرية الإبداع والرياضة والترفيه والماء والحق في البيئة السليمة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى ما جاء في الفصل 46 من الدستور بخصوص " حماية الحقوق المكتسبة للمرأة .. وتطويرها " وسعي الدولة " إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة " واتخاذ التدابير " الكفيلة بالقضاء على العنف ضدها " فإنه بالمقابل من ذلك لم ينص صراحة على المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل " خشية " أن يقع استغلال ذلك لفرض المساواة في الإرث. ومعلوم أن كتلة حركة " النهضة " مدعومة بعدد من نواب الترويكا والعريضة الشعبية وبعض " المستقلين " كانت وراء هذا الاعتراض والنقص الفادح الذي ميز الدستور الجديد.

ولعل أهم ما جاء في الدستور وفي هذا الباب بالذات الفصل 49 الذي جرى بشأنه صراع طويل وتكمن أهميته في الفقرة التالية : " يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير..." ومن باب تحصين هذه الحقوق والحريات المنصوص عليها في فصول هذا الباب تؤكد الفقرة الأخيرة من الفصل 149 " لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الانسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور ".

من أبرز ما يستحق التوقف عنده أيضا بالتنويه في الدستور الجديد هو طبيعة النظام السياسي الذي أقرّه، في صيغة يمكن القول أنها فريدة من نوعها إلى حد ما. فلا هو نظام برلماني بالمعنى الكامل للكلمة ولا هو نظام رئاسي على الشاكلة الرئاسوية الذي كان عليها في عهدي بورقيبة وبن علي أو حتى من النمط الفرنسي أو اﻷمريكي. فهذا النموذج من التوزيع للسلطات هو حصيلة صراعات حادة جرت داخل المجلس التأسيسي وفي الساحة السياسية ككل واعتبر بصفته نظاما مختلطا (النظام البرلماني المعدل أو الرئاسي المعدل) هو أقرب النظم إلى الديمقراطية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها بلادنا لأنه يمنع تغول أي من السلط على الأخرى.

لا شك ان هذه المكاسب على أهميتها وعلى أهمية النص القانوني الذي أرساها ( الدستور ) تبقى لا محالة عرضة للتراجع والانتقاص. فهي كغيرها من الحقوق خاضعة لتقلبات الأوضاع وموازين القوى ولا ينبغي الاعتقاد بأنها ثابتة ثباتا مطلقا ولا هي محمية نهائيا من التهديدات. ومع ذلك يمكن القول انها تمثل حدا فاصلا بين شكل الدولة الديكتاتوري والشكل الديمقراطي. لذلك يمكن القول أن الثورة التونسية حققت في هذا المضمار قطعت مع الاستبداد ووضعت أسس النظام الديمقراطي على الأقل في حدوده البرجوازية أي الديمقراطية بالمنظور البرجوازي الذي يكرس الحريات العامة والفردية وحق الشعب في ممارسة السلطة واختيار من يحكمه عبر صناديق الاقتراع ووضع الآليات القانونية لحماية هذه الحريات. وهو مكسب، إذا ما نظرنا إليه من زاوية ما عرفته بلادنا من استبداد طوال حكم بورقيبة وبن علي، مهم بل وفي غاية الأهمية.

إن النظام الديمقراطي الجديد الذي جاءت به ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي على جدته يبقى عرضة للالتفاف سواء تحت ضغط رأس المال ومحاولات توظيفه او نتيجة مسعى الحكام الجدد الذين جاءت بهم انتخابات أكتوبر 2011 واكتوبر 2014 للعودة إلى النظام القديم ونزوعهم إلى احتكار الحكم والتضييق على القوى السياسية الأخرى التي تخالفهم الرأي وخاصة القوى التي تهدد سلطتهم ونظامهم أي القوى الثورية التي تنتصر للشعب وللطبقة العاملة خاصة.

وللحقيقة أن هذه المساعي الالتفافية قادرة على تحقيق أهدافها طالما بقيت البنى الاجتماعية القديمة قائمة دون تغيير وطالما ظل نمط الإنتاج القديم هو النمط السائد وطالما استمرت علاقات الإنتاج التي يكرسها مستمرة.

إن نمط الإنتاج الرأسمالي التابع، الذي تستأثر فيه البرجوازية الكبيرة (أي كبار الصناعيين والملاكون الزراعيون الكبار وبيروقراطية الدولة وكل العناصر التي تعيش من ريع تمثيلها للرأسمال الأجنبي المهيمن على بلادنا ) على منتوج العمل الاجتماعي هو القاعدة المادية لنظام الاستغلال الاجتماعي والقهر السياسي الذي سيطر على بلادنا ومجتمعنا ومسك بكل دواليب الدولة.

وهو ما ينطبق تماما على كل البلدان العربية تقريبا وحتى على عدد كبير آخر من بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. ففي تونس كانت دولة البرجوازية الكبيرة العميلة دولة هذه الأقلية واتبعت على الدوام منذ أن انتصب نظام الحكم بالاتفاق مع الاستعمار الفرنسي المباشر شكلا ديكتاتوريا منغلقا وأخضعت الطبقات الشعبية، العمال والفلاحين وصغار المزارعين والحرفيين والموظفين وسائر الفئات الاجتماعية التي تعيش على الأجرة وبيع قوة عملها إلى الاستغلال الاقتصادي والقهر السياسي.

وقد تحول هذا النمط مع تعميم الليبرالية الجديدة إلى مرحلة من التعفن همشت أغلبية واسعة من الشعب وفقرته فيما أصبحت أقلية محدودة تعيش حياة الرخاء حد البذخ وتشكلت طبقة رأسمالية فاسدة ومافيوزية مرتبطة ارتباطا شديدا بالاحتكارات والدول الإمبريالية في عصر العولمة. وبالنظر إلى طابعها المافيوزي هذا لم يعد للدولة دور اقتصادي تنموي بل أصبحت أداة من خلاله نظمت الأقلية الرأسمالية الفاسدة عملية النهب في إطار اقتصاد ريعي غير منتج ومعرقل لتطور قوى الإنتاج. وهو ما أفرز اجتماعيا تضخم الجزء المعطل من قوى العمل.

هذه التحولات أجرت تغييرا على " لائحة " المطالب والانتظارات الاجتماعية إذ لم يعد النضال الاجتماعي المنظم في النقابات والأطر التقليدية هو الواجهة الوحيدة للصراع الطبقي بل أصبحت الاحتجاجات غير المؤطرة رافدا ذا وزن في الحراك الاجتماعي العام. ولم تعد المطالبة بالترفيع في الأجور والتقليص من ساعات العمل وتحسين ظروف أداء المهنة هي محاور الصراع الأساسية وإنما انضافت إليها المطالبة بالتشغيل وبالتغطية الاجتماعية وبجملة الحقوق الاجتماعية الأخرى كالمعالجة والسكن وغيرها.

لقد دخلت قوى اجتماعية جديدة ركح الحياة السياسية وحلبة الصراع بشكل قلص إلى حد ما الدور المحوري الذي كانت تضطلع به الطبقة العاملة في الصراع ضد البرجوازية. وقد لعبت هذه القوى دورا كبيرا في الانتفاضات التي شهدتها عديد البلدان العربية منها وغير العربية مثل المغرب ومصر وتونس في ما يسمى بثورات الجياع ( انتفاضة 18 يناير في مصر سنة 1982 وثورة الخبز في تونس سنة 1984 وثورة الجياع في الأردن الخ ... ). وفي السياق نفسه تندرج احداث الثورة في تونس في شهر ديسمبر 2010 الذي كان قادحها المباشر إقدام محمد البوعزيزي على حرق نفسه دفاعا عن حقه في اكتساب قوت يومه من مهنة بيع الخضر في الوقت الذي لم يتسن له الحصول على شغل قار مثله مثل مئات الآلاف من الشبان في تونس.

إن ما رفعته هذه الحركات الاحتجاجية والانتفاضات من مطالب على " بساطتها " ( الحق في الشغل وفي الخبز والعيش وفي الصحة والتعليم المجانيين الخ ... ) يستهدف في الحقيقة جوهر النمط الاقتصادي وخيارات التنمية التي ولدت لدى الفئات المفقرة والمهمشة هذه الحاجات الحياتية. فوراء الحق في الشغل والتعليم والصحة يستشف المطالبة بنمط تنمية جديد ينتج الثروة ويخلق قيمة مضافة لتمويل المشاريع الصناعية والفلاحية والخدماتية المتطورة ولتسديد كلفة مجانية التعليم والتربية والبنية الأساسية المتطورة، نمط يوفر فرص الشغل والعيش الكريم. وبهذا المعنى يمكن القول أن هذه الحركات الاحتجاجية رسمت أهدافها الثورية العميقة أي مضمون التغيير العميق المطلوب ولكنها لم تحسن صياغتها ولم تبلورها في برنامج واضح على الطريقة التي تجيدها الأحزاب السياسية وتتقنها.

في نفس الوقت لم تعدل الأحزاب السياسية ساعتها على هذه الاستحقاقات وتعلقت مطامحها أكثر بما هو سياسي فقط أي مسألة الحرية والديمقراطية وفي أقل الأحوال لم تكن جاهزة لالتقاط اللحظة لتقدم برنامج التغيير الشامل الذي يتضمن أجوبة عما يهم نظام الحكم والحريات وقضايا الديمقراطية ولكن أيضا يمتلك الأجوبة اللازمة عن مسألة التنمية والجوانب الاقتصادية والاجتماعية وخاصة المطامح الشعبية العاجلة والملحة في التشغيل وتحسين ظروف العيش والصحة والتربية والسكن وغيرها.

ولهذا ظل الملف الاجتماعي برمته مطروحا للحل كما لو ان الثورة لم تحصل بالمرة واقتصر التغيير على الجوانب السياسية فقط. لذلك دخل المسار الثوري في سياق ابرز اتجاهين متعاكسين : سلطة جديدة تعتبر نفسها الوريث الشرعي للثورة وصاحبة الاستحقاق الانتخابي تعمل على غلق قوس الثورة والعودة بالبلاد إلى الوضع " الطبيعي ". وفي الاتجاه المعاكس لذلك حركة اجتماعية مصابة بخيبة امل ولكنها تصر على مطالبها ولا تنفك تعبّر عن غضبها وتمسكها بضرورة إجراء التغيير المنشود وتحقيق المطالب التي رفعتها طوال أيام الثورة.

وهو ما سنخصص له كراسا مستقلا في الأيام القليلة القادمة.
فيفري 2017

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت