الحرب علي الابواب ...

أحمد فاروق عباس
2024 / 1 / 30

منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣ لم تكن الحرب بين مصر وإسرائيل قريبة للغاية مثلما هي اليوم ..

ومنذ نوفمبر ١٩٧٧ عندما زار السادات إسرائيل ثم وقع معها اتفاقية السلام عام ١٩٧٩ لم يكن السلام بين مصر وإسرائيل علي وشك التلاشي كما هو اليوم ..

لماذا هذا التوقع ؟!

وما هي الأسباب التي دعتني للقول أن الحرب بين مصر وإسرائيل تقترب بشدة ، وأنها قاب قوسين أو أدني ..

الأسباب هي كالآتي :

١ - أن إسرائيل تري أن النصر الوحيد في غزة هو في طرد الفلسطينيين من القطاع الي سيناء ، وهو هدف إسرائيلي واضح وضوح الشمس منذ يوم ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ ..

قدمت إسرائيل خلال المائة يوم السابقة مجموعة من الأهداف الدعائية للحرب مثل :

أ - القضاء على حماس كحركة سياسية وعسكرية .
ب - إنهاء حكم حماس في غزة .
ج - قتل والتخلص من قادة حماس وخاصة قادة الجناح العسكري ..

وكلها أهداف تعمل إسرائيل فعلا علي تحقيقها ، ولكن يظل الهدف الأكبر والاهم ليس التخلص من فصيل سياسي وعسكري في غزة ، ولكن التخلص من كتلة سكانية فلسطينية هائلة والقائها إلي خارج دولة إسرائيل ..

وتحقق إسرائيل من وراء ذلك مجموعة من الأهداف منها :

بقاء اليهود كأكبر كتلة سكانية في فلسطين التاريخية ، فلأول مرة منذ عشرات السنين يفوق عدد العرب في فلسطين عدد اليهود ، وإذا استمر الأمر كما هو عليه الآن - من حيث معدل المواليد - فمن المتوقع أن يصل عدد السكان العرب عام ٢٠٥٠ نحو ١٤ - ١٥ مليون إنسان مقابل ٨ - ٩ مليون يهودي ، وهو ما يضرب المستقبل والوجود الإسرائيلي في الصميم ..

ومن هنا كان التفكير منذ حوالي ٢٠ سنة في إيجاد وسيلة - أو حجة - يمكن بمقتضاها طرد الفلسطينيين في غزة إلى سيناء ، وطرد الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى الأردن ..

وقدمت لهم عملية حماس في ٧ أكتوبر الماضي فرصة عمرهم لوضع هدف موضوع الترانسفير أو طرد الفلسطينيين موضع التنفيذ .. وبدون تكلفة كبيرة ..

ومن وجهة نظر إسرائيل فإن ذلك هو الحل الوحيد لبقاء إسرائيل وضمان أمنها ..

٢ - خطت إسرائيل خطوة كبيرة في هذا المشروع بإعادة احتلال غزة ..
كانت إسرائيل قد انسحبت من قطاع غزة من طرف واحد عام ٢٠٠٤ ، وفى عام ٢٠٠٦ تولت حماس حكم غزة وحتي الآن ، وفى خريف ٢٠٢٣ بعد ما حدث في ٧ أكتوبر قامت إسرائيل كرد فعل لما فعلته حماس بتدمير قطاع غزة بالكامل وجعل الحياة فيه مستحيلة ..

وكانت تلك خطوة أخرى تقرب إسرائيل من هدفها الكبير ... تهجير الفلسطينيين خارج ارضهم .

٣ - اقتربت إسرائيل أكثر من تحقيق هدفها بجعل الكتلة السكانية الأكبر من سكان غزة ينزحون إلى الجنوب ويتكدسون على الحدود مع مصر ..
والآن أغلب سكان غزة يقيمون في المدن القريبة من الحدود المصرية وخاصة خان يونس ورفح ..

٤ - أعلن نتانياهو منذ أسبوع أن هدف إسرائيل الأن هو السيطرة علي محور صلاح الدين - أو محور فيلاديلفي !! وفهمت مصر الهدف الاسرائيلي فورا وهو ان الخطوة الاخيرة في موضوع تهجير الفلسطينيين الي سيناء قد اتخذت في اسرائيل ..

واذا حدث ذلك كان بإمكان إسرائيل فتح المعبر أمام طوفان من مئات الآلاف من الفلسطينيين لتعبر إلي الحدود المصرية وبدون عودة ..

ورفضت مصر المطلب الإسرائيلي فورا وبحسم ..
وقد أخبرت مصر إسرائيل أنها لن تسمح لها بالسيطرة على محور فلاديلفي ..

ومحور صلاح الدين أو فلاديلفي هو المعبر الرئيسي لعبور البشر من قطاع غزة إلى مصر ، بعكس معبر رفح المخصص لعبور الشاحنات والبضائع ..
ومن أجل الوصول إلى معبر فيلادلفي تتهم إسرائيل مصر بأنها تسلح حماس ، وهو ما يعطي المبرر لإسرائيل طبقا لرأيها في السيطرة على المعبر لمنع التهريب ..

وطبقا للصحافة الأمريكية فإن إسرائيل مصممة على احتلال معبر فيلادلفي ، وان قوات إسرائيلية سوف تتوجه إلي المعبر لاحتلاله .. هو ما يعني أمرا واحدا .. صدام مصري إسرائيلي .

وكرد من مصر فقد كثفت وجودها العسكري في سيناء عموما وحول معبر فيلادلفي خصوصا .. استعدادا لأي تحرك إسرائيلي متوقع نحوه ..

وطبقا للصحافة الامريكية والاسرائيلية فإن الدبابات والآليات المسلحة المصرية في شمال سيناء هي الأكبر منذ حرب ١٩٦٧ ..
وطبقا للصحافة الإسرائيلية أيضا منذ ثلاثة أيام فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض الرد علي اتصالات بنيامين نتنياهو ..

وما يدعم خطورة الأوضاع أن إسرائيل سحبت مليارات الدولارات من ميزانية الوزارات المدنية وحولتها إلي الجيش الإسرائيلي ، وهو ما يعني أن إسرائيل تستعد لحرب طويلة ومكلفة ..

وكنوع من ابتزاز مصر وتركيعها اصبحت الضغوط عليها لا تطاق .. لكي تستسلم وترضخ لمشروع توطين الفلسطينيين إلى سيناء ..

وتنوعت الضغوط الرهيبة على مصر كالآتي :

أ - ضغط سياسي : أصبحت حدود مصر القريبة والبعيدة كلها ملتهبة ..
ولم يأتي ذلك صدفة .. بل تم ذلك بفعل فاعل !!

من انهيار الأوضاع في السودان بالحرب الأهلية المستمرة من عشرة شهور ، والتي جعلت من أهل السودان أكبر النازحين والمهجرين في العالم ، وهو ما يؤثر علي الامن القومي المصري في الصميم ، وجزءا كبيرا من أهل السودان نزح إلى مصر هربا من الأوضاع في بلادهم ..

وهناك من يري ان ما يحدث في السودان أكثر خطورة علي مصر من موضوع غزة ..

ثم تلا ذلك تفجر الأوضاع في البحر الأحمر ، مع الاتفاق الأثيوبي مع أرض الصومال ، بتقديم منفذ لأثيوبيا على البحر الأحمر ، تتحكم في الحركة فيه ، وهو ما يمثل تحديا لا يستهان به لمصر ..

ثم جاء ايقاف الملاحة في البحر الاحمر الي قناة السويس – بعد هجمات الحوثيين علي السفن التجارية الامريكية والبريطانية - تحديا جديدا لمصر من جملة تحديات تجمعت وتكثفت علي صانع القرار المصري ، ربما لدرجة غير معروفة في التاريخ المصري الحديث ..

وبالتالي أصبحت الضغوط السياسية الضاغطة على أعصاب مصر هائلة ، وكأن هناك من يريد تشتيت انتباهها علي كل محاور حدودها ، حتي يضرب ضربته ومصر تترنح .. لا تعرف من أين سوف تجيئها الطعنة ..

ب - ضغط اقتصادي ..
وفى موضوع الاقتصاد المصري هناك حديث طويل ، خلاصته إن هناك جهدا يبدو منظما لوضع الاقتصاد المصري بين فكي كماشة ..

اولا جاءت الازمة – أو الازمات – الحالية وظروف الاقتصاد المصري ليست في أفضل أحوالها ، فكما كان عقد ٢٠١١ - ٢٠٢٠ هو عقد الربيع العربي وبراكينه المتفجرة ، جاء العقد التالي له ٢٠٢٠ – وحتي الان ليصبح عقد التوترات والازمات الدولية الكبيرة ..
ازمة فيروس كورونا ، ثم أزمة التضخم العالمي ، ثم الحرب الروسية الاوكرانية ، ثم ازمة الاقتصاد الامريكي ورفع سعر الفائدة مرارا مما سحب الدولار من اسواق العالم .. كل ذلك ترك الاقتصاد المصري في وضع صعب ، وزاد علي مشاكله الاتي :

١ حرب غزة .. وقد تركت أثرها علي السياحة – وهي قريبة من شواطئ مصر في سيناء والبحر الاحمر - المصرية طوال موسم الشتاء الحالي ، واذا عرفنا أن موسم الشتاء هو الموسم الرئيسي للسياحة المصرية ، وان السياحة قدمت لمصر العام الماضي نحو ١٤ مليار دولار نفهم أي ضربة تلقاها الاقتصاد المصري ..

٢ – تحرك الحوثيين لضرب الملاحة في البحر الاحمر .. وهو ما أثر بصورة كبيرة علي حركة التجارة الدولية عبر قناة السويس ، وجعل شركات دولية كبري تري أن المرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح بديلا أكثر أمنا في الظروف الحالية ..
واذا عرفنا أن قناة السويس قدمت للاقتصاد المصري نحو ١٠ مليار دولار العام الماضي نفهم أي ضربة قوية أخري تلقاها ..

٣ – اعلان نتانياهو أن الحرب في غزة ستستغرق عام ٢٠٢٤ كله !!

واذا عرفنا أن قطاع غزة أصبح حطاما الآن ..
فالسؤال هو : ماذا سيفعل نتانياهو - اذن - طوال عام كامل قادم !!

ان مصر حتي الان لم تخضع للمطالب الاسرائيلية الامريكية بتهجير الفلسطينيين الي سيناء .. ولكن يمكن مع مزيد من الضغط الاقتصادي وخنق مصر في أهم مواردها أن يلين – في تصورهم - الموقف المصري !!

ج - ضغط داخلي .. وهو ما نلاحظه من بدء تسخين الجبهة الداخلية في مصر ، مثل ظهور وقفات احتجاجية مفاجئة تتهم مصر بأنها تشارك إسرائيل في حصار غزة !! او ارتفاع الصوت أن مصر متقاعسة في موضوع غزة ، او ان مصر متواطئة في موضوع غزة !!

وهناك اطراف داخل مصر مستعدة أن تهدم المعبد على رؤوس من فيه انتقاما من رجل واحد .. هو عبد الفتاح السيسي !!

خلاصة ما تقدم ..

أن الظروف في فلسطين وفي غزة قدمت لإسرائيل فرصة كبيرة لتحقيق أهداف وضعتها علي الورق منذ عقود وجاء أوان بعث الحياة في الخطط والأوراق ..

وقدمت لها ظروف الاقليم – ضياع سوريا والعراق وليبيا من مجموع القوة العربية الشاملة – فرصة كبيرة ثانية لتمرح في الشرق الاوسط كما تشاء ..

وقدمت لها ظروف مصر الاقتصادية الصعبة وظروف جبهتها الداخلية المهتزة فرصة ثالثة لتنفيذ ما فكرت فيه وتمنته طويلا ..

ولكن الاكيد .. أنه لا ظروف مصر الاقتصادية الصعبة ولا جبهتها الداخلية المهتزة سوف تمنع مصر من رفع السلاح اذا اقتضي الامر دفاعا عن مقدسات لا يصح مجرد التفكير في العبث بها ..

والأكيد أيضا انه في حالة اصرار اسرائيل علي مشروعها المجنون بتهجير الفلسطينيين الي سيناء فإن الحرب بين مصر واسرائيل واقعة لا محالة .. ولا يفصلنا عنها الكثير ..

لذا كان رأيي ان الحرب بين مصر واسرائيل لم تكن قريبة من ٥٠ عاما كما هي قريبة اليوم ... وأن السلام بين الدولتين لم يكن علي وشك التلاشي كما هو حاله اليوم ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت