ذكرى كذبة -الإنصاف والمصالحة-..

حسن أحراث
2024 / 1 / 28

يكذبون ويكذبون ثُمّ يكذبون...
إنها أدوارٌ قذِرة بمقابل سخِيّ. والسيء في الأمر أن يقوم بذلك من كانوا محسوبين على النضال والثورة. والأسوأ من ذلك أن يتمّ القبول بتلك المسرحيات البهلوانية حتى من طرف ضحايا "الضحايا". فكما شركات المناولة، إن النظام القائم لم يعُد "يُوَسِّخْ" (يُلطِّخ) أياديه في دماء الكثير من الجرائم؛ ويقوم بذلك بتفانٍ وإبداع "صقور" الأمس، أي حواري اليوم..
ومناسبة هذا الحديث المزعج هو تخليد المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذكرى العشرين (20) لإحداث "هيئة الإنصاف والمصالحة"، وهو الاحتفاء الذي سيمتد حسب المجلس طيلة سنة 2024، تحت شعار "الحقيقة والإنصاف والمصالحة". وسيعتمد "برنامجا غنيا ومتنوعا يبرز ثراء هذه التجربة وأثرها، من خلال محاور رئيسية تضم بالأساس: الذاكرة والتاريخ، وتقارير ومؤلفات وإصدارات، وأشرطة وثائقية وتواصلية، وتظاهرات فنية وثقافية وأكاديمية ذات بعد جهوي ووطني ودولي" (عن بلاغ للمجلس).
إنهم يكذبون ويُخلّدون مناسبات انخراطهم في نوادي الافتراء والتضليل والكتابة المُزيّفة للوقائع التاريخية.
فهل نصمت أمام جرائم الكتابة المزيفة للتاريخ؟!
هل نقبل أن نكون شهود زور أو "شياطين" ترى وتسمع ولا تتكلم؟!
إنها مسؤولية تاريخية على عاتقنا، سنحاسب أمام الأجيال القادمة على مدى فضحنا لكذبهم المشين أو مدى تواطؤنا وتعايشنا مع أبشع جرائم التزييف..
نعلم أن مواقفنا لا تهمُّهم. لأن كذباتهم غير مُوجّهة الينا، ولأننا في موقع سياسي وإعلامي لا يُؤهّلنا لإسماع الصوت البديل. ومن بين ما يؤلمنا الحصار الذي يمارس علينا من طرف ضحايا "الضحايا" وحتى من طرف بعض "الثوار" على أنفسهم وعلى "رفاقهم" وليس على النظام..
وهنا بيت القصيد، فإذا لم يتجنّد المعنيون بالحقيقة حقيقة، فهل ننتظر من النظام وأزلام النظام القيام بما يجب أن نقوم به نحن؟!
إن هذا المقال المختصر يهدف بالدرجة الأولى إلى الإبقاء على قضية الاعتقال/القمع السياسي متوهِّجة وحاضرة. وأعتبر تناول القضية كظاهرة إعلان إفلاس سياسي مثير للشفقة.
وهنا لا مجال للمزايدة أمام أعداد المعتقلين السياسيين والمختطفين ومجهولي المصير...
وأكثر من ذلك، وعودة إلى كذبة "الإنصاف والمصالحة"، فهناك الكثير من ضحايا القمع السياسي السابقين يعانون حتى اليوم، وبتفاوت غير "مفهوم"..
وأرفع التحدي أمام الملأ والتاريخ، لماذا إخفاء لوائح التعويض والسكوت عن معايير التعويض وعن مبالغ التعويض، علما أن الأمر يهم المال العام وليس مال المتورطين فيما يسمى بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والمسؤولين عنها، أمرا وتنفيذا؟
ويشرفني أن أكون واحدا صادقا من بين من رفضوا كموقف سياسي مبدئي تقديم ملفات التعويض لكذبة "الإنصاف والمصالحة"، وهو ما انسجم مع رفضي سنة 1984 تقديم طلب النقض والإبرام بعد حكم خمسة عشر (15) سنة سجنا نافذا. لا ألوم من قام بذلك، سواء طلب النقض والإبرام أو طلب التعويض، ولا أزايد أخلاقيا على أحد، لأنه حق مشروع. لكن ما يحُزّ في النفس هو التمييز غير المقبول. فالتعويض قام على مدى القرب السياسي من النظام وحواري النظام الذين تكلفوا بتصفية جرائم الماضي (طي صفحة الماضي)، أي الانبطاح والتوقيع على بياض..
إنها جرائم تُعالج/عولِجت بجرائم، وبأيادي "ضحايا" الإجرام، دون كشف الحقيقة ودون محاسبة المسؤولين عن جرائم الماضي، ومن بينهم من استمروا في إدارة الشأن العام..
وعموما، أي معنى لما يسمى بالعدالة الانتقالية في ظل نفس النظام المسؤول عن جرائم الماضي؟
وبالنسبة للمجلس الوطني كآلية شكلية وطيعة لا علاقة لها بما يسمى بالمؤسسات الوطنية "المستقلة" التي تعنى بحقوق الإنسان وفق اتفاقية باريس، والذي يتحدث بدون خجل عن الحقيقة وعن الذاكرة وعن التجربة الفريدة للعدالة الانتقالية، أين الحقيقة بشأن العديد من الأسماء وعلى رأسها المهدي بنبركة ومنذ سنة 1965؟
أين قبر الشهيد عبد اللطيف زروال؟
أين قبر الشهيد المعطي بوملي؟
أين قبور العديد من الشهداء وماذا عن مصير العديد من المختطفين ومجهولي المصير، وفي مقدمتهم عبد الحق الرويسي ورشيد المنوزي وعبد الحق الواسولي...؟
إننا نخجل من عدم ذكر كافة الأسماء، فكل الاعتذار للشهداء والمختطفين ومجهولي المصير وعائلاتهم..
وماذا عن عدم التكرار ضمن توصيات كذبة "الإنصاف والمصالحة"، والتكرار يفقأ العيون، بما فيها عيون صناع التجربة الميتة؟
ماذا عن جبر الضرر الجماعي، وهناك العديد من المناطق المنكوبة جراء الانتقام السياسي تعاني حتى اليوم، ومنها منطقة فكيك...؟
لماذا يغلق المجلس أبوابه أمام العديد من الضحايا وتظلماتهم، باعتباره مسؤول عن استكمال مهامّ كذبة الإنصاف والمصالحة...؟
وأخيراً، أتحدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان فيما يتعلق بنشر الوثائق المتعلقة بكواليس كذبة الإنصاف والمصالحة، ما دام يتحدث عن الحقيقة وعن سنة "الحقيقة والإنصاف والمصالحة"..
إن اعتماد الحقيقة كاملةً وبدون أوهام لا يمكن أن يتمّ من طرف نظام لاوطني لاديمقراطي لاشعبي، وبالتالي فإنها مسؤولية المناضلين حقا...
إضافة:
بعض "البُلداء" والتافهين يتوقعون/ينتظرون سقوطنا. فهل بعد صمودٍ لأزيد من أربعين سنة في وجه التّرغيب والتّرهيب وطعنات الغدر والافتراء والتضليل سنسقط؟
هيْهات...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت