الماء، والهواء، والكلأ، هل يعتبر اشتراكية؟

محمد الحنفي
2024 / 1 / 28

إن الاقتناع بالأيديولوجية، يجر إلى الهلاك، إن لم يكن هو الهلاك نفسه، خاصة، وأن أي مجتمع طبقي، نجد فيه تصارع الأيديولوجيات المتناقضة، نظرا لتضارب مصالح الطبقات المتناقضة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والعمل على أهمية الحياة، يحرص على أن التحاق المنسحبين من حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، بحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، لكونه يعتمد في تقريره التنظيمي، مفهوم الاشتراكية الأيكولوجية، التي اعتبرها المنسحبون المهرولون، بعد انسحابهم من حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، في اتجاه الالتحاق بالخيمة الكبرى، التي تعرف تأسيس حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، الدي التحقوا به، الذي ربط الاشتراكية بالأيكولوجية، فكأن التقرير التنظيمي حاسم في الارتباط بالطبيعة، التي تأثر بها، واعتبر أن الاشتراكية، والطبيعة، متلازمان، أو تأثر بالحديث الشريف الذي يقول:

الناس شركاء في ثلاث: الماء، والهواء، والكلأ.

ونسي أن الأراضي، أصبحت ملكا للخواص، أو تحت سيطرة المخزن، يفعل بها ما يشاء، ويقتطع أجزاء كبيرة منها، لعملاء السلطة المخزنية، الذين منهم الأمر، ومنهم النهي، لهم الاقتصاد، ولهم الاجتماع، ولهم الثقافة، ولهم السياسة، لأن من صار إقطاعيا، أو بورجوازيا، من أولئك العملاء، صارت له الكلمة الأولى، بعد كلمة المخزن، التي لا تخرج عن كونها توجيها للكلمة الأولى، التي صارت ملكا للإقطاع، وللبورجوازية على مستوى تواجدهم في أماكن معينة، على مستوى كل مدينة، وكل قرية، وكل قبيلة، وكل إقليم، وكل جهة، وعلى المستوى الوطني.

وإذا كان الإنسان، أي إنسان، يعيش من كلإ أرض معينة، صارت ملكا لإقطاعي معين، فعلى ذلك الإنسان، أن يصير من عبيد الأرض، الذين يتصرف فيهم الإقطاعي، وفي أبنائهم، وبناتهم، ونسائهم، وفيما يملكون، كذلك، لأنهم، جميعا، عبيد للأرض، أو بمثابة عبيد الأرض. والدولة، الآن، أصبحت تتحكم في الماء، ولا يستطيع الإنسان شرب الماء الصالح للشرب، إلا إذا اشتراه من الدولة، أو اشتراه من تاجر معين. أما الكلأ، فقد أصبح تحت رحمة المتاجر، والمطاعم، ومعدي الأكلات السريعة، وبالأثمنة التي يحددونها، شاء من شاء، وكره من كره. ويبقى الهواء الملوث، مشاعا بين الناس جميعا. إلا أنهم، جميعا، صاروا يعانون من تلوث الهواء، الذي يستطيع الإقطاع، وتستطيع البورجوازية، التوفر عليه، بما صاروا يسمونه بالأحياء الراقية، التي يقام فيها السكن على مساحة واسعة، تحيط بها الخضرة، من كل جانب، حتى يصير نظيفا، مشحونا بالأكسيجين، ويستطيع، من يستنشقه، التمتع بصخة جيدة. أما عامة الشعب، فلهم الهواء الملوث، بدخان السيارات، التي أصبحت بعدد المساكن، التي يسكنها الناس الذين يعانون من تلوث الهواء.

ولذلك، نجد أن الماء، أصبحت تسيطر عليه الدولة، ومن لا يستطع الوصول إلى الماء، ويرشي المسؤولين، من أجل امتلاك الحق في استغلال المياه الجوفية، التي هي ملك للشعب، بالإضافة إلى إقامة المزارع، والضيعات، التي تبقى من مياه السدود، التي هي ملك للشعب، كذلك، وتبيعها الدولة، لأصحاب المزارع، والضيعات، أي تبيعها إلى الطبقة التي صنعتها الدولة، وتعمل على المحافظة عليها، كطبقة ثرية في المجتمع، الذي اقتضى من الحكام، أن يجعلوا منه مجتمعا طبقيا، بحكم حرصه على تمكين عملائه من الامتيازات الكبيرة، والصغيرة، والمتوسطة، حتى يتحول المجتمع، إلى مجتمع يتحكم فيه فرز البورجوازية، والإقطاع، والتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، مما يترتب عنه: وجود طبقات اجتماعية ثرية، على حساب الشعب المغربي، الذي يعاني من الفقر، والظلم، والاستبداد، والاستغلالـ في الوقت الذي يتمكن فيه الأثرياء من تكديس الثروات الهائلة، في الحسابات الخاصة، التي تمكنهم من امتلاك المزيد من العقارات الحضرية، والقروية، التي تدر عليهم المزيد من الأرباح الهائلة، التي تجعلهم يعيشون الحياة الفاسدة، التي تفسد الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. الأمر الذي يترتب عنه: أن الفساد، يصير من سمات المجتمع برمته. فالانتخابات، لا تمر إلا في إطار الفساد، والناخبون، في معظمهم، يبيعون ضمائرهم إلى المرشحين، والجماعات التي تحظى بعضوية الفاسدين، تصير فاسدة، والإدارة الجماعية، التي يعتبر موظفوها فاسدين، تصير فاسدة، والإدارة المخزنية، الوصية على الانتخابات المغربية، وعلى الجماعات الترابية، تعتبر فاسدة، والإدارات المخزنية الأخرى، تصير فاسدة، مما يجعل الفساد في المغرب، مسألة بنيوية، يصعب التخلص منها. فالعضو الجماعي، يعتبر الجماعة وسيلة للإثراء السريع، والرئيس الجماعي، يعتبر رئاسة الجماعة، وسيلة للنهب، بدون حدود، والقائد، يعتبر الجماعة وسيلة للإثراء السريع، عن طريق النهب، والارتشاء، حتى يصير من كبار الأثرياء، الذين يستطيعون الحصول، على ما لا يمكن الحصول عليه، بسهولة، الأمر الذي اقتضى التعامل مع صغار الفاسدين، على أنهم هم الذين يقفون وراء فرز كبار الفاسدين، الذين يقفون وراء دعم الحكم المخزني، الذي يستبد بالاقتصاد، وبالاجتماع، وبالثقافة، وبالسياسة، ولا يترك للحكام الصغار، الذين يستبدون به، إلا النهب، والارتشاء، وفي مختلف الإدارات المغربية، كما لا يترك للجماعات، وللبرلمان، إلا النهب، والارتشاء، بالإضافة إلى امتيازات الريع المخزني، التي يحصلون عليها، بطريقة، أو بأخرى.

وإذا كان الكلأ، قد سيطرت عليه الدولة، وعملاؤها، ومن عملت على صناعتهم، من بين العملاء، كبورجوازيين، وكإقطاعيين، وإذا كان الماء، قد سيطرت عليه الدولة، جملة، وتفصيلا، فإن الهواء، هو الذي يصير فيه الناس شركاء. غير أنه هناك من لا يستحق إلا الهواء الملوث، بالفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وهناك من يستحق هواء نظيفا، لا يستنشقه إلا الفاسدون، الذين يعملون على التمتع به، حتى يمتلكوا ضيعة جديدة، من خلال إقامتهم في الضيعات، التي تمكنوا من امتلاكها، وإما في السكن الفاخر، المحاط بالمساحات الخضراء، التي تنظف الهواء، وتقدمه نظيفا، ليستنشقه الفاسدون، الذين بلغوا ما بلغوا من الثراء، في ظل الفساد السائد، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ليبقى الهواء الملوث، من نصيب العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في المصانع، وفي المؤسسات الخدماتية، وبجوانب الطرقات، التي تمر منها السيارات، وفي الأحياء الشعبية، وفي مختلف الساحات، التي تعود الناس فيها، على الهواء الملوث، وبالتالي: لسنا شركاء، في الهواء. فالأثرياء الذين يمتلكون الضيعات، والسكن الفسيح، المحاط بالمساحات الخضراء، يتمتعون بالهواء النقي، غير الملوث، والمعطر برائحة الياسمين، والورود، والزهور، وغير ذلك من الأزهار المعطرة للجو، وللهواء الذي يستنشقه الأثرياء، ليبقى الهواء الملوث للفقراء، الذين لا قدرة لهم، تمكنهم من استنشاق الهواء النظيف، والمعطر، إلا بالنضال من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية. وما سوى هذا النضال، الذي يحتاج إلى أليات متعددة، فإن الأمر يبقى على ما هو عليه، لولا تطور العلوم، والمعارف، وغيرها، التي تبقى نمطا بورجوازيا، من التطور الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، لبقيت الأمور متوقفة، عند حدود معينة، خاصة، وأننا، الآن، أمام متغيرات جديدة، تقتضي الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب. الأمر الذي يجعل مصادر المعرفة، متعددة، ومصادر الاقتصاد، متعددة، ومصادر التحكم في الواقع، متعددة، مما يجعل العلم، يعرف نوعا من التطور، ونوعا من التقدم، وأنواعا من الريادة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

وحتى نصيب الهدف، يجب الإقرار جملة، وتفصيلا، بأن ما كان متعارفا عليه، بأن من حق الشعب المغربي، فقط، وأصبح مخوصصا، في معظمه، لمالكي الثروات الهائلة، الذين يعلمون بأن ما تمت خوصصته، يصير محرما على العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، كما يصير محرما على الجماهير الشعبية الكادحة، ومحرما على الشعب المغربي الكادح؛ لأن بورجوازيي الامتيازات، والاتجار في الممنوعات، والتهريب، والنهب، والارتشاء، ولا يقول كل واحد منهم إلا نفسي، نفسي، والعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، حين يهددون بقول كل واحد منهم: شعبي، شعبي، والفرق، كبير جدا، بين من يقول نفسي، نفسي، وبين من يقول شعبي، شعبي.

ونحن عندما نلمس الأمل في حياة الكادحين، ندرك، جيدا، أن الأمل في المستقبل وارد، والأمل في المستقبل، عندما يتعلق الأمر بالكادحين، فإن وعيهم بحقوقهم الإنسانية، والشغلية، يعتبر ريادة اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، يترتب عن تحقيقه، تحسين أو ضاعهم المادية، والمعنوية، الذي يترتب عنه، كذلك، امتلاك الوعي بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، كما يترتب عنه الاستغلال الطبقي الهمجي، الذي تمارسه البورجوازية، في مصانعها الحضرية، والاستغلال الطبقي الهمجي، الذي يمارسه الإقطاع، على العمال القرويين، الذين يقبلون بالأجر الزهيد، مقابل العمل بالضيعات، وفي مزارع الإقطاعيين، الذين لا قيمة لهم، سواء تعلق الأمر بالاستغلال الهمجي، الذي يمارس على العمال القرويين، أو تعلق بفكرهم المتدني، والمنحط، أو تعلق بطبيعة الاستهلاك، التي تسود في بيوت الإقطاعيين.

وكيفما كان الأمر، فالناس ليسوا شركاء، لا في الماء، ولا في الهواء، ولا في الكلإ، فكل من الهواء، والماء، والكلإ، أصبح يتمتع به الأثرياء، الذين صاروا يمتلكون الرأسمال، والخدمات، التي صارت تكلف الكثير، لا في الصحةـ ولا في التعليم، ولا في غير ذلك، مما يقتضيه الاقتناع بأن الهواء، والماء، والكلأ، التي يفترض فيها، أن الناس، جميعا، شركاء فيها، وأن هذه الشراكة، كانت مصدرا لتمكين الإنسان من العيش، كيفما كان، ثريا، أو لا يملك شيئا. ومع ذلك يستنشق الهواء، ويشرب الماء، ويرعى الكلأ في الغابة، وهذا ما كان سائدا، في مرحلة المشاعة، وهو ما قد تؤول إليه البشرية في المرحلة الشيوعية، ولكن بطريقة أفضل بكثير، حتى من مرحلة تحقق الاشتراكية. فما بالنا بمرحلة المشاعة.

إننا، في حاجة إلى اعتماد الاشتراكية العلمية، والاقتناع بها، واعتناق المركزية الديمقراطية، والاقتناع بها، واعتناق أيديولوجية الكادحين، والاقتناع بها، وبناء حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، باعتباره حزبا ثوريا، والنضال بواسطة الحزب الثوري، في أفق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية.

أما ما جاء في وثائق الحزب، الذي التحق به المنسحبون من حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، من اشتراكية أيكولوجية، فليست إلا خرافة، لتضليل مناضلي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، قبل العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وقبل الجماهير الشعبية الكادحة، وقبل الشعب المغربي الكادح، خاصة، وأن مرور ست سنوات، تقريبا، أو سبع سنوات، على تضليل المناضلين، كاف، بدون اشتراكية أيكولوجية، كمفهوم تضليلي كاف، لجعل المناضلين الطليعيين، يفقدون صلتهم بالاشتراكية العلمية، وكأنها لم تذكر في حياتهم، وكأنهم لا يحسون بذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون، وكأنهم لا يحيون ذكرى فقدان الفقيد أحمد بنجلون، لأنهم فقدوا الارتباط بهم، ولأنه لا يوجد في حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ما يجعلهم يذكرون الشهيد عمر بنجلون، الذي ألح على أنه، لا توجد إلا اشتراكية واحدة، وهي الاشتراكية العلمية، كوسيلة، وكهدف، ولا وجود لشيء اسمه الاشتراكية العربية، أو الاشتراكية الإفريقية، أو الاشتراكية الأوروبية، أو الاشتراكية الأمريكية، أو حتى الاشتراكية الأيكولوجية، أو الاشتراكية المسيحية، أو الاشتراكية الإسلامية أو الاشتراكية اليهودية أو الاشتراكية الشمسية، أو الاشتراكية القمرية؛ بل لا وجود لما ورد في تقارير الحزب المؤسس ليلة 18 دجنبر 2022، إلا لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، الذي يقتنع بالاشتراكية الأيكولوجية.

فلماذا يذكر الشهيد عمر بنجلون؟

ولماذا يذكر الفقيد أحمد بنجلون؟

وماذا يريد منهما؟

إن الشهداء، الذين استشهدوا على طريق النضال، وإن الذين فقدناهم على طريق النضال، من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، يستحقون منا الاحترام، والتقدير، مهما كانوا، وكيفما كانوا، خاصة، إذا كانوا من شهداء الحركة التي ننتمي إليها، وهي الحركة الاتحادية الأصيلة، وشهداء حركة التحرير الشعبية، وشهداء حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، من أمثال الشهيد: عريس الشهداء: المهدي بنبركة، المختطف في 29 أكتوبر 1965، والذي أصبح يعرف بعريس الشهداء، والشهيد عمر بنجلون، شهيد الطبقة العاملة، وشهيد الحركة الاتحادية الأصيلة، الذي اغتاله الظلاميون، والفقيد أحمد بنجلون، فقيد حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والفقيد بوستة السرايري، والفقيد محمد بوكرين، والفقيد محمد بنراضي، والفقيد لحسن مبروم، الذين فقدهم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، في عز حاجته إليهم. فالفقيد أحمد بنجلون، المناضل الأممي، صار على نهج الشهيد عمر بنجلون، والفقيد بوستة السرايري، الذي بقي مرتبطا بالحركة الاتحادية الأصيلة، في غربته، وكان من بين قادة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والفقيد محمد بوكرين، الذي قدم الكثير، من أجل التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، كما دعا إلى ذلك الشهيد عمر بنجلون، والفقيد محمد بنراضي، الذي أعطى الكثير للحركة الاتحادية الأصيلة، ولحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وساهم بشكل مباشر، في بناء حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. والفقيد عمر منير، الذي لعب دورا كبيرا، في ترسيخ الحركة الاتحادية الأصيلة، وامتدادها حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والفقيد لحسن مبروم، الذي كانت دماء الطبقة العاملة، تجري في عروقه، والاشتراكية العلمية، تملأ فكره، وممارسته، والوفاء للشهداء، ولمن فقدناهم، لا يكون ادعاء، بقدر ما يحضر في فكره، وفي ممارسته، ومن فكره: الاقتناع بالاشتراكية العلمية، وبالمركزية الديمقراطية، وبأيديولوجية الكادحين، وعلى مستوى ممارسة الفقيد لحسن مبروم، فإن الوفاء لمن فقدناهم، لا يكون بالتنكر لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، بل بالتمسك بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

وعندما يتعلق الأمر بالمركزية الديمقراطية، فإن المركزية الديمقراطية، تجيب على السؤال:

هل الحزب اليساري ديمقراطي، أو غير ديمقراطي؟

هل الحزب اليساري يقتنع بإقرار الديمقراطية الداخلية، التي لها نطام داخلي، لتنظيم العلاقة بين المنتمين إلى الحزب، فيما بينهم، وفيما بين الأجهزة المختلفة، المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية؟

فماذا نعني بالديمقراطية الداخلية، وما هو الفرق فيما بينها، وبين الديمقراطية، من الشعب، وإلى الشعب؟

فالحزب اليساري الاشتراكي العلمي، المقتنع بالمركزية الديمقراطية، لا يكون إلا حزبا يساريا ديمقراطيا، ولا يكون شيئا آخر، والأحزاب التي تدعي اليسارية، ولا تقتنع بالمركزية الديمقراطية، فإنها لا تعتبر ديمقراطية، ولا يسود فيها إلا الرأي الواحد، وإن أقصى ما يمكن اعتماده في هذه الأحزاب، التي لا تترسخ فيها القناعات، بما تعتمده من قرارات، لها علاقة بالجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، مما يجعل العلاقات بين المسؤولين الحزبيين، وبين المناضلين العاديين، علاقة تبعية، وعندما تكون العلاقة تبعية، يستغل المسؤول الحزب الأعضاء الحزبيين التابعين له، يأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، ليصير الحزب عبارة عن مجموعة من المسؤولين الحزبيين، الذين يتحكمون في الحزب، يفعلون به ما يشاؤون، ودون أن يسألوا عن ذلك.

والحزب اليساري، الذي يعتبر ديمقراطيا، هو الذي يحرص على إقرار الديمقراطية الداخلية، التي تنظم العلاقة فيما بين المناضلين، في التنظيمات القاعدية، وفيما بين المناضلين، وبين الأجهزة المسؤولة محليا، وإقليميا، وجهويا، ووطنيا، على أساس الاقتناع بالمركزية الديمقراطية، جتى يبدي كل مناضل رأيه، في مختلف القضايا، التي تناقش حزبيا، سواء تعلق الأمر بالتحرير، أو بالديمقراطية، أو بالاشتراكية. وبالنسبة للرؤيا التي يمثلها الحزب، أو تتعلق باتخاذ موقف من سياسة الدولة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، أو بالقضايا الخارجية، أو الإقليمية، أو العالمية، قبل أن تجتمع الهيئات التقريرية، في أي حزب يساري، من أجل اتخاذ القرارات الحزبية: الديمقراطية، التي تصير ديمقراطية، لتمركز بين يدي الجهاز التنفيذي: المحلي، الذي يشرف على تنفيذ القرار، أو القرارات، لاستكمال تفعيل المركزية الديمقراطية، التي تبدأ بالديمقراطية، التي يساهم فيها الجميع، في اتخاذ القرار، وتختم بالمركزية، في التنفيذ.

والحزب اليساري الحقيقي، هو الذي يتم فيه إقرار الديمقراطية الداخلية، في إطار نظام داخلي، يتمكن من خلال ذلك النظام الداخلي، كل عضو من إبداء رأيه، وإعطاء تصوره، حول مختلف القضايا الحزبية، من وجهة نظره: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، وتنظيميا، ومعرفيا، وعلميا، من أجل جعل الديمقراطية، فكرا، وممارسة، قبل اتخاذ أي قرار، في الإطارت المعدة لذلك، ومن أجل أن يصير الحزب مجسدا للديمقراطية، كما يفهمها اليسار، أو على الأقل، كما يفهمها حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي؛ لأنه، قد يكون الحزب اليساري، غير ديمقراطي، لا يستطيع أعضاؤه التعبير عن آرائهم، في مختلف القضايا، التي يهتم بها الحزب، على المستوى الداخلي، وعلى المستوى العام: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وعلى مستوى العلاقة مع الأحزاب الأخرى، وعلى مستوى العلاقة مع التنظيمات الجماهيرية، وعلى مستوى العلاقة مع القانون، ومع الدولة، ومع الجماعات، ومع البرلمان، حتى يحضر التفاعل الإيجابي بين الأعضاء الحزبيين، وحتى يحضر كل مناضل، في أي قرار، يتخذه الحزب، ليصير القرار قرارا ديمقراطيا، سواء تعلق الأمر بالمحلي، أو بالإقليمي، أو بالجهوي، أو بالوطني، ليعرف الحزب، بممارسة الديمقراطية الداخلية، ممارسة صادقة، مهما كان عدد المنتمين إليه، لينخرط في النضال من أجل الديمقراطية، من الشعب، وإلى الشعب، من بابها الواسع.

ونعني بالديمقراطية الداخلية، في أي حزب يساري، مهما كان صغيرا، هي تنظيم العلاقة فيما بين المناضلين، وعلى مستوى علاقة المناضلين بالأجهزة الحزبية، وعلى مستوى العلاقة فيما بين الأجهزة، مع تمكين كل مناضل يساري، من استيعاب الأدوات الحزبية: المعرفية، والتاريخية، والمنهجية، والعلمية، حتى يتمكن من إبداء رأيه، فيما يخص الحزب، على المستوى الداخلي، وعلى المستوى العام: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، حتى يساهم في البناء الديمقراطي، كما يراه اليسار، وسعيا إلى جعل الديمقراطية، من سمات الشعب، الذي يناضل من أجلها، في السر، وفي العلن، إلى أن تصير الديمقراطية تمشي على الأرض.

والفرق بين الديمقراطية الداخلية، والديمقراطية من الشعب، وإلى الشعب، أن الديمقراطية الداخلية، تخص العلاقة بين مناضلي الحزب اليساري الواحد، وبينهم وبين الأجهزة الحزبية، وفيما بين الأجهزة الحزبية، وفق نظام داخلي، مصادق عليه، في إطار الأجهزة التقريرية الحزبية المسؤولة، لتكون ملزمة للحزب، على جميع المستويات التنظيمية: القاعدية، والقيادية.

أما الديمقراطية بمضمونها: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، فإنها تهم المجتمع، ونحن نناضل من أجلها، حتى تتحقق بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لأجل أن تصير الانتخابات مدخلا للتقدم، والتطور، انطلاقا من اعتماد المرشحين، على برامجهم الانتخابية، الحزبية، وغير الحزبية، لتعبئة الناخبين، حول تلك البرامج، حتى يستطيع اختيار من يمثله، في الجماعات، وفي البرلمان، بناء على البرامج الانتخابية، وعلى أساس سيادة الاختيار الحر، والنزيه، الذي يصير مميزا للانتخابات المغربية.

إننا، عندما نمارس الحياة العادية في الواقع، ونمارس الصراع بين الطبقات: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، لا بد أن نصل في يوم ما، إلى الاقتناع بالاشتراكية العلمية، وبالمركزية الديمقراطية، وبأيديولوجية الكادحين؛ لأننا، نسعى إلى تحرير الإنسان، والأرض، اوما تبقى منها، والاقتصاد، من العبودية، في مظاهرها المختلفة، ومن الاحتلال الأجنبي، ومن التبعية للرأسمال الأجنبي، وللمؤسسات المالية الدولية، والنضال من أجل تحقيق الديمقراطية، من الشعب، وإلى الشعب، إلى جانب النضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، بمضمون التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، في أفق الاشتراكية، والشروع في بناء الدولة الاشتراكية، التي تحمي التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، التي تنتجها المصانع، والمؤسسات الخدماتية، والتجارة، والزراعة، وتربية الماشية.

فلماذا ضرورة الاقتناع بالاشتراكية العلمية، كوسيلة، وكهدف؟

ولماذا ضرورة الاقتناع بالمركزية الديمقراطية، التي تعتمدها الحركات، التي تقتنع بالاشتراكية العلمية، وبضرورة نظام داخلي، لأجرأة الممارسة الديمقراطية الداخلية؟

ولماذا ضرورة الاقتناع بأيديولوجية الطبقة العاملة، كما هو معتمد في أدبيات الاشتراكية العلمية، أو أيديولوجية الكادحين، كما سماها الشهيد عمر بنجلون، أو أيديولوجية العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، كما أسميها شخصيا؟

فهل من اليسارية، الاقتناع بالاشتراكية العلمية؟

وهل من اليسارية، الاقتناع بالمركزية الديمقراطية؟

وهل من اليسارية، الاقتناع بأيديولوجية الطبقة العاملة، أو أيديولوجية الكادحين، أو أيديولوجية العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؟

ما هي الطبيعة التي يتخذها اليسار، بدون هوية الاشتراكية العلمية، والمركزية الديمقراطية، وأيديولوجية الطبقة العاملة؟

هل يمكن أن نعتبر اليسار بدون هوية، يسارا؟

ما الداعي إلى تخلص اليسار، من الاشتراكية العلمية، والمركزية الديمقراطية، وأيديولوجية الكادحين؟

هل نعتبر اليسار، الذي لا يقتنع بالاشتراكية العلمية، يسارا؟

هل نعتبر اليسار، الذي لا يقتنع بالمركزية الديمقراطية، يسارا؟

هل نعتبر اليسار، الذي لا يقتنع بأيديولوجية الطبقة العاملة، مدافعا عن مصالح الكادحين؟

إننا عندما نطرح هذه الأسئلة، وغيرها، مما لم نطرح، إنما نسعى إلى تحديد مفهوم اليسار بدقة، حتى لا نخسر اليسار في واقعنا، وحتى نؤكد ارتباط اليسار، بالعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وبالممارسين للانتحار الطبقي، على أرض الواقع، مهما كان هذا الواقع، وكيفما كان، حتى لا يصير اليسار ساعيا إلى خدمة مصالح البورجوازية الصغرى، وأهدافها، التي نعلم علم اليقين، أنها مريضة بالتطلعات الطبقية، وفائدتنا، الآن، العمل على عدم تحول الإطارات الجماهيرية، والأحزاب اليسارية، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الطبقات السائدة في المجتمع.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت