ذكريات شاب مصري مع الثورة ...

أحمد فاروق عباس
2024 / 1 / 27

ما حدث يوم 25 يناير مثل علامة فارقة في حياة الجيل الحالي من شباب مصر ، وقد كان لي الحظ أن أشهد تلك الثورة من فجرها ، وفي لياليها وأيامها تعلمنا الكثير مما كان خاف عنا ، وفهمنا تيارات سياسية وحركات احتجاجية علي حقيقتها ، كنا مازلنا شبابا صغير السن - خام كما يقولون- وغاب عنا أن الصورة الكبيرة لما حدث في تلك المرحلة شديدة الأهمية وشديدة الخطورة ، غاب عنا مطالب قوي دولية لم تكن تريد الخير أبدا لبلادنا ، وغابت عنا خطط قوي سياسية محلية نسقت مع الخارج لكي يصبح حكم مصر أمامها مفتوحا بلا جهد ، وغابت عنا تيارات دينية كانت محجوبة عن الانظار واذا بها تخرج من قمقمها كعفاريت وفي وضح النهار ..
ومع الذكري الثالثة عشر لثورة 25 يناير ترجع بي الذكريات إلي أيام ومرحلة لا تنسي ..
ذكريات تبدأ مع العقد الأول للقرن 21 ، يوم تحولت مصر إلي مرجل يغلي بما فيه ، بعضه لأسباب طبيعية وبعضه لأسباب مفتعلة ، وقد عشت تلك الأيام وشاركت في بعض حوادثها ، وتفاعلت بها .. وسأذكر بإيجاز شديد بعض أبرز المحطات التي مررت بها ، ومر بها شباب هذه المرحلة ..
1 - كانت الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠١١ فترة شديدة الغرابة في تاريخ مصر المعاصر ، وأعتقد أن كثيرين جداً سيتوقفون أمامها بالدرس والفهم والتحليل ..
وبالنسبة للشباب الذى عاش هذه الفترة - وكنت واحداً منهم - فهي فترة الأحلام العريضة التي تكشفت فيما بعد عن أوهام مروعة .. شهدنا في هذه الفترة بدء ظهور الحركات الاحتجاجية ، ثم الحراك السياسي من احزاب قديمة وحديثة ، وبداية تنشيط أسباب الغضب في المجتمع ، سواء في النقابات أو الجامعات أو حتى في الشارع ، تمهيدا لعقد الاضطرابات الكبرى الذي تلاه ..
وهى الفترة التي شهدنا فيها وصول تنظيم الإخوان المسلمين إلى عنفوان قوته ..
كما كانت تلك الفترة هي العقد المثير والأخير في حكم حسنى مبارك الطويل لمصر ، وهى عقد التوريث أو محاولته ، وعقد الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني ، وعقد ظهور فاعلين سياسيين جدد أطلق عليهم أيامها النشطاء !!
وكانت هي - أخيراً - الفترة التي وصل فيها النفوذ الأجنبي في بلدنا إلى ذروته ، في الحكم أو في المعارضة ، في التنظيمات الدينية أو في المنظمات المدنية ، وحتى في الثقافة والإعلام والفن !!
وقد عشت هذه الفترة متأثرا بكل ذلك ..
كان عمرى ٢٤ سنة في بداية ذلك العقد المثير (في ٢٠٠١ ) ، وكنت أعمل من منتصف تلك السنة في المكتب الفني لوزير الاقتصاد والتجارة الخارجية ، وكان وقتها د يوسف بطرس غالي هو وزير الاقتصاد قبل أن تلغي الوزارة أواخر 2001 ثم يتولى هو منصب وزير المالية ، وكان د محمود محي الدين هو مستشار الوزير، ثم تركت العمل بالوزارة بعد شهور للعمل في الجامعة ، وتنقلت خلال ذلك العقد من العمل معيداً ثم مدرساً مساعداً ثم مدرس للاقتصاد في مايو ٢٠١١ ..
كانت القاهرة تغلى بالأحداث في تلك السنوات ، وجاءت حرب العراق في ربيع ٢٠٠٣ لتعطى مزيداً من الزيت على النار ، وكانت لقاءات ومؤتمرات القوى السياسية المختلفة لا تتوقف ، وقد حضرت بعض منها في نقابة الصحفيين ، ثم صعدت إلى السطح قضية التوريث ، بعد المحاضرة الشهيرة لمحمد حسنين هيكل عن التوريث ، ولقد حضرتها في قاعة ايوارت في الجامعة الأمريكية في أكتوبر ٢٠٠٢ مع أحد الأصدقاء والزملاء في الكلية ومازالت صورتنا ونحن بين الحضور ظاهرة اكثر من مرة في التسجيل الذى تذيعه قناة دريم للمحاضرة الشهيرة ، حيث كانت القناة الوحيدة التي سجلت اللقاء واذاعته أكثر من مرة ، وبسببه عوقب أحمد بهجت رئيس القناة ..
2- اقتربت من بعض المنظمات الاحتجاجية ( حركة كفاية ) ووقعت على أوراقها ، وشاركت في بعض فعالياتها ، وخاصة في عام ٢٠٠٥ ، فقد انزوت بعده كفاية مفسحة المجال لحركات أخرى وفاعلين جدد مثل الجمعية الوطنية للتغيير وغيرها ..
ووجدت نفسي في مقر حزب الغد - قبل احتراقه - في ندوة أقامها الحزب للدكتور سعد الدين إبراهيم وأسأله بحماسة ورعونة الشباب عن الضغوط الأمريكية علي مصر بسبب تباطؤها في التحول الديمقراطي ، ذاكرا اسمي كاملا للتعريف قبل السؤال غير مقدر أن كمية الحاضرين من أجهزة الأمن في قاعة اللقاء أو علي مداخل مقر الحزب في ميدان طلعت حرب أكثر من ضيوف الندوة نفسها ..
كما اقتربت لفترة بسيطة من حزب التجمع وأفكاره ، وحضرت بعض لقاءاته وندواته ، وأذكر حضوري المؤتمر الكبير لخالد محى الدين والذى أعلن فيه الدكتور رفعت السعيد رفض الحزب لطلب مبارك بتقدم الأستاذ خالد محى الدين للانتخابات الرئاسية أمامه ، وقد وجد ذلك القرار هوي لدينا وقتها ..
كان الإلحاح على فكرة التغيير والديموقراطية شديداً أيامها وشاركت فيه شخصيات مرموقة ، وكانت هي الأنشودة التي تغنى في صحف كثيرة ومجلات محلية واخرى اتية من وراء الحدود ، ومن وراء الحدود أيضا ظهرت قنوات فضائية مؤثرة تخاطب جيلاً لم يعد يجد في إعلام بلده الرسمي ما يقنع ..
ساعد على ذلك وجود رجل مسن ضعيف الخيال في الحكم ، وقد وصلت الأمور معه إلى درجة من الترهل الذى يقترب من التحلل ، وقد خيم على البلاد مناخاً من الجمود الذى يصل إلى درجة البلادة ؛ في عصر يعد التطور والتجديد في العلم وفى السياسة سمته البارزة ..
كان حسنى مبارك رجلاً وطنياً بالتأكيد ، ولكنه بالتأكيد أيضا لم يكن كفئاً ، كان يعطى الانطباع بصورة موظف مصري مرهق ، يؤدى عملا روتينياً لا يتناسب مع استعداده أو ميوله الفطرية ..
وأذكر أيامها مداومتي على قراءة النيوزويك الأمريكية ، ومجلة وجهات نظر التي كانت تصدر عن دار الشروق ومشاهدتي المستمرة للجزيرة القطرية ..
ودخلت صحف مثل المصري اليوم دائرة الاهتمام ، وكنت قبلها - وبعدها - قارئا مداوماً لصحيفة العربي الناصري في عهد رئاسة الثنائي الشهير عبد الحليم قنديل وعبد الله السناوي .
وتأثرت بطبيعة الحال بهذه المناخ كله ..
3 - أعطيت صوتي في انتخابات الرئاسة عام ٢٠٠٥ لأيمن نور ، وتعاطفت معه لسجنه بعدها ، وحضرت في بداية ٢٠٠٧ لقاء نظمه الحزب في مقره بشارع طلعت حرب مع سعد الدين إبراهيم ، وسألته برعونة عن الضغوط الأمريكية على مصر للإصلاح الديموقراطي ولماذا خفتت بعد ٢٠٠٥ !!
وكان رجال الشرطة وأمن الدولة يحيطون بالحزب من كل جانب وعلى مداخله ، وربما كان عددهم داخل قاعة الندوة أكثر من عدد الحضور والضيوف أنفسهم !!
وأذكر أن قضية أحمد الفيشاوي وهند الحناوي كانت حديث الشارع وقتها ، فأخذ هذا الموضوع الجانب الأكبر من الاهتمام بين من كان على المنصة ( سعد الدين إبراهيم والسيدة جميلة إسماعيل ) وبين الحضور ..
تنحى كل ذلك جانبا مع بداية عام شديد الأهمية .. هو عام ٢٠٠٩ .
أتى عام ٢٠٠٩ بظواهر جديدة في دنيا السياسة المصرية والعالمية ..
فعالمياً كان وصول نجم شديد الجاذبية طلق اللسان إلى البيت الأبيض وهو باراك أوباما ، معلنا وصول رجل عادى ، اسود ، من أصول أفريقية ، واب مسلم إلى أهم وأكبر منصب في العالم ، وقد نشر ذلك الحدث على الدنيا موجة تفاءل غريبة ومجهولة المصدر ..
وبالنسبة لمصر ، كان بداية عام ٢٠٠٩ هو بداية ظهور النجم الجديد في سماء السياسة المصرية ، وهو محمد البرادعي ، وعلى الرغم من مجيء البرادعي من خارج السياق المعتاد للسياسة المصرية ، وعلى الرغم من بعض التساؤلات التي تحيط بمسيرته ، إلا أنه استطاع بقوة الضغط الإعلامي الرهيب المحيط به - كانت صحيفتا الشروق والمصري اليوم تصنعان منه أيقونة وحلما طالما انتظرته مصر - وبالرغبة الجارفة في التغيير أن يضع كل المخاوف والتساؤلات جانباً !!
وقعت على بيان الجمعية الوطنية للتغيير في أبريل أو مايو من عام ٢٠٠٩ ..

4 - كان شعوري في تلك الأيام البعيدة هو شعور حزين علي بلد كنت أري أن فرصتها في التحول الديمقراطي تنتهك بواسطة رئيس مسن ومتمسك بمنصبه حتي آخر لحظة ، وعلي يمينه ابنه ينتظر دوره في وراثة منصب أبيه ، ليتسلمنا ثلاثين سنة أخري أو ربما أكثر ، وكان ذلك فوق ما تتحمله كرامة مصر الوطنية أو كرامة أي أحد من أبنائها .. لذا اقتربت من الطيف السياسي وقتها ابحث عن حل وعن مخرج ..
4 - رحلة طويلة قطعتها ، وتحول في المشاعر والأفكار ...
كان لدي أربعة أعوام عندما تولي حسني مبارك رئاسة مصر عام 1981 ، أي انني عشت في عصره طفولتي وصباي والجزء الأكبر من شبابي .. ولم يكن لي معه مشكلة خاصة ، على العكس ، فقد عشت في عصره أوقاتي السعيدة كلها ، فقد تخطيت مراحل التعليم حتى وصلت إلى الجامعة ، وكان تخرجي بتقدير عام امتياز ، ووجدت تهنئة رقيقة من الرئيس مبارك - لي ولكل زملائي من أوائل الكليات الجامعية وقتها عام 2000 - وفي انتظاري عمل في مكان ممتاز ، وهو باحث اقتصاد دولي في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ، واستلمت عملي في مايو 2001 ، وكان عملي - أنا وزميلة لي من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - في مكتب الوزير ..
مكثت هناك شهور معدودة ، وقدمت استقالتي من العمل بوزارة الاقتصاد ، حيث التحقت في ديسمبر 2001 بالعمل معيدا في الكلية التي تخرجت منها ومازلت أعمل بها حتى الآن ...
أكتب ذلك محرجا لأقول أنه لم ينلني أي اذي في عهده ، بل العكس هو ما حدث ...
فما الذى حدا بشاب هذه ظروفه أن يخرج مع الجموع الغاضبة والثائرة صباح 25 يناير عام 2011 يطالب بإسقاط النظام ، ويقول لرجل عاش في ظل رئاسته حياته الواعية كلها تقريبا ... كفى !
3 - في يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 ، وكان يوم اجازة من عملي ، وكانت امتحانات الفصل الدراسي الأول في كليتنا قائمة ، خرجت من منزلي في مدينة نصر الساعة العاشرة صباحا وفي نيتي المشاركة في المظاهرة التي ستخرج من أمام جامعة القاهرة ، وعندما وصلت لم أجد أحدا ، فأخذت المترو من جامعة القاهرة إلي محطة الإسعاف - محطة جمال عبد الناصر - وأمام محكمة النقض وفي شارع رمسيس انضممت إلي بعض الحشود القليلة التي كانت واقفة تهتف هناك ، مع الوقت بدأت الأعداد في التزايد إلي بضع مئات وصلت إلي ألاف حوالي الساعة الثانية ظهرا ..
دخلت ميدان التحرير مع الحشود التي دخلته عصر 25 يناير وكانت الفرحة عارمة .. ولم اكتف بالمكوث في ميدان التحرير مع من دخله ، بل وجدت نفسى - بنزق صعيدي لا يقدر العواقب - اذهب مع مئات إلى شارع القصر العيني للاعتصام أمام مجلس الشعب ، منعتنا قوات الشرطة من الدخول إلي شارع مجلس الشعب ، وبعد نصف ساعة بدأت خراطيم المياه تنهمر علينا ، ووجدنا أنفسنا محاصرين لبعض الوقت ..
.. ويوم 28 يناير خرجت مع الثائرين الذين خرجوا من كل أنحاء مدينة نصر وتوجهنا حتي ميدان رمسيس ، وعند مدخل شارع الجلاء حدثت اشتباكات عنيفة ..
ومساء نفس اليوم - وكانت امتحانات نصف العام قد انتهت في اليوم السابق - الخميس 27 يناير - كنت علي موعد للسفر إلي مدينتي في الصعيد ، وشاركت في فعاليات بسيطة في مدينتي البعيدة عن بؤرة الأحداث في القاهرة .. وبعد عودتي إلي القاهرة شاركت في بعض الفعاليات ..
وفي مارس 2011 شاركت في تكوين ما سمى " حكومة ظل شباب الثورة " وهي مجموعة من الشباب المهتم بالعمل العام ؛ والذي يدرس عمل وزارة قريبة من مجال تخصصه ، وكان نصيبي وزارات القطاع الاقتصادي والمالي ( وزارة الاقتصاد او وزارة المالية وأحيانا وزارة الاستثمار ) ..
وشاركت في لقاءات في نقابة الصحفيين متحدثا ، واعطيت حوارات لصحف ومجلات ، ودعيت مرة أو اثنتين لحوارات في بعض القنوات الفضائية ورفضت وشارك زملاء لي ، وكان مقررا مشاركتي مع زملائي في برنامج يومي كان مقررا أن يذاع في شهر رمضان 2011 علي القناة الثانية للتلفزيون المصري يعرض فيه كل وزير مفترض خطته للنهوض بوزارته ..
وفي مساء يوم 31 يوليو 2011 كنا لنا لقاء مع السيدة نهال كمال رئيس التلفزيون وقتها ، وبعد نهاية اللقاء قررت أن أنهي من جانبي كل ذلك ، وأن ابتعد بعض الشيء ، وكان دافعي إلى ذلك الاتي :
1- ما لمسته من قرب بعض شباب حكومة الظل - وخاصة رئيسها - من تنظيم الإخوان ، ولم أكن طوال حياتي مقتنعا بهم ولا بأفكارهم ، ثم ما ظهر من تصرفات لم أفهم مغزاها وقتها ، ولا ما هي علاقتنا بها ( فهمت بعد ذلك أشياء وغاب عني حتي الآن أشياء أخري ) منها علي سبيل المثال تنظيم مظاهرة أمام مبني جامعة الدول العربية اعتراضا على ترشح د . مصطفى الفقي لمنصب الأمين العام للجامعة ، والذي رفضته قطر بشدة وقتها وقبلت رجلا آخر قريبا منها ..
2 - لم أكن من هواة الظهور الإعلامي ، والتنقل من صحيفة إلي مجلة ، ومن قناة تلفزيونية إلي أخري ، ولم أكن أحس أن ذلك هو دوري ...
وكان لدي في تلك الفترة الرغبة في العودة مرة أخري إلي مقاعد الدرس ، وكان حلم الكتابة عن الفترة التي عاصرتها يراودني ، لذا رجعت إلي مهنتي الأصيلة وهي كوني مدرسا بالجامعة وباحثا ..
3 - وكان ما حدث صباح يوم 3 أغسطس عام 2011 أكبر مما ذهبت إليه أقصى توقعاتنا ، وهو وجود الرئيس حسني مبارك داخل قفص لمحاكمته ، ممددا لا حول له ولا قوة ، وهو الذي كان حاكما بأمره في مصر لمدة 30 عاما طويلة ، معيدا ذكري بيت شعر شهير لأحمد شوقي
أيامكم أم عهد إسماعيلا ...... أم انت فرعون يسوس النيلا
أم حاكما في أرض مصر بأمره .... لا سائلا أبدا ولا مسئولا
وعندها قررت أن أترك ورائي كل ذلك وأن ارجع إلي مهنتي الأصلية قارئا وباحثا ، وأن أكتب عن قصة ذلك العصر الذي عشته ، والذي كان حسني مبارك عنوانه وعلامته ، وما هي طبيعة هذا العصر في مجري تاريخ مصر الطويل ، ولماذا حدث في نهايته ما حدث ، وما معني ذلك كله .. وعن الأحداث والرجال والأخطاء والضغوط والتيارات الظاهرة والخفية التي سادت ذلك العصر وطبعته بطابعها ، ورأيت أن ذلك ابقي وأكثر نفعا من الجري وراء البريق والاضواء ..
واخترت للكتاب عنوان " عصر مبارك .. كيف تغيرت مصر في عهده ، وماذا حدث فيها " وكتبت الفصل الأول من الكتاب - ومازال معي حتى الآن - ولم أتم الكتاب ، فقد شغلتني مهام عملي في الكلية ، ثم جاءت سنة 2012 وهي من السنوات السيئة والكئيبة في تاريخ مصر ، ففي أولها حدثت علي المستوى السياسي اضطرابات كبري ، وفى منتصفها جاء الإخوان المسلمين إلي السلطة في مصر ، وكانت صدمة هائلة لي ولكثيرين ممن خرجوا في 25 يناير 2011 ..
فقد كنا نحلم بمصر متحررة من بلادة عصر مبارك ، وايضا من رجعية تنظيم الإخوان ، كنا نتمنى لمصر بديلا عصريا ، متحضرا ، ولم يكن في أقصى مخاوفنا أن يكون بديل نظام مبارك الأبوي هو نظام السمع والطاعة لمرشد الإخوان شبه المقدس ...
وأن يكون حظ مصر منحصرا في نظام مبارك الذي يؤخر مصر عن عالمها بخمسين عاما ، أو نظام شبه ديني يأخذها مباشرة إلي العصور الوسطى !!
كانت سنة 2012 سنة قاسية ، تركت فيها مبارك والبحث في عصره ، ونشر كتاب عن ذلك إلي الاهتمام بالكارثة التي كانت مصر على وشك أن تدخل إليها .. ولم يكن لدى أي ميل أو حافز لتكملة كتاب مبارك ، ومازال الفصل الأول عندي ينتظر فرصة أخري .
لم تترك الأحداث السياسية فرصة لأحد لالتقاط الأنفاس ، أو الاهتمام بالماضي وتمثل دروسه ، وكانت آراءنا تتغير في معني ما حدث مع تكشف ما كان مستورا وراء الحجب ، وحقيقة الفاعلين على المسرح السياسي قبل وبعد الثورة ، ومعها كانت تنضج تجاربنا ، فلم نكن - حقيقة - نفهم طبيعة المجتمع الذى كنا نسعى لتغييره ، وغابت عنا أشياء كثيرة ، ولم يكن لدينا صورة واضحة عما نريد بالضبط ، ولا كيف نصل إليه ، وكان لدى غيرنا خططه جاهزة ، وبعض فصولها كانت قيد التنفيذ ، ويجري تحقيقها أمام أعيننا ..
التاريخ وحده هو من سيضع ما حدث يوم 25 يناير في مكانه من مجرى التطور العام في مصر ، وأثره النهائي علي مصر ، وطبيعة التغيرات التي أحدثها ، والقوى القديمة التي أنهى وجودها ، والقوى الجديدة التي فتح أمامها الأبواب لتصعد إلي مقدمة الحياة السياسية ثم يكشفها بعد ذلك أمام الجموع ، لتنزل من مقدمة المسرح إلي مكانها الطبيعي علي الهوامش ..
وكيف فتح أعين الكثيرين منا عما تريده القوى الطامعة في بلادنا ، وأساليبها لكى تصل إلى ما تريد .. وفى ذلك تراكم في الخبرة والتجربة لنا ولمصر لا يعوض .
كانت تلك استعادة لحدث هز مصر من أقصاها إلى أقصاها ، ومعها منطقة الشرق الاوسط كله ، وقد عاشه جيلنا بأعصابه ، وتعلم في أيامه ولياليه خبرات وتجارب طبعت رؤيته للأحداث وللناس وللتيارات السياسية المحلية ، بل ولتيارات السياسة الدولية ، ومطالب القوي الكبرى من بلادنا ومنطقتنا ، وتعلم منه وفيه أشياء لا تقدر بثمن ..
وكانت تجربة جيل آمن بمثل عليا غير مدرك من يتحرك وراء هذه المثل العليا من أطراف غير بريئة وخطط غير نظيفة ومطالب لقوى محلية وأخرى دولية غير شريفة ، وهو ما تكفل العقد التالي( ٢٠١١ - ٢٠٢١ ) بإظهاره بلا لبس..
حيث استيقظت احلامنا - أو اوهامنا - على كوابيس مخيفة ، وإذا نحن نرى حقيقة الصورة كاملة بلا رتوش :
تنظيمات وأحزاب رفع بعضها راية الديموقراطية ، وأخرى رفعت راية الدين ، وثالثة رفعت راية المحرومين والمهمشين ، وبأخف العبارات لم يكن واقع الحال يتفق مع حقيقة المثال..
فقد أراد بعضها جرنا إلى العصور الوسطى وإعادة بعث قضاياها ، ونسق بعضها الامور مع أطراف خارجية بلا حياء ، في حين كان الجمود والحياة داخل حقبة معينة من الزمان لا يريد مغادرتها ولا يري في الحياة سواها طبع آخرين !!
كان هذا هو بدايات الطريق إلى ٢٠١١ وبداية عقد جديد وخطير ، عقد الزلازل والبراكين المتفجرة ، عقد انتهاء الأحلام والأوهام ، وانكشاف المستور في أفعال حركات وأحزاب وشخصيات ، وفهمنا لحقيقة من أراد بمصر السوء لولا عناية الله ، وحقيقة المطامع الأجنبية من بلادنا ، وهى قصة أخرى طويلة ومثيرة ..
حيث جاءت ثورة 30 يونيو لتكنس كل ذلك الركام ، وقد شاركت فيها من لحظاتها الاولي ، وهي – أيضا – قصة أخري ..
لم يكن عقد ٢٠٠١ - ٢٠١١ عقداً ضائعاً ، على العكس كان عقداً استفدنا واستفادت مصر غنى في تجربتها السياسية ..
كان عقد التجربة والخطأ والاستفادة من الدروس والتجارب ..
كان بداية خروجنا وخروج مصر كلها من التيه ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت