الأوربيون ينخرطون في حملة الرياء الأمريكية

عبدالله عطية شناوة
2024 / 1 / 26

أنقسام العالم على مستوى الشعوب إلى شمال وجنوب، الذي بدأت بوادره مع حرب الوكالة التي خلقها الغرب في أوكرانيا ضد روسيا، والذي تعمق وأصبح واضحا وصريحا، وأرتقى في كثير من الحالات من المستوى الشعبي إلى المستوى الرسمي، وتجلى في عزلة الشمال العالمي عن المجتمع الدولي في الموقف من الحرب الصهيوـ غربية على الشعب الفلسطيني، والذي تجلى في أعتراض بلدان الشمال على قرارات الجمعية للأمم المتحدة الداعية الى وقف الأبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، وفي الفيتو الأمريكي على القرارات المماثلة التي طرحت في مجلس الأمن، والدعم الشعبي والرسمي الواسع في الجنوب العالمي لمأثرة جنوب أفريقيا، في مقاضاة الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية، عن جرائم الإبادة والتطهير الأثني، كل ذلك حمل زعيمة الشمال العالمي، الولايات المتحدة الأمريكية، على بدء حملة علاقات عامة لتحقيق هدفين.

أول أهداف حملة العلاقات العامة الأمريكية، دفع أحتمال إدراج الغرب الجماعي في المشاركة الفعلية بجرائم الأبادة الجماعية، أو التواطؤ مع الصهاينة في تسهيل إرتكابها، أما ثاني الأهداف فهو كسب الوقت الذي يتيح لإسرائيل أتمام أكبر قدر من أهداف طاحونة الموت التي تديرها لأطفال وشعب فلسطين، من خلال الدعوة الخجولة الى وقف القتال، دون أي إجراء جدي، هو في مقدور الغرب بكل تأكيد، لشل يد الصهاينة عن مواصل الجريمة، وكذلك من خلال الحديث الفضفاض، عن حلول سياسية وفق ما يوصف بحل الدولتين.

رسميا لم تصدر عن الأدارة الأمريكية حتى الآن، أية دعوة الى وقف كامل وفوري لأطلاق النار في غزة. لكن بلينكين، والرئيس الخرف بايدن الذي يلتزم بتوجهات بلينكين وسوليفان، صارا يتحدثان عن حل الدولتين. وهما في هذا يريدان، بالإضافة الى الأهداف المشار اليها سابقا، تمهيد الطريق لآل سعود الذين يحكمون نجد والحجاز، للمضي قدما في عملية نقل التحالف السعودي ـ الأسرائيلي من السر إلى العلن، تحت لافتة التطبيع. كما يريدان من خلال ذلك إبقاء ملفات التسوية في الشرق الأوسط تحت إدارة وقرار البيت الأبيض.

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وجدت النخب الأوربية المتنفذة التي تحكم أوربا الغربية، في حملة العلاقات العامة الأمريكية، فرصة لتقليص الهوة بينها وبين قطاعات مهمة من شعوبها، هالها افتضاح النفاق الذي تمارسه تلك النخب من قضايا طالما زعمت أنها تشكل أساسها الأخلاقي، قضايا كحقوق الأنسان، والقانون الدولي التي ضحت بها تلك النخب على مذبح الأنحياز لجرائم أسرائيل ضد الأنسانية، وحقوق الأنسان والقانون الدولي، بل والتواطؤ مع الصهاينة في ذلك، والمشاركة في تلك الجرائم، عبر الدعم متعدد الأوجه لأسرائيل بما يمكنها من مواصلة الجريمة والأفلات من العقاب.

وهكذا رأينا البرلمان الأوربي الذي طالما أحتقر احتجاجات الأوساط الأوربية المحبة للسلام، ولم يلتفت إلى مطالبتها المستمرة لوقف المجزرة، رأيناه يسارع إلى أغتنام فرصة حملة العلاقات العامة الأمريكية ويطلق دعوة الى وقف لأطلاق النار، وطبعا دون أي تهديد بأية عواقب لعدم الأستجابة الأسرائيلية لدعوته.
وزودت حملة العلاقات الأمريكية منسق الشؤون الخارجية للأتحاد الأوربي بجرعة من الشجاعة، مكنته من الحديث عن أمكانية فرض حل الدولتين من الخارج! حتى وزير خارجية السويد الذي تماهت حكومته مع إسرائيل حد أن قال رئيسها في زلة لسان أن من حق إسرائيل ارتكاب أبادة جماعية، حتى ذلك الوزير توبياس بيلستروم تحدث عن الكلفة الباهضة التي يدفعها المدنيون الفلسطينيون، ووافق الوزير السويدي على وقف إطلاق النار، وأيضا دون التهديد بقطع الدعم السويدي لأسرائيل في حال عدم ألتزامها به. ووجد أن بمقدوره أيضا أنتقاد نتنياهو، لرفضه حل الدولتين.

مطلقوا حملة العلاقات العامة الأمريكية وأتباعهم من نخب أوربا يستهدفون التلاعب بالرأي العام الدولي والأمريكي والأوربي، بزعم عدم تطابقهم مع الصهاينة وسعيهم الى الحد من مآسي الشعب الفلسطيني التي أرقت الضمير الأنساني، وفي ذات الوقت الأمتناع عن أي مسعى جاد لحمل إسرائيل على الأستجابة لما يروج له في تلك الحملة. فوقف أطلاق النار لن يتحقق، دون قرار من مجلس الأمن الدولي يستند الى الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، يهدد الكيان الصهيوني بالعقوبات في حال عدم الأمتثال. ودون ذلك سيبقى الحديث عن وقف إطلاق النار، مجرد "مناشدات" مرائية، تبرئ الذمة من المسؤولية وتتيح للمجرم مواصلة جريمته.

ذات الأمر ينطبق على الحديث المنافق عن حل الدولتين، فهذا الحديث أستخدم منذ أتفاق أوسلو عام 1993، وعبر مماطلات ماراثونية، غطاءا للتوسع في بناء المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية المحتلة وتهويدها، وتخريب أية أمكانية لجعلها جزءا من الدولة الفلسطينية المفترضة. ويراد الآن عبر حملة العلاقات العامة الأمريكية، تكرار هذه العملية لثلاثين عاما مقبلة، لترسيخ المستوطنات الصهيونية القائمة وتوسيعها، وبناء المزيد منها، وأستكمال عملية تهويد الضفة المحتلة، التي يطلق عليها الأسرائيليون الأسم الصهيوني "يهودا والسامرة". وفي ذات الوقت تسويق هذه المهمة الأجرامية، في القضاء على حقوق الشعب الفلسطيني، بأنها موقف أمريكي ــ غربي بناء، لأنصاف الفلسطينيين، وشكل من أشكال الضغط على نتنياهو وأسرائيل، لنفي تهمة التواطؤ معها، بل ومشاركتها في جرائم الإبادة الجماعية والتطهير الإثني.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت