محدّث التراث في لحن أحمد الخليل

كرم نعمة
2024 / 1 / 23

تحمّس الموسيقار العراقي فاروق هلال لأداء الفنان إسماعيل فاضل لواحدة من أهم الأغاني التي أرّخت للسمة البغدادية العميقة، التي تركها الموسيقار الراحل أحمد الخليل في صوت مائدة نزهت.
فأغنية “فد يوم أتمنى وتجي يمي” التي كتبها طالب القيسي، صنع فيها الخليل ترنيمة بغدادية خلاّبة وهو يحلّق بمقام الكُرد، من دون أن يفرط بانتقالات لحنية ما بين مقامي العجم والنهاوند، فيما كانت تلعب مائدة بنبرات صوتها، وكأنها تحوّل الجمل الموسيقية إلى توسلات مشوقة بالحبيب.
كان عليّ أن أعيد إحساسي بهذه الأغنية بصوت مطربتها الأولى وبعد عقود على آخر سماع لها من إذاعة بغداد، قبل أن أتأمل الثناء المفرط الذي أغدقه هلال على صوت إسماعيل، وهو يعيد أداء هذه الأغنية في توزيع موسيقي معاصر وتصوير تلفزيوني مشبّع بالحنين لما أفلَ في المدينة.
سمّى الفنان فاروق المطرب إسماعيل بـ”محدّث التراث”، وقال لي إنه لا يطلق هذه التسمية اعتباطًا، إذ لا يليق ذلك بتجربته العلمية والنظرية في علوم الغناء الممتدة على أكثر من خمسة عقود.
واقترح عليّ أن تكون مطالبتي باستعادة “الأغنية العراقية المخطوفة” مثل كل شيء ضاع في البلاد، أن ننطلق من تحديث التراث بمثل هذه الأغاني ونعيد توزيعها الموسيقي من دون التفريط بجوهرها.
بوسعي، أن أقول إن الانتقائية الذكية لإسماعيل وهو يختار أغنية يكمن في لحنها انسجام تعبيري مزدوج ما بين التراث والمعاصرة، جعلت من تحمس الفنان فاروق يُعبّر عن فهم خالص لجوهر إحياء الأغنية العراقية.
وبإمكاني أن أدافع عن ذلك وفقا لتجربتي السمعية ورؤيتي النقدية معا، فإسماعيل صوت مهر صعوبة أداء المقامات العراقية، ومنحته لهجته البغدادية حصانة في الأداء ونطق مخارج الحروف عن دربة ومران غنائي، فهو ليس طارئا، وإنما ابن لبيئة بغدادية خالصة لسوء حظها تريّفت اليوم!
وهذا سبب كاف يجعلنا نشعر أن هذا المطرب الشاب وضع روحه الأدائية وهو يعيد لنا رائعة تركها الموسيقار الراحل أحمد الخليل في صوت مائدة نزهت. وهو في ذلك يستجلب الأمل عندما يُعيد تقديم الأغاني العراقية، قبل أن تفقد عراقيتها!
من المفيد هنا أن نعرف أن أحمد الخليل المولود في دهوك 1922 والمتوفى في بغداد 1998، يعد من مكتشفي مائدة نزهت وصنع بصوتها مجموعة من أروع الألحان، ولم يتردد في تقديم ألحانه لها حتى بعد زواجها من الموسيقار الراحل وديع خوندة. يكفي أن نتذكر هنا أغنية “أصيح آه والتوبة” التي كتبها حسين علي، وكانت بمثابة تعبير عن بيئة غنائية بغدادية توظف موسيقى الجاز.
من سوء حظ تجربتي الصحفية، أنني لم أكن قريبا من الفنان أحمد الخليل ولم أحظ بمحاورته، وكان لقائي الأخير معه في بداية تسعينيات القرن الماضي عندما جاوره في السكن صديقي الناقد عادل الهاشمي. كان وقتها هذا الفنان في عقده السبعيني موضع احتفاء في تلفزيون بغداد وهو يؤدي أنشودة “جبل ياهذا العراق” التي كتبها داود الغنام، حيث كانت إطلالته على الشاشة تعيد إلى الذاكرة واحدة من أشهر الأغاني الوطنية في التاريخ العراقي المعاصر “هربجي كرد وعرب رمز النضال” التي كتبها زاهد محمد زهدي (التقيت به عام 2000 قبل أشهر قليلة من رحيله في لندن، وأجريت معه حوار مطولا).
لا يبدأ التجديد عند أحمد الخليل بصوت مائدة نزهت، فمن يعود إلى أغنية “بين دمعة وابتسامة” التي كتبها سيف الدين ولائي، يدرك معنى التجديد في الأغنية العراقية الذي تميزت به ألحان هذا الفنان.
عودوا إلى أغنية “ياحلو قلي شبدلك” بصوت نرجس شوقي، و”حرقت الروح” و”بعيونك عتاب وبقلبي جواب” و”ألف روح” بصوت عفيفة إسكندر، لتدركوا القيمة اللحنية التي تركها لنا أحمد الخليل، المحتفى به اليوم بصوت إسماعيل فاضل في “فدم يوم”.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت