عقلية الضحية :بين الماضوية والقطيعة.

مظهر محمد صالح
2024 / 1 / 23

1- يتسع معنى( عقلية الضحية) ويضيق مفهومها بين مختلف المفكرين من الكُتاب والمدارس الفكرية ليتمحور حول سلوك اجتماعي مفاده :ان عقلية الضحية هي سلوك يميل فيها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص إلى الاعتراف أو عد أنفسهم ضحية للأفعال السلبية للآخرين.
فعلى مفترق الطرق هذا ينبري الكاتب والأكاديمي الامريكي في العلوم السلوكية ستيف ماربولي -Steve Maraboli متناولاً مغزى عقلية الضحية victim mentality في سلوك الافراد الاجتماعي والسياسي واصفاً اياهم بالقول : ((ان أولئك الذين لديهم -عقلية الضحية -يميلون بالغالب إلى خلق المواقف الدائمة من تلك السلوكيات التي يعانون منها)).
في حين ياخذ المفكر ابراهيم العبادي مساحة واسعة في الاجتماع السياسي عبر مقاله الاسبوعي اللاهب الذي تناول في عنوانه : عقلية الضحية في الاجتماع والسياسة ، واضعاً رؤيته بالقول :((….نظرة سريعة على الصراعات الكبرى في العالم خلال القرنين الاخيرين تعطي استنتاجا بان هناك جماعات شعرت في لحظة زمنية بانها كانت ضحية عمليات ابادة وانها مازالت تعاني في استحصال الاعتراف بسبب رفض الطرف الاخر، ان اجيال هذه الجماعات لم تعان حاضرا من عمليات ابادة وهي ليست ضحية في واقعها الراهن لكنها تستديم مشاعر مؤلمة لاحداث تاريخية مختزنة في الذاكرة الجماعية ،فتعيد الحديث عن ذكرياتها في سياق اجتماعي -ثقافي لشحذ الهوية وتطوير المشروع السياسي الحلم ……..)).

2- اما من جانبي فقد ارى ان عقلية الضحية Victim mentality… هي نمط اديولوجي منغلق في ممارسات الاجتماع والسياسة في العالم الثالث وهي تتعايش مع عقد اجتماعي ابتدائي،لم يغادر جذوره من النزاعات الاستعمارية كافة و دوران بوصلة الامبريالية المركزية التي ما زالت تلف من حوله ، لتلغي على الدوام فكرة العيش المشترك ، وولادة نزعات السكون المستمرة الى ماضوية خطيرة للتعايش مع قوى ما قبل الدولة او العقد الاجتماعي .
وبذلك تصبح عقلية الضحية مشروع مستمر لم ينزع فتيله في تفجير النزاعات الداخلية وتهديد السلم الاهلي وتحميل التعاقب الجيلي آثام وعُقد تاريخية مستعصية الحل وباوهام تقوم على فهم مضطرب من (الفنتازيا ) في تفسير نزاعات تاريخية من الماضي . اذ ان الخطر الذي يداهم الامم النامية التي تتعايش مع عقلية الضحية ،هو ان يُزج العقد الاجتماعي فيها بآثام الماضي لتوليد مجتمع سكوني ثأري معدوم القدرة على التسامح قابل للانقسام والتهميش والتهاوي بشكل متسارع في قبول التجزءة والعودة المرنة الى ممارسة العقد الاجتماعي الموازي صوب الانغلاق والتمزق . فعقلية الضحية هي واحدة من المشاريع الميسرة في تغذية النزاعات الإيديولوجية الماضوية في محيط معسكر راس المال المركزي ،غاياتها الاولى على الصعيد العالمي ،الهيمنة الرأسمالية المركزية في نهب التراكم الراسمالي من خلال بعثرة ثروات الشعوب وزج الامم الناشئة في ازدحام الماضي لصناعة انسجة من اللاشي في مصانع مستقبل الشعوب دون قطيعة تاريخية او معرفية عن العُقد الماضوية .

3- يثير المفكر الاكاديمي سيار الجميل 2008 في مقال مهم عنوانه شرانق الماضوية والقطيعة التاريخية بالقول((…. يعد الفيلسوف الفرنسي غوستاف باشلار Gaston Bachelard مؤسس( فلسفة القطيعة)ولكنه سماها فلسفيا بـ ” القطيعة المعرفية ” ، وقصد بها ايبستمولوجيا : ” فهم المعرفة بعيدا عن الايديولوجيا ” .
والقطيعة التاريخية التي يعني بها المفكر سيار الجميل هي : فهم التاريخ والوعي به بعيدا عن الحاضر والمستقبل . اذ يواصل المفكر الجميل قائلاً :اننا غير ملزمين بأن نكون مجموعة سلالات ماضوية تتابعية لا نعرف غير ترديد ما قيل وتتناسل ما حدث بكل غلو وتعصّب واحقاد ، فلكل زمن من الازمنة التاريخية ظروفه وعناصره واشكاله ومضامينه والوانه .. فليس من العقل ابدا ان نبقى سجناء الماضي سواء كان كلاسيكيا لآلاف السنين ، او وسيطا لألف سنة ، او كان معاصرا لنا انتهى قبل ثلاثين عاما فقط ! هذه مسألة حيوية تجاوزها التفكير الفلسفي المعاصر في معظم المدارس المعرفية وخصوصا الفرنسية منها .. ولكن التفكير حتى لدى النخب المثقفة والعليا في مجتمعاتنا لم يزل يراوح في مكانه باسم الانتماء مرة وباسم القيم الموروثة مرة وباسم التراث مرات اذ يعد الخروج عن شرانق الماضي خطا احمرا قانيا كما يرسمه الخطاب الشعبوي الذي يمجده الجميع .. )).
واخيراً ،فاذا كان (الوعي التاريخي) يأتي مع الزمن ولا يمكن خلقه الا بالانتقال من الايديولوجيا الى المعرفة كما يقول المفكر سيار الجميل ،فان المفكر ابراهيم العبادي يرى ان: عقلية الضحية الفردية تكون ممكنة العلاج واعادة التأهيل عبر تغيير تدريجي للقناعات واعادة الثقة للفرد بامكانية التحكم بالعالم الخارجي المحيط به وتغييره ،وانه ليس قدرا محتوما.
4- ختاماً ، وبالرغم مما تقدم يوقد المفكر ستيف ماربولي ،ضياء المستقبل بوعي بعيد عن شرانق الماضوية ودون قطيعة مبتعداً عن عقلية الضحية ، مشخصاً ذلك قبل عام بالتحديد قائلا ً:
عندما يتم توجيه كل أفكارك وأعمالك لصالح الأهداف الكبرى في حياتك، فإنك تتحول إلى شخص لايمكن إيقافه، وحينها ليس لك إلا النجاح.

((انتهى )).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت