تداعيات السيطرة الفاشية في الدولة الصهيونية

سعيد مضيه
2024 / 1 / 22

فاشية الصهيونية الدينية تضع الدولة على سكة التهلكة
" حذر العالِم الإسرائيلي، ييشيعياهو ليبوفيتس، من أن إسرائيل، اذا لم تفصل الكنيس عن الدولة وتضع حدا لاحتلال الفلسطينيين، فسوف يتفاقم فيها فساد الحاخامية بحيث تؤول الديانة اليهودية عبادة للفاشية .... كل ما خلفته إسرائيل تصعيد العنف ، بما في ذلك التعذيب، وبه يتسارع التدهور . على المدى القصير ، يعمل هذا العنف الشامل...". في مقالته الثانية حول حرب الإباد العرقية، كتب كريس هيدجز، صحفي التقصي بالولايات المتحدة ، يحلل عوامل تآكل إسرائيل من الداخل." تحتاج الدول لأكثر من القوة كي تبقى؛ انها تحتاج الى طاقة روحية غامضة (ميستيك). تزود بالغرض والتمدن وحتى بنبالة تلهم المدنيين بالتضحية من اجل الأمة، مثلما تمد بالأمل في المستقبل ، و بالمعنى، وكذلك بالهوية الوطنية." .
يفترض كريس هيدجز انتصار إسرائيل في عدوانها، وتجتث الشعب الفلسطيني، لتتحول بعد ذلك الى المعارضة الليبرالية بالداخل. الفاشية فرضت الحرب والحرب بدورها تحقن الفاشية. فرض الرأي الواحد يشيع الركود بالمجتمع الصهيوني ويفعل عمليات التآكل الداخلي. سوف تفقد الدولة الصهيوينة روحها . حينئذ لن تحتاج الى عدو من الخارج:
عقب انتصار الفاشية
سوف تخرج إسرائيل منتصرة بعد ان تكمل حملة إبادة العرق في غزة والضفة الغربية؛ بإسناد من الولايات المتحدة سوف تنجز هدفها المتوحش. القتل الجماعي وعنف الإبادة سوف تفني الفلسطينيين أو تهجرهم.
سوف تحقق حلمها بدولة خالصة لليهود، مع نزع الحقوق الأساس عن اي فلسطيني يقرر البقاء ؛ سوف تنتشي بنصرها المضمخ بالدم؛ ولسوف تحتفي بمجرمي الحرب .
سوف تمحى من الذاكرة ومن الضمائر حرب الإبادة التي خاضتها ويقذف بها داخل الفتحة السوداء التاريخية [حيث تحتجب الذكريات] ؛ وكل من يحتفظ بضميره سوف يفرض عليه الصمت ويضطهد.
لكن في الوقت الذي تنجز إسرائيل حرب الإبادة في غزة - تتحدث عن شهور من الحرب- فإنها تكون بذلك قد وقّعت على عقوبة موتها .
سوف تلقي واجهات مدنيتها في أكوام الرماد، وكذلك احترامها المبجل المزعوم لحكم القانون والديمقراطية ، وبروايتها الخرافية عن جيش شجاع واعجوبة ولادة دولة يهودية .
سوف تبدد رأسمالها الاجتماعي؛ سوف يتكشف عن نظام أبارتهايد يعج بالكراهية ، قمعي بشع يستعدي الجيل الشاب من يهود الولايات المتحدة. أما حامية إسرائيل ، الولايات المتحدة ، فشأن الأجيال الجديدة من اليهود الأميركيين ، سوف تنأى بنفسها عن إسرائيل، بنفس الأسلوب الذي تنأى عن أكرانيا.
الدعم الشعبي لإسرائيل، الذي تبدد في الولايات المتحدة سوف تتلقاه من الفاشيين المسيحيين ، الذين يرون في هيمنة إسرائيل على أرض التوراة العتيقة ملاذا للمجيء الثاني ، ويرون في إخضاع العرب عنصرية قرابة وتفوق عرقي للبيض.
دماء الشعب الفلسطينيي ومكابداته- قتل من اطفال غزة خلال شهرين عشرة أضعاف من قتل من اطفال أكرانيا خلال سنتين من الحرب- سوف تمهد الطريق الى اختفاء إسرائيل . عشرات آلاف الأشباح ، إن لم يكن مئاتها سوف تنبري للفعل.
أمة في ركود
سوف يلحق الفناء بحياة إسرائيل الثقافية والفنية والصحفية والفكرية؛ سوف تكون دولة ركود ، حيث المتعصبون الدينيون واليهود المتطرفون الذين استولوا على السلطة سوف يهيمنون على الحوار العام.
سوف تعثر على حلفائها بين الأنظمة الاستبدادية الأخرى؛ تفوق إسرائيل الممجوج عرقيا ودينيا سوف يكون مأثرتها المميزة، الأمر الذي من أجله يفضل إسرائيلَ بحماس تلك الجماعات الأشد رجعية من دعاة التفوق العرقي للبيض، بالولايات المتحدة واوروبا ، بمن فيهم الفيلو ساميين من أمثال جون هاغي ، باول غوسار ومارجوريه تيلر غرين. والكفاح المنتشر ضد اللاسامية لا يعدو احتفاءًا بسلطة البيض مموه بغلالة رقيقة.
يمكن ان يطول عمر الاستبداد بعد موعده المحدد؛ غير انه نهاية المطاف؛ فأنت لست مضطرا لأن تكون علّامة بالتوراة كي ترى شهوة إسرائيل لرؤية أنهار الدم مضادة خلقيا لقيم اليهودية؛ واستخدام الهولوكوست بصورة تدعو للسخرية، بما في ذلك دمغ الفلسطينيين بالنازية، تبدو ضئيلة الفعالية حين تنفذون حرب إبادة عرق ضد 2.3 مليون إنسان مصفدين داخل معسكر اعتقال.
تحتاج الدول لأكثر من القوة كي تبقى؛ انها تحتاج الى طاقة روحية غامضة (ميستيك). تزود بالغرض والتمدن وحتى بنبالة تلهم المدنيين بالتضحية من اجل الأمة، مثلما تمد بالأمل في المستقبل ، و بالمعنى، وكذلك بالهوية الوطنية.
حين تنهار هذه الطاقة الروحية، وحين تتكشف عن اكاذيب ، ينهار أيضا الأساس المركزي لسلطة الدولة . كتبتُ عن موت الطاقة الروحية للشيوعية عام 1989أثناء الثورات في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا . حينئذ قرر البوليس والجيش ما من شيء تبقى يمكن الدفاع عنه.
تآكل إسرائيل سوف يولد نفس الخواء وجفاف العواطف؛ سوف لن يكون بمقدورها حشد متعاونين من بين السكان الأصليين ، امثال محمود عباس والسلطة الفلسطينية – يزدريهما معظم الفلسطينيين- للدخول في مزايدات الكولنياليين.
اورد المؤرخ، رونالد روبينسون، نقطة عندها تحول التعاون الى مقاطعة ، هو العجز عن تجنيد الحلفاء من السكان الأصليين ؛ لحظة بدا معها تقوض النظام الكولنيالي. حال تنتقل المقاطعة بهدوء من جانب النخب الوطنية الى معارضة، حسب روبينسون، يغدو مؤكدا " التدهور السريع" للامبرطورية.
كل ما خلفته إسرائيل تصعيد العنف ، بما في ذلك التعذيب، وبه يتسارع التدهور . على المدى القصير ، يعمل هذا العنف الشامل ، مثلما فعل أثناء الحرب التي شنها الفرنسيون ضد الجزائر ، والحرب القذرة التي شنتها الديكتاتورية العسكرية بالأرجنتين، وأثناء صراع بريطانيا مع إيرلندا الشمالية . لكنه عمل انتحاري على المدى البعيد.
اورد المؤرخ البريطاني ، اليستير هورن، ملاحظة تقول :" قد يقال ان معركة الجزائر قد انتصرت بواسطة التعذيب ، لكن بالتعذيب حلت الهزيمة بحرب الجزائر".
حرب الإبادة في غزة جعلت من مقاتلي حماس أبطالا في العالم الإسلامي والجنوب العالمي ؛ إسرائيل تقضي على قيادة حماس ،غير ان اغتيالات عشرات القادة للمقاومة الفلسطينية في الماضي -والحاضر- أفادت القليل في ثلم حدة المقاومة.
إن حصار غزة ثم إبادة العرق قد انتجت جيلا جديدا من الشبان والشابات الموتورين الغضاب ممن قُتِلت أسرهم والذين مُسحت تجمعاتهم. انهم على استعداد للحلول محل القادة الشهداء. إسرائيل بعثت رصيد خصومها الى فضاء ستراتوسفير [ فضاء أرضي يبعد ثلاثين ميلا عن سطح الأرض ولا تتشكل فيه الغيوم].
حرب مع الذات
كانت إسرائيل في حرب مع ذاتها قبل 7أكتوبر ؛ فقد تظاهر الإسرائيليون لمنع بنيامين نتنياهو من القصاء على استقلالية القضاء. المتزمتون والمتعصبون الدينيون في إسرائيل يمسكون السلطة في الوقت الراهن، وقد شنوا هجوما ضاريا ضد العلمانيين في إسرائيل.
الوحدة الإسرائيلية منذ ذلك الحين هشة ؛ فهي وحدة نفي، تجمعها الكراهية ، حتى ان هذه الكراهية لا تكفي لمنع المتظاهرين من استنكار تخلي الحكومة عن الرهائن في غزة. الكراهية بضاعة سياسية خطرة؛ حالما تتخلص من عدو يمضي الذين خزنوا الكراهية للبحث عن عدو آخر؛ و"الحيوانات البشرية" الفلسطينية ، ما إن تجتث، أو يتم إخضاعها، سوف يحل محلها خونة ومرتدون. يستحيل للجماعات المشيطنة ان تبرأ أو يعاد لها الاعتبار؛ تصنع سياسات الكراهية اضطرابات مستدامة يستغلها لمصلحتهم أولئك الساعون لتدمير المجتمع المدني.
مضت إسرائيل شوطا بعيدا في الهبوط على هذ المنحدر قبل يوم 7 اكتوبر حين سنت سلسلة من القوانين التمييزية ضد من هم غير يهود تماثل قوانين نورمبيرغ العنصرية التي الغت حقوق اليهود في ألمانيا النازية. في إسرائيل قانون "قبول المجتمعات" يسمح للمستوطنات اليهودية الخالصة رفض طلبات السكن وفق القاعدة "ملاءمة النظرة الأساس للمجتمع".
نرك البلاد عدد كبير من الشبان والمتعلمين اليهود الى اماكن في استراليا وكندا والمملكة المتحدة مع عدد يقدر بمليون شخص انتقلوا الى الولايات المتحدة. حتى ألمانيا شهدت موجة هجرة ضمت 20000 مهاجر إسرائيلي خلال العقدين الأولين من القرن الحالي.

ومنذ 7 اكتوبر غادر البلاد حوالي 470000 إسرائيلي؛ داخل إسرائيل يتعرض للهجمات دعاة حقوق الإنسان ومفكرون وصحافيون – إسرائيليون وفلسطينيون – ويتهمون بالخيانة بحملات تجري تحت إشراف الحكومة، أو يخضعون لمراقبة الدولة والبعض يتعرضون لاعتقالات عشوائية. اما نظام التعليم في إسرائيل فهو آلة أدلجة لصالح الجيش.
حذر العالم الإسرائيلي، ييشيعياهو ليبوفيتس، من أن إسرائيل، اذا لم تفصل الكنيس عن الدولة وتضع حدا لاحتلال الفلسطينيين، فسوف يتفاقم فيها فساد الحاخامية بحيث تؤول الديانة اليهودية عبادة للفاشية .
قال ، " إسرائيل لن تستحق الوجود ولن تكون جديرة بالحفاظ على وجودها".
الطاقة الروحية للولايات المتحدة في العالم، بعد عقدين من الحروب المدمرة بالشرق الأوسط والهجوم على الكابيتول (مقر الكونغرس) في 6 يناير ، باتت ملوثة مثلما هي حليفتها إسرائيل .
إدارة بايدن،إذ تحدب على مساعدة إسرائيل بدون شروط ومجاملة اللوبي اليهودي الإسرائيلي صاحب النفوذ بالولايات المتحدة، تجاوزت دور الكونغرس في البحث مع وزارة الخارجية أمر تقديم 14 الف راوند من ذخيرة الدبابات لإسرائيل. وقال وزير الخارجية، انتوني بلينكين، "توجد حالة طوارئ تتطلب البيع العاجل". وما يبعث على السخرية في ذات الوقت انه طلب من إسرائيل ، ان تخفض الخسائر بين المدنيين.
الخسائر بين المدنيين الفلسطينيين
لا تنوي إسرائيل تخفيض عدد الإصابات بين المدنيين ؛ قتلت 18800 فلسطيني، 82. % من عدد السكان في غزة - ما يعادل 2.7 مليون أميركي، وجرحت 51 الفا آخرين .
نصف سكان غزة جياع، كما أوردت بيانات الأمم المتحدة ؛ وتم ندمير جميع المؤسسات والخدمات التي تحفظ حياة المواطنين – مستشفيات (بقي 11 فقط من أصل 36 مستتشفى تعمل بصورة جزئية)، المياه ، نظم المجاري، البيوت ، المدارس ، مباني الحكومة ، مراكز ثقافية، اتصالات سلكية ،جوامع، كنائس و مراكز الأمم المتحدة لتوزيع الأغذية .
اغتالت إسرائيل 80 صحفيا على الأقل[ بلغ حاليا 120 صحفيا علاوة على المثقفين وحملة الدكتوراة والأستاذية]، مع العشرات من أسر الصحفيين وأزيد من 130 من عمال الأمم المتحدة مع أفراد من أسرهم.
يركز الجيش الإسرائيلي اهتمامه على إلحاق الإصابات بالمدنيين؛ هذه ليست حربا ضد حماس ؛ هي حرب ضد الشعب الفلسطيني. والهدف قتل أو نقل 2.3 مليون فلسطيني من غزة.
إن إطلاق النيران وقتل ثلاثة من الرهائن الإسرائيلي الفارين من الأسر، توجهوا نحو القوات الإسرائيلية يرفعون سراويلهم رايات بيض، ويطلبون المساعدة باللغة العبرية، هذه ليست محض تراجيديا، إنما هي أنة من قوانين الحرب المعمول بها في غزة. تقول القوانين اقتل كل ما يتحرك .
[يضاف لذلك ان الجنود اعتادو القتل العشوائي بدون تحقيق ولا مساءلة. آلاف الفلسطينيين قتلوا بهذا الأسلوب ولم يتعرض القتلة لإدانة او تحقيق] .كما كتب غيورا آيلاند ، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي ، في صحيفة ييديعوت احرونوت، "ليس لدولة إسرائيل خيار إلآ تحويل غزة الى مكان يستحيل العيش فيه بصورة مؤقتة او دائمة ...خلق ازمة إنسانية مشددة في غزةهي الوسيلة الضرورية لإنجاز الهدف"؛ وأضاف ،"سوف تصبح غزة مكانا لا يستطيع إنسان التواجد فيه".
وأعلن الميجر جنرال ، غسان عليان، في غزة " سوف لن توجد كهرباء، ولا مياه ، لن يكون سوى الدمار . أردتم جهنم ، وستكوون بجهنم"
الدول الكولنيالية التي دامت ، بمن فيها الولايات المتحدة أفنت معظم المواطنين الأصليين تقريبا بالأمراض وبالعنف .الأوبئة القديمة التي جلبها الأوروبيون الى أميركا ، مثل الجدري، قتلت ما يقدر ب 56 مليون إنسان من السكان الأصليين خلال مائة عام تقريبا ؛ في شمال ووسط وجنوب أميركا.
بحلول عام 1600 بقي على قيد الحياة أقل من عُشْر السكان الأصليين؛ إسرائيل لا تستطيع القتل بهذا المستوى، بقرابة 5.5 مليون فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال و9 ملايين غيرهم في الشتات.
إدارة بايدن، التي -ويا للسخرية – وقّعت على شهادة وفاتها، مصفدة بعملية إبادة العرق الإسرائيلية؛ سوف تحاول النأي بنفسها بالكلام ، لكنها في ذات الوقت سوف تصب مليارات الدولارات من الأسلحة التي طلبتها إسرائيل كمساعدات – بما في ذلك 14.3 مليار دولار مساعدة عسكرية إضافية على المعونة السنوية ومقدارها 3.8 مليار لكي " تنجز المهمة".
إدارة بايدن شريك كامل في مشروع إبادة الجنس .
إسرائيل دولة مارقة ، تجلى هذا للعموم يوم 12 ديسمبر ، حين عارضت مع عشرة فقط، 153 دولة بالهيئة العامة للأمم المتجدة طالبت وقف القتال[ومعها الولايات المتحدة] ، وامتنعت عن التصويت 23 دولة. حرب الأرض المحروقة التي تخوضها إسرائيل في غزة سوف لن يعقبها سلام؛ لن يتحقق حل الدولتين؛ تعريف إسرائيل سيكون دولة أبارتهايد وإبادة عرق؛ وهذا نذير بنزاع طويل ، طويل، نزاع لن تكسبه إسرائيل في نهاية المطاف.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت