هل تغير مفهوم السيادة؟ أم النظام الدولي يتداعى؟

حميد الكفائي
2024 / 1 / 22


لم تكن دول العالم تلجأ إلى مهاجمة أهداف خارج حدودها، إلا إذا كانت مستعدة للدخول في حروب قد تكون طويلة ومكلفة، وأن القضية تستحق مثل هذه التضحية. لكنها صارت مألوفة هذه الأيام، بدأتها روسيا، وتبعتها إيران، وهذا مؤشر خطير على اختلال النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

في السابق، عندما تضطر أي دولة إلى مثل هذا العمل العدائي، الذي ينطوي على استهانة بالدولة الأخرى، وانتهاكٍ صارخ لسيادتها، واستفزاز لمشاعر شعبها الوطنية، فإنها تسبقه بإرسال تحذيرات رسمية للدولة المعنية، ثم تقدم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، تبين فيها التهديد الذي تتعرض له من تلك الدولة، قبل الإقدام على شن هجوم عسكري، لأن هناك تبعات خطيرة لأي هجوم عسكري خارجي.

لكن هذه الأفعال صارت مألوفة في الآونة الأخيرة. إسرائيل تقصف المنازل والمدارس والمستشفيات وتقتل المدنيين في غزة، والعالم يقف عاجزا عن إيقافها. إيران تطلق الصواريخ والمسيرات على الدول المجاورة دون سابق إنذار! فبعد استهداف حرسها (الثوري) لأربيل وقتله رجل أعمال عراقي كردي معروف، هاجمت أهدافا في باكستان!

يمكن المتتبع للأحداث أن يتفهم أسباب مهاجمة إيران المستمرة للعراق والاستهانة به وانتهاك سيادته، فهي تمتلك أذرعا (عراقية) مسلحة موالية لها، تقدم مصلحة إيران وإطاعة أوامر قادتها، على مصلحة العراق والامتثال لقوانينه والالتزام بدستوره. هذه الجماعات تعتبر إيران دولتها، وما العراق، في رأي قادتها، سوى أداة تستخدمها إيران حسبما تشاء، باعتبار أن إيران هي "بيضة الإسلام"، ولابد من المحافظة على هذا البيضة المباركة، وأيُّ تضحية ٍفي هذا المسعى، مهما كَبُرَت، تعتبر رخيصة.

إيران لا تخشى أي ردة فعل رسمية عراقية، فمعظم الفصائل الحاكمة، أو الساعية إلى الحكم، تسعى حثيثا لكسب رضى قادتها بكل الوسائل! أما ردود الفعل الشعبية العراقية، فإن القناصة جاهزون لقمع المعترضين، إنْ شكلوا تهديدا لنفوذها، وتلك انتفاضة تشرين خير شاهد. الحكومة العراقية لم تقدم احتجاجا رسميا، وإن كان شكليا، على الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية، بل هناك من يخرج على الملأ من المشاركين في السلطة، نوابا أو مسؤولين أو منتمين لجماعات مشاركة في السلطة، ليقدموا مبررات للهجوم الإيراني على (بلدهم) العراق!

ومن هذه المبررات التي لا دليل عليها مطلقا، هو وجود مقرات للموساد تستهدف إيران، أو أن هناك عمليات عسكرية ضد إيران تنطلق من العراق، وتحديدا من أربيل، وأخطارا تهدد الأمن القومي الإيراني! الحقيقة أن إقليم كردستان العراق، وتحديدا أربيل ودهوك، هي المنطقة الوحيدة في العراق، التي لا يوجد فيها نفوذ إيراني، فحكومة الإقليم ترفض الانصياع للغطرسة الإيرانية، وقد نجحت في تحقيق الإعمار والاستقرار في المنطقة، وهذا، لسبب ما، يزعج إيران، لذلك أخذت تستهدف رجال الأعمال المساهمين في هذه النهضة، وكان بشيرو مجيد دزئي، الذي قتل في الصاروخ الإيراني الأخير، آخر الضحايا.

وإيران تستخدم دائما ذريعة خطر الموساد وإسرائيل، للتدخل في شؤون الدول الأخرى، خصوصا الضعيفة منها. وأثناء الخلاف مع أذربيجان، التي تشترك مع إيران بمشتركات عديدة، منها الجيرة والدين والمذهب والامتداد القومي الأذري في العمق الإيراني، أجرت إيران مناورات عسكرية على الحدود مع أذربيجان، أطلقت عليها اسم (خيبر)، للإيحاء بأن جارتها المسلمة، تتعاون مع إسرائيل، بينما الحقيقة أن إيران هي التي تساند أرمينيا ضد أذربيجان، ولم تعمل يوما ضد إسرائيل من أجل فلسطين، بل تعاونت معها واشترت منها السلاح وشجعت يهود إيران على الهجرة إليها.

المستغرب الآن هو إقدام إيران على مهاجمة أهداف في باكستان، بحجة وجود جماعات تعمل ضد إيران. وبهذا الهجوم، أكملت إيران حلقة العداء لكل دول الجوار، فلم تبقَ دولة لم تهاجمها، مباشرة أو عبر وكلائها في المنطقة. لكن باكستان ليست العراق، فهي دولة قوية عسكريا، وتمتلك السلاح النووي، ويمكنها ردع إيران بسهولة، وهذا ما حصل فعلا بعد يوم واحد على الهجوم الإيراني على ولاية بلوشستان الباكستانية.

باكستان دولة مستقلة فعليا لا شكليا، وشعبها متماسك ولديه هوية وطنية راسخة، رغم تنوعه المذهبي والعرقي والقومي، ولا توجد جماعات توالي دولة أخرى، ولم تستطع إيران أن تنفذ إلى الطائفة الشيعية في باكستان، التي بقيت موالية للدولة، ولم تتأثر مطلقا بالخطاب الطائفي المنطلق من طهران منذ أربعة عقود ونصف. لا يوجد في باكستان موالون لإيران، ولا ميليشيات مسلحة تناهض سلطة الدولة، وشيعة باكستان، رغم أنهم أقلية مقارنة بباقي السكان، إذ يشكلون حوالي 15% وفق تقديرات عديدة، لكنهم موالون لبلدهم وليست لديهم عُقدة طائفية.

يبدو أن الحرس الثوري ارتكب خطأً فادحا هذه المرة باستهدافه الأراضي الباكستانية، بحجة وجود قاعدة لجماعة بلوشية إيرانية معارضة، علما أن المعارضين البلوش لا يسعون للانفصال عن إيران، بل إلى تحسين أوضاعهم ونيل حقوقهم القومية والدينية. بينما يوجد في باكستان حركة بلوشية انفصالية، وإيران تدعم هذه الحركة، ورغم ذلك، لم تقْدِم باكستان سابقا على مهاجمة الأراضي الإيرانية التي تضم قواعد لهذه الحركة الانفصالية.

الطريف أن رئيس وزراء باكستان، أنور الحق كاكار، التقى بوزير خارجية إيران، أمير حسين عبد اللهيان، في دافوس، قبيل قيام الحرس الثوري الإيراني بقصف الأراضي الباكستانية، ما يعني أن الحرس الثوري، المرتبط بالولي الفقيه، يعمل بمعزل عن الحكومة الإيرانية.

قد يتوهم قادة إيران بأن الوضع الدولي المرتبك حاليا، بسبب الحروب في غزة وأوكرانيا، والمصاعب الاقتصادية العالمية، والأزمة التي تمر بها العلاقات الأميركية-الصينية، بالإضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات الباكستانية والأميركية والبريطانية، كل هذه العوامل سوف تمكنهم من تصفية حساباتهم مع معارضيهم، سواء من البلوش أو الكرد، دون عواقب.

لكن حساباتهم لم تكن دقيقة، فقد رد الباكستانيون عليهم بقوة، بعد يوم واحد فقط، وباكستان دولة قوية وكبيرة، ويبلغ تعداد نفوسها 210 مليون نسمة، وهي حليفة للولايات المتحدة، رغم بروز خلافات بين البلدين أحيانا حول بعض القضايا، وكذلك لديها علاقات متطورة مع الصين وروسيا والعديد من دول العالم المهمة.

إن مهاجمة إيران الأراضي الباكستانية، التي تحصل لأول مرة، ودون سابق إنذار، سوف تجعل باكستان تعيد تقييم العلاقة مع إيران، التي كانت تصنَّف بأنها جيدة، بل توجد اتفاقية أبرمت عام 2022 للتعاون الأمني بين البلدين. انتهاك إيران للسيادة الباكستانية يعني بوضوح إن السياسة الإيرانية تجاه جيرانها متغيرة، وحينما يشعر قادة إيران بأن هناك فرصة للسيطرة على الدول الأخرى، أو التدخل في شؤونها، فإنهم ينتهزونها دون اكتراث للقانون الدولي، أو مبادئ حسن الجوار، أو التعاليم الدينية التي يتشدقون بها.

لم تعد هناك دولة من دول الجوار لم تنتهك إيران سيادتها أو تتدخل في شؤونها. وهذه الدول ليست كلها ضعيفة ومفككة، ولابد أنها ستنسق جهودها للدفاع عن سيادتها وحماية مصالحها. من الواضح أن إيران لا تحترم سوى الدول القوية، أو المستعدة لحماية حدودها ومصالحها عبر القوة العسكرية أو التحالفات الدولية. لقد حاربت العراق ثماني سنوات، لكنها عندما أدركت بأنها لن تستطيع أن تهزمه، جنحت للسلم ووافقت على وقف إطلاق النار وأقامت علاقات طبيعية مع نظام سعت عسكريا خلال عشر سنوات للإطاحة به.

وعندما تحدى مسلحو طالبان إيران وأقدموا على قتل 11 دبلوماسيا وصحفي، في مدينة مزار شريف عام 1998، لم تنتقم إيران من طالبان، رغم أن ما فعله مسلحوها كان انتهاكا صارخا للأعراف الدبلوماسية، لكن السلطات الإيرانية أدركت أن الرد سيكون مكلفا، وربما يشعل حربا طويلة الأمد مع حركة أصولية شرسة، فلعقت جراحها وصمتت.

وعندما أقدمت إسرائيل على اغتيال مسؤولين إيرانيين في العمق الإيراني، كان أبرزهم العالم النووي، فخري زادة، وقتل عدد من قادة الحرس الثوري في سوريا، بل وتعاونت مع أميركا في عملية قتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، فإنها لم ترد البتة، لأنها لا تخاطر بحرب يمكن أن تخسرها.

على العراقيين أن يعوا هذا الدرس جيدا، فمازالت الدولة العراقية ضعيفة، فلن يحترمها أحد. العراق يمتلك كل مقومات القوة ويمكنه أن يصون استقلاله وسيادته بقوته وبتحالفاته الدولية، التي يمكن تفعيلها لحماية شعبه ومصالحه، لكن ذلك يحتاج إلى تماسك سياسي واتفاق حول المشتركات الوطنية. ومازال هذا التماسك غائبا، فإن العراق سيبقى في مهب الريح، وستتحمل الجماعات السياسية الحالية المسؤولية كاملة أمام الشعب والمجتمع الدولي.

من الواضح أن النظام الدولي الحالي يعاني من الاعتلال، والقوة العظمى التي تقود العالم تتخبط، وتستخف بالأخطار المحدقة بالعالم. يتوهم البعض عندما يظن بأن حربا عالمية جديدة لن تقوم، باعتبار أن الدول المعنية لا ترغب بها لأنها ستتضرر منها. الحروب لا تندلع لأن هناك من يرغب بشنها، بل لعدم إيجاد حلول عاجلة للأزمات المتراكمة. الأزمات تترى، والمشاكل تتعمق وتتفاقم، ولا حلول تلوح في الأفق. إن استمر الوضع على هذا المنوال، فإن الحرب الشاملة ليست مستبعدة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت