نظام التفاهة وحقوق الانسان

غالب المسعودي
2024 / 1 / 19

تمكنت القوى الكبرى من إشاعة التفاهة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في الدول المتخلفة وهذا يعتمد على العديد من العوامل والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل بلد على حدة. ونجد ان للقوى الكبرى مصلحة ذات أهمية استراتيجية في تشتيت انتباه الجمهور عن القضايا الهامة والمشكلات الحقيقية التي يوجهها الناس في تلك الدول وفي العالم، وذلك من خلال التركيز على المحتوى السطحي والترفيهي، اذ يتم تجاهل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي تحتاج إلى تغيير وتحسين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي التركيز المفرط على الترفيه والتفاهة إلى تقويض القدرة على التفكير النقدي والتحليل العميق للقضايا والأحداث, ويتم تشجيع الناس على تجاهل القضايا المعقدة والتحليلات العميقة وبدلاً من ذلك الاكتفاء بالمعلومات السطحية والترفيه السريع والمحتوى الهابط فكريا, تكون التفاهة والتسطيح واحدة من السمات المشتركة في بعض وسائل الإعلام في الدول التي يعتبرها البعض "فاشلة", وهذا نتيجة لعدة عوامل، بما في ذلك التغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية, لا يجب الخلط بين وسائل الإعلام والصحافة الحرة في جميع الدول الفاشلة. فمن المهم أن نضع في اعتبارنا أن هناك صحافة حرة ومستقلة في بعض الدول التي تعاني من تحديات تنموية، وتعمل هذه الصحافة على توضيح القضايا الهامة وتوعية الجمهور والمطالبة بالتغيير. أن التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة قد أدت إلى توسع نطاق وتنوع المحتوى المتاح للجمهور ومنه المحتوى التافه فكريا، يمكن للأفراد اختيار مصادر المعلومات التي يثقون بها وتجاهل المحتوى التافه، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير في اتجاهات وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
ان للتفاهة والتسطيح مصلحة تجارية محتملة في كل الأحيان. يكون هناك طلب عالٍ على المحتوى الترفيهي والخفيف الذي يوفر للجمهور التسلية والابتعاد عن القضايا الجادة. ويمكن أن تستغل بعض الشركات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي هذا الطلب لزيادة المشاهدة والمتابعة وبالتالي زيادة الإيرادات. أن "الدول الفاشلة" هو مصطلح يُستخدم لوصف الدول التي تعاني من صعوبات وتحديات جمة في عدة مجالات. ومن المهم أن نلاحظ أن هذا المصطلح قد يكون محل خلاف وقد يعتبر مسيئًا أو مبالغاً فيه في بعض الأحيان. ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى بعض السمات المشتركة التي تكون شائعة في هذه الدول التي تعاني من تحديات كبيرة. يكون هناك نقص في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية وفرض السيطرة على الأراضي وإدارة الشؤون العامة. يكون هناك فساد مستشرٍ في النظام السياسي، تواجه الدول صعوبة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة، يكون هناك تبديد للموارد وضعف في النمو الاقتصادي وعدم توفر فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، يكون هناك نزاعات داخلية وعنف وتمرد وانعدام الأمن العام، مما يؤدي إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. يواجه السكان نقصًا في الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية. تتميز الدول الفاشلة بانتهاكات حقوق الإنسان من خلال انتشار المحتوى الهابط والتفاهة في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يعزز ذلك قمع الحريات الأساسية وانتهاكات للعدالة والمساواة.
يجب أن نلاحظ أن هذه السمات ليست خاصة بالدول الفاشلة فقط، بل يمكن أن توجد في درجات متفاوتة في العديد من الدول. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن نتذكر أن هناك مجموعة متنوعة من العوامل والتحديات التي تؤثر في تقييم نجاح أو فشل دولة ما، وأن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا من مجرد تصنيف الدول بأنها "فاشلة.
بشكل عام، يجب أن نتفهم أن الوضع في كل دولة فريد ومعقد، ولا يمكن إعطاء تصنيف عام ينطبق على جميع الدول في المنطقة. هناك دول في الشرق الأوسط تواجه تحديات كبيرة، بينما تحقق دول أخرى تقدمًا نسبيًا. ويمكن الرجوع الى المنظمات الدولية لمتابعة تقييمها مثل:
منظمة الشفافية الدولية" (Transparency International)"
تصنيفات منظمة الشفافية الدولية لها أهمية كبيرة في فهم وتقييم مستوى الفساد في الدول، وقد تسهم في تحديد ما إذا كانت الدولة تعاني من مشكلات فساد جسيمة أو لا. يعتمد مؤشر الفساد العالمي على تقييمات وآراء خبراء ومتخصصين في مجال الفساد، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من المؤشرات والبيانات الأخرى.
تصنيف المنظمة يساعد على إبراز الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، ويساعد أيضًا في توجيه الاهتمام العالمي والجهود المشتركة لمكافحة الفساد في الدول المتأثرة. كما يوفر المؤشر مقارنة نسبية بين الدول، مما يساعد المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية على اتخاذ إجراءات لتعزيز الشفافية وتقليل الفساد. المنظمات الدولية تلعب دورًا هامًا في مكافحة التفاهة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الدول المتخلفة. تُدرك هذه المنظمات أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام وتحديد برنامج النقاش ونشر المعلومات. مع ذلك، يجب أن نلاحظ أن مكافحة التفاهة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تتطلب جهودا مشتركة من المنظمات الدولية، الحكومات المحلية والشركات التكنولوجية، والمجتمع المحدد. يجب تعزيز التعاون والتنسيق بين جميع الأطراف المعنية للتصدي لهذه التحديات وضمان أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تعمل بشكل فعال ومسؤول في دعم التنمية ونشر المعلومات الصحيحة والموثوقة.
هناك عدة عوامل قد تؤثر على رؤية تأثير واضح للمنظمات الدولية في مكافحة التفاهة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الدول المتخلفة. ومن هذه العوامل:
تحديات هيكلية وسياسية: قد تواجه المنظمات الدولية تحديات في التعامل مع هياكل قائمة وأنظمة سياسية مقيدة لا تدعم حرية الصحافة وحقوق الإنسان. قد يكون هناك قيود قانونية وتدخل من الحكومة في حرية الإعلام وأنشطة المنظمات الدولية.
نقص الموارد والتمويل: قد يكون لدى المنظمات الدولية موارد محدودة لتنفيذ برامجها ومشاريعها في الدول المتخلفة. قد يكون من الصعب توفير التمويل الكافي لتنفيذ المبادرات طويلة الأمد وتحقيق تأثير مستدام.
تحديات التنفيذ المحلية: يمكن أن تواجه المنظمات الدولية تحديات في تنفيذ برامجها على المستوى المحلي في الدول المتخلفة. تشمل هذه التحديات الثقافية واللغوية والتحديات الهيكلية في المجتمع المحلي.
تعقيدات التكنولوجيا والانترنت: قد تكون التحديات التكنولوجية والوصول إلى الإنترنت واسعة النطاق محدودة في بعض الدول المتخلفة. يمكن أن يؤثر هذا على قدرة المنظمات الدولية على تنفيذ برامجها والوصول إلى الجمهور المستهدف.
المسؤولية المشتركة: يتطلب مكافحة التفاهة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تعاون وجهود مشتركة من المنظمات الدولية والحكومات المحلية والشركات التكنولوجية والمجتمع المدني. قد يكون من الصعب تحقيق التعاون الفعال والتنسيق بين جميع الأطراف المعنية.
لكن هدف هذه الشركات التجارية هو تحقيق الربح وتلبية احتياجات المساهمين والمستثمرين. قد تكون لديها أهداف تجارية واقتصادية محددة وتركز على تحقيق العائد المالي للشركة والحفاظ على مكانتها في سوق الأعمال. يشكل المحتوى الهابط اخلاقياً وانسانياً تحديًا كبيرًا في بيئة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن هذه المحتوى يخرق حقوق الإنسان في الكثير من الحالات، إلا أن تنظيم ومراقبة المحتوى على الإنترنت يعتبر أمرًا معقدًا ومتنوعًا، ويتضمن تحديات قانونية وتقنية وأخلاقية. توجد تحديات أخلاقية وسياسية في تحقيق توازن بين حرية التعبير وحقوق الإنسان وحماية المستخدمين من المحتوى المسيء. يجب مراعاة حقوق الأفراد والمجتمعات على حد سواء. قد يستخدم بعض الأشخاص أو الشركات المحتالة ممارسات غير أخلاقية لزيادة عدد النقرات على الإعلانات وجلب المزيد من الإيرادات الإعلانية. يمكن أن يتضمن ذلك إنشاء مواقع وهمية أو انتشار روابط مضللة لجذب المستخدمين وتوليدهم. قد تستخدم الجهات الخبيثة المحتوى الهابط والكاذب لنشر أفكار معينة أو توجيه الرأي العام في اتجاه معين. يتم ذلك عبر ترويج الأخبار المزيفة أو استخدام تقنيات التلاعب النفسي والتأثير على العواطف لتشويه الحقائق وخلق توجهات معينة. يمكن أن تستخدم بعض الجهات المحتالة المحتوى الهابط لخداع المستخدمين وترويج منتجات أو خدمات غير مشروعة أو مزيفة. يتم ذلك عبر التلاعب بالمعلومات وتقديم مزاعم خاطئة لجذب الضحايا وتحقيق ربح سريع. لذا من الواجب محاربة هذا التوجه لأنه في حقيقته انتهاك لحقوق الانسان، وتوجد وسائل مؤثرة واولها الوازع الأخلاقي الوطني.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت