مالنتائج المتوقعة من مأثرة جنوب أفريقيا؟

عبدالله عطية شناوة
2024 / 1 / 19

التحرك البطولي لجمهورية جنوب أفريقيا، شعبا ودولة، ضد جريمة القرن الحادي والعشرين، التي تواصل إسرائيل إرتكابها في الأراضي الفلسطينية، رسّم بلد نيلسون مانديلا، بدون أدنى شك، زعيما معترفا به للجنوب العالمي من جانب شعوب الجنوب، زعيم غير هياب من التصدي للمجرمين الصهاينة المدعومين بالنظام الرسمي في كل دول الشمال العالمي تلك البلدان الغنية بكل أسباب القوة، والفقيرة إلى قوة الضمير.

بلد نيلسون مانديلا أختار مواجهة النطام الرسمي في بلدان الشمال العالمي، وهو يعرف أنه يواجه نظاما ورث ابشع أنواع الهمجية التي عرفها التأريخ البشري، فهذا النظام هو وريث مبتكري نظام العبودية، وواضعي أسس الأستعمار الأستيطاني الذي أزال شعوبا بأكملها، في مختلف القارات، من الوجود. نظام أنتج أحط منظومة فكرية عرفها البشر، المنظومة العنصرية التي تعلي من شأن العرق الأبيض، وتحط من قيمة باقي الأعراق، وتنزع عن بعضها صفة الأنسانبة. وأنطلاقا منها نظم المحارق وأفران الغاز، لإبادة البشر. نظام طور وأستمر في تطويرأسلحة الدمار الشامل، ليفنى بها البشر جماعيا، لا فرق بين مدني، طفلا أو أمرأة أو شيخا، وبين مقاتل مسلح، لا بل هو يقتل حتى الحيوان ويفني النبات، الشجر والحجر. واستخدم هذا السلاح بالفعل للقتل والتدمير، ثم للأبتزاز والهيمنة.

وقد تجلت هذه الحقيقة في وقوف كل ورثة الأمبراطوريات الإستعمارية الأوربية، وأمتداداتهم في القارات المختلفة ــ أمريكا الشمالية، أستراليا ونيوزيلاندا، الى جانب مجرمي الأبادة الجماعية في فلسطين، وتطوع بعضهم للدفاع عن جرائم الصهاينة أمام محكمة العدل الدولية. وفي وقوف بلدان وشعوب أمريكا الجنوبية وأفريقيا وأسيا، ياستثناءات تافهة، الى جانب بلد مانديلا.

مأثرة جنوب أفريقيا التأريخية، أنها تعرف جيدا الخصوم والأصدقاء، وأمكانيات كل منهم. تعرف أن الشمال العالمي يملك كما أسلفنا كل أسباب القوة المادية، فيما أنصارها في الجنوب العالمي لا يتوفرون بفعل الوضع التأريخي الذي خلقة الشمال، سوى على القليل من أسباب القوة والكثير من قوة الضمير، وعلى ذلك فهي تعرف بالتأكيد أن أنتصار الحق الذي ترفع لواءه غير مضمون، وربما يكون بالغ الضآلة، وأن التأثير على ثمانية من قضاة محكمة العدل الدولية الخمسة عشر، بأية وسيلة من الوسائل، سيمكن المجرمين وحماتهم في الشمال العالمي من الأستهزاء بمحاولة تحديهم. ولكن حتى في هذه الحال لن تكون الخسارة مبرمة، لأنها ستزيح الغشاوة التي نسجها الشمال العالمي، بكل وسائل التضليل على أعين قطاعات واسعة من أبناء الجنوب العالمي، وسيبصرون حقيقة الأوضاع، حقيقة زيف الشعارات البراقة الزائفة التي يمرر بها الشمال العالمي مخططاته لتأبيد هيمنته.

لا يمكن أن ننفي بشكل بات إمكانية فشل الشمال العالمي في التأثير على ثمانية من قضاة محكمة العدل الدولية، مع أنها أمكانية ضئيلة، وسيكون على شعوب العالم في مثل هذه االحال أن تقيم في كل بلد من بلدانها، نصبا تذكارية ذهبية للقضاة الثمانية الذين صمدوا أمام كل أشكال الإغراءات والضغوط، وربما التهديدات، مع أن قرارهم لا يعني بالضرورة، وقف مجزرة الإبادة الجماعية التي يصر الصهاينة ومشغليهم في الشمال العالمي على مواصلتها، حتى سحق الشعب الفلسطيني الأبي. فالأمر سيترك أولا وأخيرا لمجلس الأمن الدولي، وهناك ينتظر ممثلوا الشمال العالمي البريطانيون والفرنسيون، وزعمائهم الأمريكان، لينهوا مسييرة العدل والقانون، بمجرد رفع يد الأعتراض المدعوم بحق النقض "الفيتو" اللعين. ويبقى إمكان تنفيذ قرار المحكمة الدولية منعدما، أن لم يصادق مجلس الأمن على إجراءات ردعية ضد إسرائيل في حال عدم أمتثالها له. فكم من قرارات لمجلس الأمن بلتها بلتها إسرائيل واستمتعت بشرب مائها. ولن يسمح أرباب الحرب في واشنطن ولندن وباريس بأي قرار يتضمن أجراءات ردعية ضد مخلبهم في الشرق الأوسط.

وسيكون هذا في حكم المؤكد، لأن إدانة الصهاينة في حقيقتها إدانة للشمال العالمي وزعيمته أمريكا، فقرارات الأبادة الجماعية التي اتخذها مجلس حرب الصهاينة، جرت بحضور ومباركة بايدن حينا، وبلينكن أو جيك سوليفان أو لويد أوستن أو مندوبي المخابرات المركزية، في أحيان أخرى.

ومع ذلك ورغم ذلك فان إدانة المحكمة الدولية لدولة الصهاينة سيشكل نصرا، أكثر من معنوي، للشعب الفلسطيني ولشعوب العالم المتطلعة الى التحرر من الهمينة البربرية للشمال العالمي وزعيمته دولة الأستعمار الأستيطاني الأولى الولايات المتحدة الأمريكية، وربما سيزيد من وحدة وتضامن الشعوب، ومن درجة وعيها لطبيعة العلاقات الدولية القائمة المتسمة بالزيف والرياء والخداع، الذي أنطلى على قطاعات واسعة من نخب بلدان الجنوب العالمي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت