للحلم بقية/ مجموعة قصصية للأسير سائد سلامة

محمود شقير
2024 / 1 / 18

1
اثنتا عشرة قصة قصيرة في 138 صفحة ضمّتها المجموعة القصصية الجديدة للأسير سائد سلامة، وقد اشتملت القصص على طرح قضايا عدة من داخل السجن ومن خارجه بلغة فيها من الشاعرية قدر غير قليل، وفيها من التأملات قدر وافر في محاولة جادّة لفهم الظواهر، وعدم الاكتفاء بالتوقف عند سطوحها التي قد تغري بعدم الذهاب بعيدًا نحو الأعماق.
وقد لاحظت بعد قراءتي للمجموعة، التي كتب مقدّمة لها الروائي مروان عبد العال، أن ثمة فرقًا في الأسلوب وفي تناول الوقائع بحسب علاقتها بالمكان الذي وقعت فيه، فحين يتم التعاطي مع واقعة لها علاقة بداخل السجن فثمة نوع من هدوء السرد، بالنظر إلى رتابة الحياة داخل السجن، وبسبب الافتقار إلى الصخب الذي تشهده الحياة في الخارج. هنا تكثر التأملات وينصرف ذهن السارد أو أذهان المتحاورين من رفاق السجن إلى الداخل، نحو استبطان ظواهر الأشياء والتوقف المتأني عند تفاصيلها، أو عند المفارقات والمفاجآت التي تنتج عنها، مع السماح ببعض التداعيات التي تشير إلى علاقة مع الأم أو الأب أو الأبناء، كما في قصة "أنا كما أنا" ص78، وقصة " "على بوابة الحرية" ص86، وقصة "بين قلبين" ص97 وغيرها من القصص.
بينما نجد حراكًا يرصده السرد وتعبر عنه القصة حين يتعلق الأمر بالخارج. هنا تتراجع التأملات وتتخفف اللغة من شعريتها إلى حد ما، وتكثر الوقائع وتتعدد التفاصيل وتتألق المشاعر ويتمكن الكاتب من الوصول بالقصة إلى نهاياتها المنتظرة من دون مباشرة أو وعظ، لتصب في المنحى المطلوب من الأدب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني، بوصفه أدبًا ملتزمًا، له دور مؤكد في تعزيز الهوية الوطنية، وفي تربية وجدان القارئ سواء أكان طفلًا أم راشدًا في اتجاه حب الوطن، وعدم التساهل مع من يفكر بالتماهي مع هوية أخرى معادية، وكذلك حماية الأرض، ونبذ كل من يفرط فيها أو يعرضها لمصير غير سوي، كما في قصة "إجا الديب ص11، وقصة "رثاء المنكوبين" ص121، وقصة "ما حَدا بيجي وما حَدا بيِطُل" ص133.
2
اللافت للانتباه في هذه القصص مقدار النضج الفني الذي أظهره سائد سلامة، حيث الابتعاد عن المباشرة غير الفنية وعن الوعظ الثقيل والدعاية الفظّة، مع حرص أكيد على عدم تسطيح المواقف المبدئية بحجة الابتعاد عن المباشرة، فقد حافظ الكاتب على نقاء هذه المواقف وجعلها في صلب اهتمامه، مقدِّمًا لها بقدرات فنية مقنعة، عبر اللغة الجميلة وعبر التأملات الفكرية العميقة، وكذلك التناص مع كتابات وآراء لأدباء ومثقفين معروفين.
اللافت كذلك، الجرأة في طرح قضايا تمس الواقع الفلسطيني بشكل صريح، سواء أكان ذلك لجهة نقد اتفاق أوسلو وما تبعه وترتب عليه من مفاوضات عبثية، أو لجهة استهجان مواقف من يستهينون بقيمة الكتب، ونقد من يفكر بالتماهي مع تهويد القدس، وذلك بالسعي للحصول على الجنسية الإسرائيلية بحجّة البقاء في المدينة وعدم التعرّض للطرد منها، وأيضًا نقد من مارس السمسرة على الأرض الفلسطينية لمصلحة مؤسسات استيطانية صهيونية، وتكفير ابنته عن العار الذي ألحقه بسمعته وسمعة العائلة بالانخراط في نشاطات يوم الأرض، دفاعًا عن الأرض وحماية لها من خطر المصادرة والاستيطان.
3
وحين يتحدث سائد سلامة عن السجن وعن المحكوميات المؤبدة الصادرة بحق مناضلين أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال، فإنه يذهب عميقًا في محاورة مفهوم الزمن، وفي اشتقاق مواقف وممارسات تتحدى الفراغ الناشئ عن زمن السجن، ويلح على ضرورة احترام الأسير لذاته مهما اشتدت عليه الخطوب، وهنا يظهر دور الأم في تربية ابنها على القيم الصحيحة وعلى احترام الذات وحمايتها من التشظي والخضوع للابتزاز المباشر وغير المباشر الناتج عن المفهوم الذي بني السجن على أساسه وهو تدمير شخصية الأسير. هنا تنهض هذه القصص الملتزمة لتقول النقيض ولتعبر عن الجوهر الأساس لمن قبلوا التضحية من أجل الوطن ومن أجل القيم السامية التي آمنوا بها، فجعلتهم قدوة لغيرهم وخير تعبير عن طموحات شعبهم نحو الحلم الذي دافع عنه الكاتب، ونحو الحرية التي حاورها في قصصه بنجاح واقتدار، مع ملاحظة أن الكاتب، لشدة شغفه باللغة وبالطاقة الشعرية المنبثقة منها، لم يراع في بعض الحالات المستوى الثقافي لبعض شخوص قصصه، فأجرى قدراته اللغوية على ألسنتهم وهم أقل مستوى من الظهور بتلك القدرات.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت