البيروقراطية المؤسسية في الدول الفاشلة

غالب المسعودي
2024 / 1 / 17

الروتين هو جزء اساسي من تكوين البيروقراطية المؤسسية في العديد من الدول. يشير مصطلح "الروتين" إلى الإجراءات المتكررة والمعتادة التي تتبعها المؤسسات والمنظمات في أداء مهامها اليومية. وعادة ما تكون هذه الإجراءات محددة بشكل صارم وتعتمد على قواعد وإجراءات محددة، ويتم تنفيذها بشكل آلي وميكانيكي.
يؤدي التمسك بالروتين والإجراءات الصارمة إلى بطء في اتخاذ القرارات وتنفيذ الإجراءات، ويمكن أن يتسبب في عدم القدرة على التكيف مع التغييرات السريعة في البيئة المحيطة بمؤسسات الدولة. وفي هذه الحالة، يمكن أن يعتبر الروتين عاملاً يسهم في تعقيد البيروقراطية المؤسسية. من الاستراتيجيات التي يمكن للمؤسسات اعتمادها للحد من تعقيد البيروقراطية وتحسين كفاءة عملها. ينبغي على المؤسسات تحليل الوضع الحالي وتحديد النواحي التي تحتاج إلى تحسين وتنفيذ الإجراءات المناسبة وفقًا لذلك. تعتبر البيروقراطية المؤسسية ظاهرة معقدة وتتأثر بعدة عوامل, من بينها العوامل السلوكية التي يمكن أن تسهم في تعقيد البيروقراطية المؤسسية, عندما تكون هناك ثقة منخفضة بين الموظفين والإدارة، يتجنب الموظفون المبادرة واتخاذ القرارات الذاتية. وبدلاً من ذلك، يلجأون إلى اتباع الإجراءات الصارمة والروتين المفرط لتفادي الانتقادات أو العقوبات المحتملة و تكون البيروقراطية جزءًا من ثقافة المؤسسة نفسها, إذا كانت القيم والمعتقدات والتوجيهات الثقافية تشجع على الحفاظ على الروتين والإجراءات الصارمة، فمن المرجح أن يتبع الموظفون هذه السلوكيات ويعجزون عن تبني المرونة والابتكار. تتفاعل هذه العوامل السلوكية مع عوامل أخرى مثل الهيكل التنظيمي والقوانين والسياسات الايديولوجية لإنتاج البيروقراطية المؤسسية. بالإضافة إلى العوامل السلوكية التي تم ذكرها، هناك العديد من العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر في البيروقراطية المؤسسية, ومن بين هذه العوامل, عدم التواصل الفعال بين الأقسام والمستويات المختلفة يمكن أن يسهم في زيادة البيروقراطية وتعقيد العمليات. الفساد ينتهك النزاهة والشفافية في العمل الحكومي ويؤدي إلى ضعف المؤسسات. عندما يكون هناك انتشار للرشوة والاحتيال وسوء الإدارة، تتلاشى الثقة في المؤسسات الحكومية ويتراجع التزامها بمبادئ الحوكمة الجيدة. الفساد قد يؤدي إلى انحراف العملية القرارية في المؤسسات الحكومية. يتم التلاعب بالقرارات وتوجيهها لمصالح ذوي النفوذ أو للرشاوى، وهذا يعرقل سير العمل ويزيد من البيروقراطية والتعقيد. عندما تكون الإجراءات البيروقراطية معقدة ومعتمدة على التعقيد، فقد يتاح لبعض الأفراد فرصة للتحايل على القانون. قد يستغلون الثغرات أو الفجوات في النظام لتجاوز المتطلبات أو للحصول على امتيازات غير مشروعة. هذا يمكن أن يؤدي إلى تفشي الفساد وعدم تطبيق العدالة.
إدارة الجودة الشاملة,على (Total Quality Management - TQM) تركز إدارة الأداء وتحقيق الأهداف وقياسها بشكل منتظم وتقديم ملاحظات وتوجيه للموظفين. يتم تحديد مؤشرات الأداء الرئيسية وتقييم الأداء الفردي والجماعي وتوجيه الجهود نحو تحقيق النتائج المرغوبة. يمكن تحسين الأداء المؤسسي من خلال تحليل وتحسين العمليات الداخلية. يتم تحديد العمليات الحيوية وتحليلها لتحديد الفجوات والتحسينات الممكنة. يمكن استخدام أدوات مثل التقنية الحديثة في الإدارة عمليا لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر وزيادة الجودة. لكن إذا لم تكن القيادة ملتزمة بشكل صارم بتطبيق إدارة الجودة الشاملة ولا تتبناها بشكل صحيح، فمن المحتمل أن يكون لديها تأثير سلبي على قدرة المؤسسة على تحقيق النتائج المرجوة, لتحقيق نجاح تطبيق إدارة الجودة الشاملة، ينبغي أن تتجاوز المؤسسة التحديات المذكورة أعلاه وتعمل على توفير بيئة داعمة وملتزمة بالتحسين المستمر والتعلم المستمر. كما يجب أن يتم تنسيق الجهود وتوفير الدعم الكافي من قبل القيادة لضمان نجاح تنفيذ إدارة الجودة الشاملة في المؤسسة. ان التزام القيادة جوهري لكن القيادات الماسكة معضمها قيادات فاشلة كونها منصبة بتدخل خارجي وتنصيب كيفي مبني على المصلحة المباشرة, أو لأسباب غير عادلة. قد يؤثر تعيين القيادات غير الكفؤة سلبًا على قدرة المؤسسة على تحقيق النتائج المرجوة من تطبيق إدارة الجودة الشاملة.
يعتبر اختيار القيادة المناسبة وتعيينها بناءً على المؤهلات والكفاءات اللازمة أمرًا حاسمًا لضمان نجاح تطبيق إدارة الجودة الشاملة. يجب أن تتمتع القيادة بالرؤية والخبرة والمهارات اللازمة لقيادة وتوجيه المؤسسة نحو تحقيق التحسين المستمر وتعزيز الجودة في جميع جوانب العمل. إذا كانت القيادة الحالية غير قادرة على تحقيق النتائج المرجوة، قد يكون من الضروري إعادة التقييم والنظر في تعيين القيادة الجديدة من أجل تحقيق التغيير وتحسين الأداء. يجب أن يتم اختيار القادة بناءً على قدراتهم ومؤهلاتهم القيادية الفعّالة والقدرة على تحقيق النتائج المرجوة. إضافةً إلى ذلك، يجب أن تكون هناك آليات ومعايير واضحة لتقييم أداء القيادة والتحفيز على تحقيق الأهداف المرجوة. يمكن أن تتضمن هذه الآليات مراجعات دورية وتقييمات للأداء وتوفير التدريب والتطوير المستمر للقادة. القيادة الفاشلة يمكن وصفها بالعديد من الصفات والسلوكيات التي تشير إلى عدم قدرتها على تحقيق النتائج المرجوة وقيادة المؤسسة بفعالية. هنا بعض الصفات التي يمكن أن توصف بها القيادة الفاشلة:
قلة الرؤية والرغبة في التغيير: القيادة الفاشلة تفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل وتعد بشكل عام غير مبتكرة. قد تكون محدودة في التفكير الاستراتيجي وعدم القدرة على تحديث الممارسات والعمليات لتلبية تطلعات المواطنين.
عدم الاستماع وعدم تشجيع الابتكار: القيادة الفاشلة قد تتجاهل آراء وأفكار الموظفين وتفضل القرارات المفروضة من الأعلى دون أخذ الاعتبار للتحفيز والمشاركة الفعّالة للفريق. قد تكون غير مستعدة لتجربة أفكار جديدة والاستثمار في الابتكار.
ضعف التواصل وقلة الشفافية: القيادة الفاشلة قد تفتقر إلى مهارات التواصل الفعّال وتفضل حجب المعلومات وعدم مشاركة الرؤية والأهداف بوضوح مع الموظفين, وتكون غير متاحة للاستماع لمخاوف واحتياجات الفريق وقد تخلق بيئة عدم الثقة.
عدم تحمل المسؤولية والتهرب من القرارات الصعبة: القيادة الفاشلة قد تتجنب اتخاذ القرارات الصعبة وتلقي اللوم على الآخرين عند حدوث أخطاء أو تحديات. قد تكون غير قادرة على تحمل المسؤولية والتعامل بفعالية مع الصعوبات والتغيرات.
هذه بعض الصفات الشائعة للقيادة الفاشلة، ومن الضروري أن يتم تغيير هذه السلوكيات وتنمية مهارات القيادة الفعّالة لتحقيق النجاح والتفوق في المؤسسة.
القيادة الفعّالة تساعد في تحديد وتوضيح الرؤية والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة. من خلال توجيه الموظفين وتحفيزهم وتمكينهم، تعزز القيادة الفهم المشترك للرؤية وتحقق الالتزام بتحقيق الأهداف المرجوة. القيادة الفعّالة تشجع على الابتكار والتغيير في المؤسسة. توفر القيادة البيئة المناسبة والدعم اللازم للموظفين لتجربة أفكار جديدة وتحسين العمليات والممارسات. تعتبر القيادة الفعّالة عاملاً حاسمًا في تحفيز الابتكار وتعزيز التطور والتطوير المستمر. القيادة الفعّالة تساهم في بناء الثقة بين الموظفين والقائد. عن طريق التواصل الفعّال والشفافية والتعامل العادل، تعزز القيادة الثقة والتعاون والروح الفريقية. الموظفون يشعرون بالدعم والاهتمام من قبل القيادة، مما يعزز الالتزام والأداء المتميز. القيادة الفعّالة تعتني بتنمية الموظفين وتعزز قدراتهم ومهاراتهم. توفر القيادة الفرص التدريبية والتطويرية والمساحة للنمو الشخصي والمهني. يشعر الموظفون بالتقدير والاعتراف بجهودهم، مما يعزز الرضا الوظيفي والاستمرارية في المؤسسة. القيادة الفعّالة تمتلك القدرة على تحفيز وإلهام الموظفين. توفر القيادة الرؤية والتوجيه وتعزز العمل بروح الفريق والتعاون. الموظفون يشعرون بالإلهام والحماس لتحقيق الأهداف والتفوق في أداء وظائفهم.
باختصار، القيادة الفعّالة تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق النجاح والتفوق في المؤسسات من خلال تحقيق الرؤية والأهداف، تعزيز الابتكار والتغيير، بناء الثقة، تنمية الموظفين، وتحفيز وإلهام الفريق. من خلال هذه الآليات، يتم بناء بيئة عمل منتجة وملهمة تساهم في تحقيق النجاح المستدام والتفوق في المؤسسات,لكن الإشكالية واضحة ومستشرية في كل مؤسسات الدول الفاشلة, وأصبحت علامة دالة دون حياء,وهي غياب القيادة الفعالة في جميع المؤسسات وهذه القيادات لاتمتلك تعليما ووعيا يناسب مهماها وبالتالي افتقارها للرؤية وغير قادرة على التوجيه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت