الذبابة تموت ولا تتعلم كيفية تكريز حَبَّ الرقّي الأحمر

حسين علوان حسين
2024 / 1 / 17

يُحكى أن الذبابة الجوّالة مانه راحت في ظهيرة يوم ما تمارس تمارينها المفضلة في الطنطنة والدوار، ثم الدوار والطنطنة وهي تحط على أنف "روزا": عاملة فرز حَبّ الرقّي الأحمر التي كانت تمضّي فترة استراحتها القصيرة في الترويح عن نفسها بتكريز بعض حبّ الرقّي الأحمر. وكلما كشّتها روزا لإبعادها عنها، كلما عاودت الذبابة الطنين والحط اللبرالي على أنف العاملة المنهكة، الأمر الذي أزعج روزا كثيراً، فكشتها للمرة العشرين وهي تقول لها:
- لا عتب على مخلوق كريه مثلك، فأنت مجرد ذبابة حقيرة مزعجة لا تعرفين سوى نقل الجراثيم الفتّاكة في حِلّك وترحالك. متى تكفّين عن نقل أكثر من 65 الأمراض المعدية للبشر؟ لو كنت مثلنا نحن الأوادم لتعلمتي كيفية تكريز حَبَّ الرقّي الأحمر، مثلما أصنع الآن، وليس نقل جراثيم الأمراض المهلكة!
انزعجت الذبابة كثيراً من هذه الإهانة الكبيرة، وراحت تعبِّر عن أشد صنوف الاحتجاج بالطنطنة الملحّة المزعجة. وبعد تفكير طويل وعميق، زيَّن لها مخّها الصغير أن تتعلم كيفية تكريز حبِّ الرقّي الأحمر بفمها الناعم للغاية، الذي يشبه الإسفنج. لذا، فقد حطَّت على أضخم حبّة رقّي حمراء في الكومة القابعة جنب روزا، وراحت تحاول بكل أصرار لبرالي نزع قشرة تلك الحبّة، رغم عدم وجود أسنان عندها، وعدم امتلاكها لساناً عضليًا مثل الأوادم.
مدّت الذبابة مانه خرطومها بزوج الوسادات الموجودة على طرفه، وراحت تنقر مراراً على غلاف الحبّة بعزيمة وإصرار لا يكل ولا يمل، لكن غلاف حبّة الرقّي الأحمر أبى أن ينكسر. جُنَّ جنون الذبابة وهي تدور حول الحبّة وتتلمّسها بخرطومها وتنقر علي قشرتها بإصرار لبرالي مهووس - مثل إصرار الصهاينة النازيين على إبادة مليوني أنسان شعب غزة العزة بمحرقة آلاف القنابل الأمريكية أم الرطلين من حقوق الإنسان والتنوير والتحضر- دونما أي نتيجة.
وأخيراً، فقد تلمَّس خرطوم الذبابة مانه أخدوداً كائناً على قشرة الحبّة، فغمست الذبابة بخرطومها غمساً مال ييزي قهر وسطه، فعلق خرطومها في ثقب نفق كائن في ذلك الأخدود من قشرة حبّة الرقّي الأحمر. تفاقم جنون الذبابة مانه وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة سحب خرطومها من ذلك النفق الذي علقت به، فانحشر فمها كله فيه. استبد الغضب اللبرالي بها، فراحت تطوّح بفمها وهي تلف وتدور بكل قوة لإخراجه من وهدته، فانفصم رأسها المنحشر في النفق عن جذعها، وفطست!
ولهذا فقد شاع اليوم بين الناس المثل القائل: تموت الذبابة ولا تتعلم تكريز حبَّ الرقّي الأحمر!
ولله في خلقه شؤون، يُعز منها مَن يشاء، ويُذل من يشاء!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت