قبور تعود إلى أوطانها

فوز حمزة
2024 / 1 / 16

رواية للكاتب العراقي محمد رشيد الشمسي
عدد صفحات الرواية إحدى وتسعون صفحة وهي من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
ما شدني في هذه الرواية وشجعني على تسجيل رأيي بها في هذا القراءة المتواضعة هو انسيابية السرد وسلاسته ورشاقته وكذلك فكرة الرواية الجديدة بالرغم من ثقل الحدث الذي ينطلق من مقبرة للمهاجرين العرب في إحدى دول أوروبا. فيصف أحد الموتى قبره بالقول: لم يعد طريقي معبدًا؛ منذ أن وطأت قدماي أديم هذا المكان المقفر، الذي لا شجر فيه ولا نهر.
عبد الحفيظ فهو بطل الرواية الأول أو الميت الأول الذي قُتل على يد شرطي أثناء تظاهرة انطلقت من المعهد الذي تدرس فيه ماري زوجته الأوروبية. جاء مهاجرًا مع عائلته من أجل الحصول على حياة أفضل إذ يقول والده حينما تسأله أم عبد الحفيظ لماذا خرجنا من بلادنا وتركناه ؟ فيجيبها: لم يكن الأمان هناك بالقدر الكافي والعيش ضنك جدًا وأنت تعلمين ذلك، لا حرية في التنقل لا حرية في الكلام لا حرية في... لا حرية في الاستماع لا حرية ... كفى... كفى... لا طاقة لي على العد. مختصرًا بهذه الكلمات السبب في الهجرة وواصفًا الوضع الصعب في بلده الأم ليصطدم بالوضع الأشد صعوبة في بلاد الغربة القاسية.
أما البطل الثاني فهو من العراق ويدعى عباس، عباس فقد زوجته وابنته زهراء في انفجار في إحدى أسواق بغداد القديمة وقد قام بدفنهما في حديقة البيت ليهاجر بعدها إلى ألمانيا طلبًا لحياة آمنة عجزت بلاده على أن توفرها له، لكن عباس أثناء تظاهرة للمطالبة ببعض الحقوق يتلقى رصاصة في رأسه ترديه قتيلا فيقول وهو يرى جسده يوارى في التراب بعد أن رأى الحفرة جاهزة: كما لو أنها معدة قبل يوم. لم يرافق عباس إلى قبره سوى دانيال وهو طفل مصاب بالتوحد كان عباس يشرف على علاجه في المركز فعباس يحمل شهادة الماجستير في الطب النفسي من بغداد وله خبره في علاج حالات مشابهة للطفل دانيال. ربما يرمز دانيال للإنسان النقي الخالي من الأفكار الملوثة المتطرفة.
يلتقي عباس بعبد الحفيظ بعد الموت إذ يتجاوران في القبور وحينما يسأل عبد الحفيظ جاره: من تكون أنت؟ ومن أكون أنا؟ يجيبه عباس: ليس المهم من أكون؟! ومن تكون أنت؟ ولكن المهم أننا في نفس المصير. مشيرًا إلى نهاية الإنسان أو وضع العربي في بلاد الغرب، فعباس كان محظورا عليه التحدث مع أبناء جلدته، لكن في القبور لا سلطان ولا رقيب، يستطيع الموتى التمتع بالحرية التي حرموا منها في الحياة.
يا للروعة والكاتب هنا يشير إلى حالة الخرس التي تصيب الإنسان العربي سواء كان في بلده أم في بلاد الغربة وهنا ثمة إشارة لأمر جلل عظيم إذ يعاني البطلان من انشطار هويتهما وتشظيها إلى أسئلة لا تجد لها إجابات.
في نهاية الرواية، تعود جثة عبد الحفيظ من قبل أمه إلى الجزائر، لكن عباس يظل وحيدًا في قبره يأمل في العودة ميتًا بعد فشله في العودة حيًا. فيسأله عبد الحفيظ:
- كيف تعود؟!
- القبور تعود إلى أوطانها.
- كيف؟!
- لابد من العودة إلى الوطن.
- تقصد جذورنا تعود.......
- ...... لم ينطق عباس بكلمة
- أين أنت؟!..... عباس أين أنت؟!
- ربما عاد عباس إلى وطنه!!
اتبع الكاتب سرد الأحداث بشكل تناوبي وهو أحد أشكال السرد الثلاثة المتسلسل والمتقطع والمتناوب، والأخير الذي اتبعه الكاتب تطلب منه سرد قصة ما ثم ينتقل إلى قصة آخرى وأخرى وهكذا، لكن بين هذه القصص المختلفة ثمة خط أو رابط بينها يعود بنا إلى الحدث الرئيسي.
أما عن رؤية السردية للكاتب فقد اتبع في روايته الرؤية المصاحبة للأحداث أي أن السارد استخدم ضمير المتكلم لمعرفة سير الأحداث وما ستؤول إليه.
تميزت الرواية بالسرد مرة وبالوصف مرة أخرى والفرق بين الأثنين أن الأول يتسم بالحركة والتتابع والفعل في المشاهد فينقل لنا مشاهد متحركة أما الثاني أي الوصفي فيقتصر على نقل مشاهد ثابتة في مكانها.
تضمنت الرواية مجموعة من الحَبكات الصغيرة وقد برع الكاتب في ربطها بالحدث فخلقت جوًا من الإثارة والتشويق لدى القارئ لمعرفة باقي أحداث الرواية.
رواية ( قبور تعود إلى أوطانها ) تستحق القراءة والاهتمام وما ما كتبته عنها ما هو إلا قراءة انطباعية بسيطة لم أعتمد فيها على الدراسة الأكاديمية إلا بالنزر اليسير.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت