الآنسات رواية مُريعة

كامل عباس
2024 / 1 / 15


لا أستطيع نكران فضل فن الرواية - كجنس أدبي- عليّ .تخرجت من جامعة دمشق عام 1970 علوم طبيعية ولم أكن قد قرأت رواية بعد ,ولجت باب السياسة الذي قادني الى غربة في داخل وطني التي ما تزال مستمرة حتى اللحظة ,أعانتني الرواية على تلك الغربة وخاصة فترة الملاحقة والسجن وعشت على صفحاتها لتنقلني الى كل أنحاء العالم رغما عنهم.
بعد خروجي من السجن عشت أياما وليالي على صفحات روايات عالمية قدّمتها لنا دار فوصل في اللاذقية مثل
التراب الأمريكي
مهجرو القارب
برلين تقع في الشرق
نسترومو
الشمال والجنوب
انقطعت عن روايات دار فواصل بسبب زحمة مشاكلي مع لقمة العيش, تذّكرتها قبل نهاية هذا العام بسبب وضعي التعيس جدا ,بعد خمسين عاما من النضال الشاق أعيش يومين كاملين على الخبز الحاف- لست أفضل من أهالي غزة- وقبل رأس السنة ,ذلك اليوم العزيز على قلبي, لن استطيع ان اشرب فيه كاس نبيذ في هذا العام , في هذا الجو فتشت عن آخر رواية صادرة عن دار فواصل ووجدتها فكانت بلسما لجروحي
رواية : الآنسات
تأليف :آن-غايل هيون
ترجمة : كيتي سالم
نشر : دار فواصل
ط1 : عام 2023
تفاعلت مع بطلة الرواية روزا التي لم تتجاوز الخامسة عشرة وعندها عرج في احدى رجليها وهي تسكن مع اختها ألمى في قرية فاكو الأسبانية في قلب جبال البيرينه ويسكن معهما الفقر والهّم
ذات مساء خطرت لها فكرة جنونية لتسافر الى فرنسا من وراء الجبال حيث يسافر اليها الكثير من الأسبانيات ليعملن في ورشات أحذية قماشية من الصيف حتى الربيع ويعدن سيرا على الأقدام مع ما يتيسر من نقود وعلى الطريق تفقد اختها العزيزة على قلبها بعد ان زلّت قدمها ووقعت في هاوية سحيقة
ومن الصفحة الاولى حتى الصفحة 200 تابعت الحدث والشخصيات حيث الكاتبة موهوبة
متمكنة من فن الرواية , روت لنا البطلة مشاكلها في المشغل وانتقالها للنوم في بيت الآنسات وشروطه للنزيلة احترام ثلاثة قواعد فيه.
1- الا تقع في الحب مطلقا
2- ألا تسرق رجلا من امرأة أخرى بتاتا
3- الا تشرب الا الشمبانيا المعتقة
لم تحترم الا واحدة من تلك القواعد مطلقا من الجميع بما فيه البطلة
تغيّر كل شيء بعد الصفحة مائتين(200)
(ص 201 : في 27 حزيران من عام 1940 وصلت الوحدات الأولى الألمانية بالسيارات الى منطقتنا وذلك خلال عدة ايام وانتشرت على طول الساحل.
كانت الحرب هنا كئيبة وحزينة ووحشية صار من المستحيل ان نتمون بالخيش والقطن اللازم للمشغل. استطعت بمساعدة بعض الفلاحين ان أحصل على بعض الاقمشة القديمة. توقفت في نهاية الأمر آلات الخياطة وأغلقت المصانع ولم يعد المشغل الا ذكرى وهذا ليس وهما ).
لم تعد الرواية محصورة بمحور الشرق والغرب والفارق بين سلوك الغربيين والشرقين تجاه المرأة سواء كانت غنية ام فقيرة ,عاهرة ام غانية ام لعوب ام مستقيمة ,وأدخلت في الرواية شخصية فنية معاصرة ومحبوبة شارلي شابلن الذي أقام علاقة جنسية وغرامية مع احدى الغانيات في دار الآنسات ومن خلاله مررت رأيها بالفنانين ومزاجهم المتقلب
صفحة 223( كانت حانة تشارلي سيئة وقد اثقل بالدعاوى والاتهامات عشيقة قديمة كانت تريد ان ترغمه على قبول ابّوة طفلها كما راح الجمهور يعرف عنه.
والصحافة تنهشه بحملاتها وتدّخل مكتب التحقيقات الفدرالي FBI)) فكانوا يتهمونه بالشيوعية,لم يعد الا ظلا لذاته, انعدم إبداعه كما دخل في قصة حب مع اونا البالغة 18 عاما فكانت تغار من علاقته مع رومي.
ورومي هي ابنته وامها احدى غانيات المشغل
تقول أم رومي عن ابنتها ص(231 ثم بدأت تهتم بالرجال وتمارس جاذبيتها
لقد ورثتها والدتها شكل جسدها الذي يُطيّر الألباب, لم يكن احد من الرجال يقاوم نظراتها المعسول , قبل عامين استولت عليها فكرة اللحاق بوالدها كان يكتب لها من وقت لأخر رسائل قصيرة فكان يتحدث بشكل رئيسي عن السينما وقد تزوج أونا وأعطته ثلاثة أطفال وكانت تستعد لإعطائه خمسة اخرين .
اما عن امها فهي تتحدث عن نفسها قائلة ص251 (توفيت والدتي فاقترح علي ان اخذ مكانها في بيت الدعارة, كان قد مضى عليّ يومان لم آكل فيهما شيئا لكنني رفضت وجدت عمل خادمة كان لي غرفة تحت السطوح جليدية شتاء وحارة جدا صيفا كان عمل عبيد سيء الأجر مضنيا.
ولكنها عادت واشتغلت في إحدى الملاهي وهي تروي لنا ما يلي صفحة 252 (كل زبائني من الارستقراطيين الذي يبحثون عن المتعة ,كان راتبي هزيلا فكنت دائما تابعة للرجال كي استمر بالعيش
صفحة 253 لم اكن مغنية كنت حيوانا يثير الفضول ان شهرتي ليست عائدة الى موهبتي ولا الى مظهري الجسدي, لكن الى أوراق الصحف الرخيصة التي تردد نفس الصدى اخبار مغامراتي .
لم يكن الناس يأتون لرؤية مغنية بل ليرو غانية متأججة مزينة بالمجوهرات تلك التي يستطيع الأثرياء ان يضعوها في أسرتهم.
لم اكن مغنية كنت حيوانا مثيرا للفضول .
بدت لي الرواية بعد الصفحة 200 رواية عالمية بامتياز لا تقل جودة عن الروايات الحديثة مثل رواية التراب الأمريكي للكاتبة جنين ليميتد ولا عن الروايات الكلاسيكية العريقة مثل رواية الشمال والجنوب للكاتبة البريطانية اليزابيث كاسكل لا بل ربما تتفوق عليهما بنظرتها الواقعية للرأسمالية كمنظومة عالمية, ومع ان نقدها للرأسمالية حاد جدا في الرواية من خلال رصد مواخيرها وحياة أثريائها الا أنها تقول بين السطور: الرأسمالية كنظام إنتاجي خير من كل الأنظمة التي عرفها التاريخ فهي تسمح للفقراء الموهوبين - اذا استعملوا جدهم ونشاطهم- أن يصبحوا أثرياء عكس كل المنظومات السابقة والدليل في الرواية, فبطلة القصة عرجاء وفقيرة ولكنها بجدها امتلكت مشغلا في النهاية يضاهي أحسن مشاغل اوروبا وكذلك حبيبها الفقير استطاع هو الآخر ان يصبح غنيا بالسوق من خلال جده ونشاطه واستقامته بالحياة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت