تطورات دراماتيكية في السويد

عبدالله عطية شناوة
2024 / 1 / 15

لجوء أولف كريسترشون رئيس الحكومة اليمينية في السويد الى صرف الأهتمام عن المشاكل العميقة التي تعيشها البلاد، والهروب الى قضايا خارجية تزج البلاد في نزاعات غير معروفة العواقب على الصعيد الدولي، وأتفاقة السريع مع واشنطن على منحها حق استخدام 17 قاعدة عسكرية سويدية، ووضع قوات سويدية تحت قيادة كندية على الحدود بين لاتيفيا وروسيا، وإطلاقه سلسلة تلميحات إلى أن بعض حاملي الجنسية السويدية لا يستحقونها، بزعم عدم توافقهم مع ما يسمى بالقيم السويدية، وليس القيم الإنسانية العامة، في بناء على الهجمة التي يشنها حزب ديمقراطيي السويد الداعم لحكومة الأقلية، الذي يضع السويديين المسلمين، في مربع التعارض مع ما يصفه بـ ((طريقة الحياة السويدية))، كل ذلك لم يكن غريبا على حكومة اليمين.

الغريب هو موقف الحزب الذي عرف نفسه على مدى يقارب المئة عام، كحزب يساري، الحزب الذي بني ما كان يعرف بالنموذج السويدي لدولة الرفاه الأجتماعي، حزب الديمقراطيين الأجتماعيين الذي تبنى سريعا مواقف حكومة اليمين، لتعلن رئيسته ماغدلينا أنديرشون دعمها لقيام السويد بما يلزم لضمان أنتصار أوكرانيا على روسيا. بما يعني تبني توجه حكومة اليمين الرامي الى زج السويد في صراعات حربية دولية، والتخلي عن الدور التقليدي الذي نهضت به السويد تحت قيادة الديمقراطيين الأجتماعيين على مدى عقود طويلة في السعي إلى حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، والنأي عن الأحلاف العسكرية.

توجه الديمقراطيين الأجتماعيين يمينا باتجاه العسكرة والتورط في نزاعات كارثية تحمل في طياتها خطر الفناء الشامل في حرب نووية، يشكل لطمة لتأريخ حزبهم، وخذلانا لقاعدتهم الأنتخابية التي منحتهم أصواتها على خلفية ذلك التأريخ، وخيانة لأرث القائد الديمقراطي الأجتماعي البارز أولف بالمه، الذي أغتيل في ظروف غامضة لم يكشف عن خفاياها حتى الآن بعد ثمانية وثلاثين عاما على جريمة الإغتيال.

بالمه كان قاد السويد إلى موقف معارض للحرب الأمريكية في فيتنام، وفتح أبواب اللجوء السياسي أمام العسكريين الأمريكان الذين رفضوا المشاركة في تلك الحرب، وكان يقود المظاهرات المناهضة في شوارع ستوكهولم، وقام بالمة بدور الوساطة بين العراق وإيران في حرب الثمان سنوات بينهما، وبعد إغتياله أكمل دوره في الوساطة أحد أبرز دوبلوماسييه يان إلياسون.

وحرصت السويد على الدوام، على القيام دور حمامة السلام في النزاعات الدولية والمحلية، بدءا من فولكه برنادوت الذي أغتالته العصابات الصهيونية بزعامة الأرهابيين مناحيم بيغن وإيتسحاق شامير، خلال قيامه بالعمل كوسيط أممي في فلسطين تحت الحكم البريطاني.
كما توفي في حادث تحطم طائرته الدبلوماسي السويدي داغ هامرشولد، خلال شغله منصب الأمانة العامة للأمم المتحدة، وأثناء مهمة سلام كان يقوم بها في الكونغو عقب قيام سلطات الأستعمار البلجيكي باخنطاف وقتل باتريس لومومبا أول رئيس للكونغو المستقلة عن بلجيكا,
وبين الدبلوماسيين السويديين الذي قاموا بمهام حل النزاعات الدولية، غونار يارنغ صاحب المبادرة الشهيرة لأنهاء النزاع بين إسرائيل ومصر، تلك المبادرة التي حظيت بموافقة الرئيس المصري جمال عبدالناضر، ورفضتها إسرائيل.

وقام وزير خارجية السويد الأسبق في حكومة بالمه، ستين أنديرشون، بدور مهم في التوصل إلى أتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. ذلك الأتفاق الذي قبره أغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيتسحاق رابين، ثم أغتيال عرفات مسموما في مقره المحاصر من قوات الحكومة الإسرائيلية برئاسة المجرم إيرييل شارون.

أغلب وسطاء السلام السويديين تعرضوا للإغتيال، لكن ذلك لم يعق السويد بقيادة الديمقراطيين الأجتماعيين عن مواصلة السعي إلى أنسنة الحياة الدولية وحل النزاعات وإطفاء بؤر التوتر في مختلف أنحاء العالم، وهذا ما منح جائزة نوبل للسلام قيمة عالمية، لم ينتقض منها منحها إحيانا إلى أشخاص لا يستحقونها، بعضهم أرتكب جرائم وقوض السلام في هذه البقعة أو تلك من العالم. ورفع كل ذلك من مكانة السويد العالمية.

وما يجري حاليا من توافق بين البمين السويدي والورثة غير الأوفياء لأولف بالمه ولتأريخ السويد السلمي، يسلب السويد تلك المكانة، ويحولها إلى مجرد واحدة من الدول الدائرة في فلك الولايات المتحدة. كما أن النهج الحالي يهدد بنمو خطير للتوجهات العنصرية، وما يترتب عليها من مخاطر الأنقسامات المجتمعية بين شرائح المجتمع السويدي، التي يراد القضاء على تنوعها، وإعلاء شأن بعضها على البعض الآخر بزعم عدم أيفائه بالشروط الجديدة للمواطنة، والتي تقوم على أن الجنسية السويدية التي يحصل عليها المواطن السويدي من أصول غير أوربية ليست حقا، بل هدية يمكن سحبها متى ما أعتبر بانه لا يتفق مع معايير المواطنة الجديدة التي تلغي التنوع.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت