المدنية الإلهية (7)

راندا شوقى الحمامصى
2024 / 1 / 13

دين العالم

إن دين بهاء الله الذي سما عن أن يوصف بكونه احدي الحركات , أو طائفة من الطوائف , أو بغير هذا من الأوصاف المجحفة بنظامه الذي يضطرد انكشافاً , هذا الدين الذي ينزع عن نفسه كينونة الانتماء إلي الطائفة البابية , أو الأدب الآسيوي , أو اعتباره شعبة من طائفة الشيعة في الإسلام , و الذي يرفض أن يطلق عليه مجرد فلسفة الحياة, أو أن يتصف بطابع الثقافة الأخلاقية أو حتى تسميته بدين جديد , نراه ينجح في التدليل عن خاصيته و اسمه بأنه " دين العالم" قدرّ له عند تمام الوقت أن يتخذ شكل حكومة عالمية تصير علي الفور أداة السلام الأعظم الذي أعلنه بهاء الله و تقوم علي رعاية ذلك السلام .( و ما كان هذا الدين راغباً في أن يزيد نظاماً آخر علي عدد النظم الدينية الأخري التي عكف أتباعها لأجيال كثيرة علي تعكير سلام البشر و لكنه ينفخ في روح كل واحد من أتباعها حباً جديداً للأديان المختلفة المتمثلة في دائرته و تقديراً صحيحاً لوحدة الأساس بينها ,) والي هذا المطلب و المقام تشهد شخصية ملوكية بقولها " انه يشبه حظيرة فسيحة الأركان تضم إليها جميع الذين بحثوا طويلا عن كلمات الرجاء ،فهو يعترف بجميع الأنبياء العظام الذين سبقوه ولا يهدم عقائد الآخرين بل يفتح جميع الأبواب " ثم تستطرد جلالتها و تقول " إن التعاليم البهائية تدخل السلام علي النفس و الرجاء إلي القلب , و للذين ينشدون الطمأنينة و اليقين تظهر كلمات الآب كينبوع في الصحراء يهتدي إليه الظمآن بعد تيه طويل " و في مقام آخر تشير إلي بهاء الله و عبد البهاء بقولها " إن آثار أقلامهما صرخة داوية في سبيل السلام تتخطي الحواجز و الحدود و ترتفع فوق اختلاف الرأي و الشعائر و الطقوس , أنها لرسالة عجيبة تلك التي أعطاها لنا بهاء الله و ابنه عبد البهاء وأنهما لم يفرضاها بالقوة فرضا ًلعلمهما بأن جرثومة الحقيقة الخالدة الكامنة فيها لابد تتأصل و تمتد " ثم تختم كلماتها بقولها " إني أوصيكم جميعاً إذا ما طرق سمعكم اسم بهاء الله أو عبد البهاء أن لا تنبذوا تعاليمهما وراء ظهوركم بل ابحثوا كتبهما و اجعلوا كلماتهما البهية الحاملة للسلام و الفياضة بالمحبة و المفعمة بالعظات تنفذ إلي أعماق قلوبكم كما نفذت إلي أعماق قلبي و استقرت في صميم فؤادي ".

أن دين بهاء الله بفضل ما أودع فيه من قوي الخلاقية و الإصلاح قد أدمج العناصر و الجنسيات و الطبقات المختلفة ممن آووا إلي ظله و استقاموا علي أمره , فغيّر نفسية أتباعه , و محا عنهم التعصبات و جدّد عواطفهم , و سما بتصوراتهم , و خلع علي عواطفهم خلع النبل و الشرف , و ربط جهودهم و خلق منهم خلقا ًجديداً . إذ بينما يحتفظون بوطنيتهم و يظهرون ولائهم (الأصغر) قد جعلهم محبين لجميع الناس و أكثرهم و أشدهم ترويجاً لراحة و مصالح البشر الحقيقية . و بينما يحافظون علي سلامة معتقدهم بالأصل المقدس للأديان التي ينتمون إليها فقد مكنهم دين بهاء الله من تصور الغاية الأساسية للأديان و كشف حقائقها , و الإقرار بتتابع فيضها , و توقفها علي بعضها البعض , و كمالها ووحدتها , كما مكنهم من الوقوف علي الرابطة الجوهرية التي تربطهم به . فهذا الحب العام الذي يشعر به أتباع دين بهاء الله نحو إخوانهم في الإنسانية و الحب الذي يسمو عن اعتبارات العنصر و المذهب و الطبقة و الجنس , لا يمكن أن يعتبر في ذاته لغزاً ولا أن يقال عنه حباً مصطنعاً , بل هو حب صميمى , لان الذين أحست قلوبهم بحرارة المحبة الإلهية الخلاقة يحبون خلقه حباً لوجهه و يرون في كل إنسان آية من آيات جماله و جلاله . فلهؤلاء الرجال و النساء يقال أن كل بلد غريب هو وطن لهم , و كل وطن هو بلد غريب لهم , لأنه يجب أن نذكر أن حقوقهم المدنية هي في ملكوت بهاء الله ,
ومع رغبتهم في التمتع بنصيبهم الوافر في المصالح الزائلة والمسرات الفانية التي تهبها هذه الحياة الأرضية , ومع شوقهم للاشتراك في كل جهد وعمل من شأنه جلب السعادة والرخاء والسلام , إلاّ أنه لا يمكنهم أن يغفلوا لحظة واحدة عن أن كل هذه أمور زائلة لا أكثير , ومرحلة قصيرة جدا في سفر وجودهم , وإن مثل الذين يعيشون في هذه المرحلة كمثل الحجاج وعابري السبل , قبلتهم المدينة السماوية ووطنهم بلد لا ينقطع عنه الفرح والنور .

ومع ما يغمرهم من عاطفة الولاء لحكوماتهم وأنهم يسرّون بكل عمل يحقق طمأنينتها ويشتاقون للمساهمة فيما يرّوج مصالحها , فأنهم يعتقدون بأن دين بهاء الله الذي يقومون شهوداً له هو دين قد رفعة الله فوق العواصف والانقسامات والجدل المثار في ميدان السياسة فهو بعيد عن السياسة , وخاصيته فوق حدود القومية , ومبرأ عن الحزبية , ومنفصل تماما عن مطامع القومية وأساليبها ومقاصدها , هو دين لا يعرف الانقسام ولا الحزبية وأنه بغير تردد أو تضليل , يضع المصلحة الخاصة سواء أ كانت شخصية أو إقليمية أو قومية , معلقة بالمصالح الرئيسية للإنسانية , ويؤكد بأن في عالم ترتبط جميع شعوبه وأممه وتتماسك أجزاؤه أحرى بأن تتحقق مصلحة الجزء عن طريق مصلحة الكل , وأنه لا يمكن تحقيق منفعة الفرع بإغفال مصالح الأصل , لذلك لا نعجب أن نري في كلمات بهاء الله ما يشير إلي حالة البشر الحاضرة بقوله عز بيانه :

" ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم ".
" إن الأرض وطن واحد والنوع البشري سكانه ".

وفي مقام آخر يتفضل ويقول :

" إن الإنسان الحقيقي هو الذي يكرّس نفسه اليوم لخدمة الجنس البشري ".

وتوضيحا لهذا يتفضل ويقول :

" بقدرة هذه الكلمات العليا قد أدخل في أطيار القلوب حياه جديدة , وأوجد منهجاً جديداً , ومحا كل قيد وحد من كتاب الله الكريم ".

إن البهائيين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأن دينهم فوق هذا ليس طائفياً ولا هو شيعة من الشيع , بل منفصل تماماً عن كل نظام طائفي أياً كان نوعه وأصله ومطلبه . لأنه ـ لا يمكن أن يقال عن أي تنظيم طائفي بطقوسه وتقاليده وحدوده ومظهره الخارجي أنه يتفق في مجموع مظاهره ونواحيه مع العقيدة البهائية المتينة . علي أنه يمكن لكل مؤمن مخلص لدين بهاء الله أن يظهر بغير شك استعداده للمساهمة في بعض المبادئ التي تنفخ بروح الحياة في هيكل النظم السياسية والدينية , ولكن مثل هذا الاستعداد لا يمكن أن يعني الاندماج في تلك العقائد والمبادئ والبرامج التي تقوم عليها , ولا يجوز أن يغرب عن الأذهان أن دينا تأسست نظمه الإلهية في قلب ما لا يقل عن 40 مملكة مختلفة تتصادم سياسة حكوماتهم وتتعارض مصالحها باستمرار , ويزداد ارتباكها يوما بعد آخر , وأنه إذا جاز لأتباعه سواء أكانوا أفرادا أو هيئات منظمة استشارية أن يتدخلوا في المسائل السياسية ـ كيف يمكنه الاحتفاظ بسلامة تعاليمه وحماية وحدة أتباعه , وكيف يمكن له ضمان تقدم نظمه المترامية بمثل هذا التقدم السلمي الثابت القوي ؟ .

كيف يمكن لدين امتدت فروعه بحيث وضعت موضع الاحتكاك بالنظم الدينية المتعارضة باستمرار , واحتكاك بالفرق
والعقائد , وأنه إذا كان يسمح لأتباعه بالاندماج في الطقوس والمبادئ العتيقة , كيف يستطيع الاحتفاظ بحيويته في دعوته الصريحة للولاء والصفاء التي يوجهها للذين قد يضمهم إلي حظيرته ونظامه المقدس ؟ ثم كيف يمكنه تفادي الاحتكاك المتواصل وسوء التفاهم والتعارض الذي يحدثه بالتأكيد مبدأ الانتماء إلي بيئة خاصة وهو المبدأ الذي يتعارض مع عمومية الهيأة الاجتماعية ؟ .

هذه هي قواعد ومبادئ العقيدة البهائية التي يرتبط بها حاملي لواء أمر بهاء الله ويسترشدون بها في مباشرة نظامهم البديع الذي يزداد انتشاراً واستقراراً , وتفرض عليهم مقتضيات التدرج في تدعيم دينهم واجبات لا يمكن إغفالها ومسئوليات لا يمكن التخلي عنها , وهم ليسوا بغافلين عن الضرورة الملحة في إقامة وتنفيذ الشريعة بجانب المبادئ التي أمر بها بهاءالله، , فأن كليهما يكوّنان اللحمة والسداة التي يقوم عليها في النهاية نظامه العالمي .

وإن أهل البهاء في الشرق وأخيرا في الغرب يبذلون الجهد الجهيد , بل وعند الضرورة لا يترددون في تقديم أية تضحية تطلب منهم للتدليل علي فائدة وكفاية هذه المبادئ والأحكام , وإقامتها والمحافظة علي سلامتها واستقامتها , وتنفيذ أوامرها , وتسهيل أسباب انتشارها .

وقد لا يطول الوقت كثيرا عندما تدعي المحافل الروحانية في بعض ممالك الشرق القائمة بالإشراف علي الأحوال الشخصية للبهائيين المقيمين بدوائرها ويطلب إليها الاضطلاع بالمسئوليات المترتبة علي رسمية تأسيس المحاكم البهائية، هنالك يكون لها السلطة في المسائل المتصلة بأمور الزواج والطلاق والمواريث , ويكون لها أن تقيم في حدود سلطتها وباعتماد السلطات المدنية تلك الشرائع والأحكام علي الوجه المحدد في الكتاب الأقدس , وبجانب هذه الاتجاهات التي تتطور بازدياد قد أظهر دين بهاء الله في محيطات أخرى , وفي كل مكان أمتد إليه نور قدرته القاهرة ودلل علي قوته المجددة وروحه الغالب , فارتفاع بنيان مشرق الأذكار في قلب القارة الأمريكية الشمالية , وتأسيس وازدياد مراكز الأمر الإدارية في وطنه وفي الممالك المجاورة , وصقل الأداة القانونية التي تحفظ كيان نظمه , وتجمع الموارد الضرورية من مادية ومعنوية في كل قارة من قارات الأرض , والأوقات التي أحاطت ببقعة المقامات العليا في المركز العام , والجهود المبذولة في جمع وتنظيم آثار مؤسسيه , والإجراءات المتخذة للحصول علي الأماكن الأثرية المتصلة بحياة مبشره ومؤسسه وأبطاله وشهدائه , والأساسات الجاري وضعها لمعاهده العلمية والأدبية والإنسانية , والجهود المشكورة المبذولة في سبيل حماية أخلاق شباب الأمر وتقويتهم وتوحيد مجهوداتهم العامة , والقدرة الخارقة التي يقوم بها حماة الأمر وممثلوه المنتخبون ومبلغوه المنقطعون , ومديروه الأبطال في ترويجه وتوسيع دائرته وتنمية كتبه وتقوية قواعد غلبته ونصره الروحاني ,والاعتراف الذي صدر من السلطات المدنية في بعض المناسبات نحو هيئاته المحلية والمركزية بما مكنها من تشكيل مجالسها وصناديق خيراتها وحماية أوقافها , والتسهيلات التي قدمتها نفس تلك السلطات نحو مقامات الأمر المقدسة ومعاهده العلمية , والحماس والعزم الذي يتجلى علي فريق من البهائيين وهم يعودون لمباشرة جهودهم بعد أن كانوا موضع تجربة شديدة , والمقالات الرائعة التي دبجتها أقلام الملوك والأمراء ورجال السياسة والعلماء في عظمة الأمر ومقام مؤسسه ـــ
بهذا كله وبغيره يبرهن دين بهاء الله بما لا يحتمل الشك علي فعاليته وكفايته للوقوف في وجه العوامل الموجبة للتفكك التي تتعرض لها النظم الدينية والبرامج الأخلاقية والمؤسسات السياسية والاجتماعية .
فمن أيسلندا إلي تسمانيا , ومن فانكوفر إلي بحار الصين يمتد شعاع هذا النظام العالمي وتنتشر فروعه , موثقاً عروة الإخاء نافخاً في كل رجل وامرأة انجذبوا اليه يقيناً ورجاء واشتعالاً أفتقده طويلاً جيل حائر وعجز عن استرداده بنفسه , فإلي الذين يقبضون علي المصائر العاجلة لعالم متعب , وإلي الذين هم مسئولون عن اضطرابه ومخاوفه وشكوكه وأسباب بؤسه , أنهم يحسنون صنعاً وهم في حيرتهم لو أنهم أمعنوا النظر وتدبروا بقلوبهم أدلة فضل الله العزيز المنجي ــــ هذا الفضل الذي يخفف أحمالهم ويبدد حيرتهم وينير الطريق أمامهم .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت