على قيدي وحيدة...

عجمية الحاج ابراهيم
2024 / 1 / 12

-على قيد وحيدة-

مثل كل صباح يوم جديد. ومن الساعة السابعة صباحا من شهر جانفي اللذيذ، تقف وحيدة قرب رأسي المتصدع. ترسم خطة يومها. اربعة وعشرون ساعة فقط، هي سويعاته غير كافية لأمتلئ بكلي الثقيل. يتردد صدى صوت وحيدة في اذني.
- هو يومي فارغ من وقتي، كطور فراشة يبدأ خارج الازل وينتهي بلا مدى. تضيف وحيدة وهي تحك، جلد أمعاءها طورا و شعرها اطوارا اخرى.
أسألها: ماذا حل بجلدك يا وحيدة؟
تقول: التهبت أمعائي من شدة الفراغ. فخجل الجلد ان يعترف بخوائها.
تضع وحيدة يدها اليمنى على رأسي برهة ثم تهجر مجلسه. تطارد ذبابة في مهب الشتاء. ثم تجلس اسفل جسدي. تبسط يدها اليسرى، وتطلب مني ان اعلمها مصاحبة الوقت. تسكت قليلا ثم تتهمه بالخيانة والعجلة. وتتهم نفسها بالكسل. تعود اليَ وتتهمني بالجحود والبرود.
تتنهد وتقول: انت والساعة لكما نفس الصفات السئة... لن اصاحبك بعد اليوم. ولن انزل عندك ضيفة يا عجمية.
ابتسم لفيضها و لا اندهش من فوضاها. امسك يدها اليمنى لأوزع ادوار سويعات يومها الثقيل على اصابعها الصغيرة. كان وجهها شاحب من شدة ضجيج جلدها. وكانت حروف كلماتها يتيمة جدا، بلا شفاه و لا نطق.
اقول: اليك كلك من يومك يا وحيدة، لكنني لا استطيع تعليم وحيدة مصاحبة وقتها. لان المصاحبة هي اشياء زائلة تتعلمنا وترحل. دون ان تسمح لنا بتعليمها.
تسخر وحيدة من قولي وهي تحك جلد امعائها وتقول: وكيف يكون لي كلي من يومي، واسمي هو مهمتي يا عجمية؟
أقول لها : اسماؤنا هي تهمتنا البريئة... او ربما هي سيرتنا غير الذاتية.
تسكن وحيدة قرب نافذة الغرفة. كان الضياع مذهبها ومجيئها. أقترب من جلدها الملتهب على مهل. لم تلاحظ وحيدة حينها قربي. كنت احاول الخفيف عنها، عناء الجوع وشقاء الفراغ. ارفع يدي وأشير الى ساعة الحائط. مازالت وحيدة تائهة جدا. كأنها تراود اللامكان عن المكان. لا تلتفت الى حركة يدي ولا تهتم الى كل الحركية في الغرفة احمل كل الوقت المكدس بين عقاربها وأرمي بالساعة بين اصابع وحيدة وأقول:
-ساعتين لليومي، وساعتين لفك الخلاف بين الجسم والجسد داخل قلب الارض، وساعتين لمصالح الموت والحياة على سطح جلدك، وساعتين للنجو من الكتابة والقراءة قرب الدهر. ومن هذه الساعة ساعتين اخريين للهروب من عقارب الساعة ومن اياد العقاب. هذه عشر سويعات. وعشر اخريات لبيع الخبز وشراء الاكسجين بعيدا عن شعارات الوطن. والباقيات صالحات للنوم خلف القيامة يا وحيدة.
تنتشل وحيدة يدها مني ولا تترك لي خيار التخلي عنها. تلقي بقارورة الماء الفارغة، التي كانت عالقة بين عنقها الملتوي وكتفها العاري، قرب صورة جماعية لمدرستنا الابتدائية. ثم تنفجر من فوهة الغضب وتقول: ما هذه القسمة الخاوية مني كأمعائي...
أترك البعض مني مرميٌ قرب القارورة. وأقف بكل بعضي الاخر عند مجلسي. احدثني بكل لطف عن فوائد الصفة ومضار الاسم. ثم أتساءل عن ساعات الكسل في يومي. تهرول وحيدة نحو المطبخ...
وتقول: على رب اليوم ان يملأ امعاءه الخاوية، لينتصر شبح الحروف على هامش الحياة.
اسير نحوها حافية القدمين، أتلذذ برد الرخام ككادحة أفناها التعب. وقفت بباب المطبخ ابتسم لقولها فتعود وتقول: هات يدك اليسرى ولا تسأل الساعة عن اصابعك. عل اليومي يستوى.
أقول: وما علاقة الساعة بقسمة اليوم ياوحيدة.
تقول: قسمة الساعة ارهف من قسمة الأبد. لعلها وكأنها وحي ...
أقول : ومن علمك هذه الحكمة يا وحيدة؟
تقول: في مدينتنا القريبة منك فتح ما يملي علينا الحكمة.
أقول: الفتح هو أحد معاجم العنقاء... يرسم على خد الارض حدودا بحروف من سراب يا وحيدة...
تقول: أين تقع الارض ؟ .
أقول: الارض حلم جميل. ومن الجميل أن نحلم. لكن الاجمل يا وحيدة ان نتحرر من الحلم ويتحرر الحلم منا، فنكون ويكون.
تسخر وحيدة من كل حروفي. تتهمها بالهوى. ثم تلقب نبتة النعناع بالمجنونة. تلعن يومنا. وتغني لصبر أيوب.
تقول ويدي اليسرى باتت اسيرتها: اولا عليك بالخمسة.
أقاطعها: تقصدين اصابعي الخمسة يا وحيدة؟
تحلق وحيدة بعينيها الى السماء. وتتمتم اغنية شعبية بلهجة تونسية دارجة تقول"الخمسة الي لحقوا بالجرة وملك الموت يراجي، لحقوا مولا العركة المرة المشهور الدغباجي". تسكت وحيدة قليلا ثم تتنهد. كانت انفاسها تمزق تسلسل الحروف كسيوف عثمانية.
ترتجف يدها وهي تعد الفراغ على اصابعي. ترتجف معها يدي الاسيرة عندما تحملق بي ثم تقول:
-لا حرب في المدينة ولا عراك. علينا ان نوزع أركان اليومي الخمس على اصابعك الخمس.
أقول والدهشة باتت جلية على ملامحي : وهل يستوي التوزيع..؟
تمسك بالإبهار وتقول: خمس ساعات من الإنسان، اكلا وشربا ونوما وسنزيدها استحمام.
تداعب السبابه وتضحك: خمس ساعات من الاتصالات والمواصلات...
تنقض بالوسطى وتتنهد: خمس ساعات من بيع خبز وماء الحاضرة في العاصمة...
تتمسك بالبنصر وتقول: خمس ساعات لتقبيل يد القبيلة وطلب المغفرة من جليل الارباب ...
تتأرجح على هاوية الخنصر وتقول: ما تبقى من السويعات هو من نصيب قراءة الصحف وكتابة اليوميات...
أضيع في غياب اصابعي. ابحث بينهم عن المتبقيات. اجدهم ناقصات. التفت الى زهرة الصبار المزهرة قرب باب المطبخ وأقول لها: وهل استوى التوزيع كذا يا وحيدة ؟
اسحب يدي من قبضتها. اعود ادراجي على مهل. اقف عند نبتة الصبار "اللوفيرا". اعد اصابعي. اصنع بهم امل خفيف. تبتسم وحيدة لصمتي وتقول: سأعد القهوة، لنشربها معا بمناسبة نجاح القسمة. وأنت عجلي في بدأ اليوم من هناك او من اي جهة اخرى تريدين...
تركتُ وحيدة تُعِد قهوة يومها دون يومي. وعدت الى مجلسي حافية القدمين. لم يعد الرخام هنا بارد. ولم تعد اقدامي تشعر باللذة ولا بالبرد. ربما اشتد اشعاع الشمس في دمي. او ربما نزلت لعنتها على الرخام فتحول الى حريق ولهيب. كنت اسير أَعُد اصابعي وخطوات وسويعاتي ... ولا يستوي العَدُ معي.
لن يستوي العد مادمنا نسير مع الوقت. ولن يستوي الوقت ما دمنا نصير مع التوقيت. ولن يستوي التوقيت مادمنا ننام خمس ساعات يا عجمية، هكذا تهتف وحيدة من مكانها.
تسكت قليلا ثم تهلع من جديد. فيقتلع الهلع امن وأمان المكان. كأنها السماء ترعد وتقول: قلت انه لن يستوي، ها قد اضعنا ساعة من وقت يومي، ولم يستوى...
حينها فقط، تركت وحيدة وحيدة في المطبخ. كانت تصارع حكة الجوع بيد والذبابة التي لا ترحل عن حبات التمر بيدها الاخرى. حملت معطفي الصوفي بيدي ونعلي الاسود بيدي الاخرى وما ان وقفت بباب منزلي الرئيسي، حتى اقسمت لوحيدة انني لن اعود... لان القسمة لن تستوى...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت