انا المسكوت عني

عجمية الحاج ابراهيم
2024 / 1 / 11

انا المسكوت عني-

أُصبت بضوء ما. فأشرقت بعين واحدة. تراها كم الساعة الان؟ لم يكن الليل في أخره ولا الصباح في أوله. كنت وحدي اشتم رائحة الخبز التي تفوح من قميصي الابيض. كان مرمي على حافة السرير. وكنت وحدي اسمي الاشياء بقدر مقاومتها لإشعاع الضوء المسلط عليها. كان جسدي ممدد قرب جسمي دوني. وكان جلدي يلامس حائط الغرفة البارد. يلِفُه من الخلف كوشاح غجرية صنعته خارج موسم الرحيل، من نار ومن ثلج. أدندن اغنية من كلمات لحمي وألحان دمي. يرقص الوقت حينها بين عقارب ساعتي المعلقة على الجدار.
تفقدت التوقيت خلف كل شبيه بي وكل شبيه به، انه الصباح عاد من جديد. عاد ليُمْلي على جسدي مشاعره. كأنه يحدثني في سري جائعة باردة انت. افتح عيني الاخرى فتكتمل الصورة في ذهني. ها قد اخترق ضوء هذا الصباح الخفيف كل المكان. لكن جسدي العنيد يأبى ان يلتفت الى ضوءه، لا ليعترف به، بل ليعِدني بي، مثل كل صباح منذ عشر سنوات. يعدني وعدا خفيفا لا اسعه ولا يسعني.
القيت تحية الصباح على ملامح جسدي المبعثرة قربي. اقسمت في سري بهذا الصباح وبكل الكلام المسكوت عنه وبدوام الماء المالح في جداول عمري، أن ازرع السماء قربي او اغرس الالاه في بيتي. لا ليراه المارة بيني وبيني، ولا لأُخْفيه عنه، ولا ليكبر الدهر في احشائي. بل لنتقاسم عِبء البقاء ولذة الفناء تحت جبة اللغة.
مازلت احدث نفسي. ومازال ضجيجي يسكنني. يحدثني ان جلدي البريء مني يهمس اليَ دوني : السماء هي لغتي المفضلة... والالاه هو قدرتي على تكلمها وعلى قولي... اذن لها البقاء مزهرة ولك عطرها الزهري ان وُجدتي...
أَهُزُ بحاجبي الايسرِ واسأله في غفلة مني: وكيف ستنمو وتزهر اللغة على قيدي؟
يستعيرني ليجيبني: تزهر عندما تسقيها فيْض حروف إسمك. عُجْمِية في الصباح وعِجْمِية قبل الصباح. عَجْمِية في الظهيرة وعِجْمِية قبل الظهيرة. عُجْمِية في المساء وعَجْمِية قبل وبعد المساء.
أَهُزُ وأَهْتَزُ، وأستاء مني. أهز الضباب الذي كان يسكن الدقائق وارمي به بين ضفائري الرقيقة. كما اوصتني طبيبة الامعاء الدقيقة. واهتز كصوت الرعد في ساعة تعانق هذا الصباح. استاء من كلي كلي. ثم اقطف غمرة من فراشي الصوفي بيدِي اليسرى وغمرة اخرى بيدي الاخرى من لحافي الشتوي. أَشدهما الي بشيء مني وبالكثير من المستحيل. انا الجامعة، هذا الصباح، بين حفنة من ارض عنيدة وغيمة من سماء بعيدة.
أضِيق بينهما، ضيق الفراشة بين المدى والصدى. وضيق الشهيق العالق بين لحن "الموهيكنز" في ناي "لييو روجاه" وذاكرة الهنود الحمر الحديثة. أعود إلى جلدي وأسأل: ماذا إن ذبل إلإلاه من شدة فيضي؟
كأنه يقول: لا اجابة معي... لعلي غفوت قرب الجواب. او ضيعت حزمة الاستعارات حول اسماء الالاه.
اقول: لنفسي ، ربما انا التي شردت كالغزالة في صحراء السخريات...
كان اللاشيء يسخر من اللاشيء. والمعنى يسخر من المعنى. وتسخر الهشاشة من صورة الاب والأخ المعلقة على جدار الغرفة، قرب اشلائي.
مزال الصبح يتنفسني. ومازلت، انا الاخرى، محملة بعشرة احتمالات مترددة وعشرة إمكانات فاشلة، عن الفرق بين السماء والالاه. كنت اصار السراب في جسدي، واخسر. و كنت هامش في معركي. لم ينصرني حينها جلدي حتى ارتخت قبضتاَيَ عن الفراش واللحاف، وهما المتهمان بالدفء في قضية الشتاء. انها ساعة الافراج عني.
واقول: انا لا اريده ان يذبل، اذن لن يذبل... وان كان ذلك من شدة فيضي، سأزيده باحة واحدة من خيالي وتسعة امتار من ذاكرتي.
يعود صدى جلدي ليسألني، سؤال لا افهمه وربما لايفهمني، لا ادركه لكنه يدركني. يسمعني واسمعه. فتتكرر الأصوات في دمي من المرات عشر ويقول: عنكِ، عنك، عنك، عنك، عنك، عنك، عنك، عنك، عنك، وعنك...؟
تنهد كل امسي في صدري حتى شتت مد وجزر انفاسي. كنت انظر الى سقف الغرفة دون احتمالات. اتصبب عرقا، بي خوف طفيف، كحبة زيتون القى بها الحقل خارج الفصل. تلملمت عاجزة امام جلدي، كعجوز انكسر عكازها قرب آلاء الفرح.
تنهد امسي مرة اخرى ثم قال في سري: ماذا عنا؟ هل لنا نصيب في البيت اليوم؟
تخونني لغتي-لا اجابة عندي- وتبني بيني وبيني جسر من الغيث المالح. تسقي به سنابلي السوداء المرمية على ساحاتِ وسائدي. كانت هي الاخرى مهزومة مثلي ومثل وعودي العشر. تكيدني الكلمات، تجمعني ثم تبعثرني. لا استطع ترتيبها كصباحي هذا. أفشل في المرور منها اليَ. اتخذ مني امكان لهذا الصباح و اقول لي: انها بداية رشيقة.انهضي لتصلي...
كم بات الطريق، من سريري المربع الاسود الى كرسي الدائري الترابي قرب نافذتي الصفراء، طويلا. وعلى عجلة مني، تعثرت شعرة بين اصابع قدمي اليسرى المتجمدة وقد تبرء منها اللحاف بعد ان كان يغطيها. كانت شعرة سوداء يانعة كليلة شتاء. كانت مليئة بالغيث الحاد والظلام المضيء. يشدني بهاؤها في الضوء المنبعث من بين رموش نافذتي الملتوية مع الستائر، نحو مرآتي المُعلقة على ناحية أُخرى من غرفتي. كنت مندهشة لقدرتها على التشبث بأصابعي، واتساؤل بيني وبيني:
- كيف سقطت من علاء الرأس الى القدم؟ يالها من ليلة عنيدة؟
كانت الشعرة السوداء حبلى بكل الحياة. ربما سقطت من شدة حمى التفكير ووجع العدم. فتدلت المسكينة على كف القدم، كما يتدلى الوعد على خد الوقت. كانت شعرة واحدة ووحيدة، كفيلة بأن تعيدني اليَ بلا لطف، كأنها تقول لي:
- انت... نعم انت يمكنك المرور اليك من هنا.
طرقت جبيني الهش من شدة الالم بيدي اليمنى. تذكر ان ساعة الوعد اقتربت . انها ساعة الزراعة والغراسة. تختلف طقوس الغراسة كثيرا هنا عن طقوس الزراعة. اختلاف الزمان والمكان في الاسطورة. وقد لا تكفيني عشر سنوات اخرى لتستقيم الساعة وأستقيم.
من الساعة السابعة صباحا الا دقيقة مهجورة من الوقت، ومن الثامنة والعشرين من شهر جانفي المهزوم من كل الشتاء ومن الفصل، من الثالث والعشرين بعد الالفين من ثلاثين العمر، اقفز مَذْعُورَة كيوم القيامة نحوي. افتح نافذة غرفة نومي الصغيرة من الطابق الثاني "للسنبلة الجميلة" التائهة بين عرائس المروج. افتح ذراعي النافذة طمعا وخوفا. طمعا في عناق خفيف مع نسيم الشتاء البارد. وخوفا ان يضيق بي الخيال قربي. كنت مبعثرة بين تفاصيل فصلي الاول من "ثلج الشتاء".
فتحت نافذتي بعيون مغمضة. أفتحها فتفتحني عني. كل شيء هنا عادِي عدايَ. بدت السماء مرهقة بالتفكير مثلي. تعقد عشرة غيوم اجتماعها العاشر قرب شمس مجهولة الفصل. لم يأخذني الفضول لمعرفة سبب هذا الاجتماع. لكنه أخذني الى ما كانت تُتَمْتِمُ به فروع شجرة الياسمين قرب نافذة الجيران من الجهة المقابلة لنافذتي.
كانت تلوح بفروعها العشر لتقول : هنا النسيم صلب كالصخر، والغيم كاذب. يجتمع في الافق ليحدث الفلاح عن حزنه دون ان يبكي. تسكت سبع من فروعها قليلا، ولا تسكن الثلاث الاخريات. ابتسم فتطمئن كل الشجرة ثم تبايعها خصلة من لَيْلِي في مهب النسيم. أبتسم، ابتسامة التعرف غير المرغوب فيه، لجارة اخرى من جهة اخر. فتحت لتوها نافذتها. تتحسس الشتاء مثلي ومثل كل المكان من حولنا. ثم ابتسم لي، ابتسامة الخيبة. لاني سأعود الى جلدي فارغة من البرد والمطر. فبعض النسيم العابر بيني وبين ما تبقى من غيثي على اخر عنقي، لا يكفني ساعة الصيف، بل يزيد من احتراقي.
قلت :لا شيء عني هنا، فقط كل شيء يشبهني هذا الصباح. اذن علي ان اعيد نصف جسدي العلوى ادراجه. ليتصالح مع نصفه السفلي. ويعتذر له عن ما بدر منه ومني...
لا مطر اليوم في صدرها... همست كل اعضائي في سرها، وفي حضرتي.
كنت أَهِم بالدخول اليَ وكذا داخلي يهم بي، حتى نزلت على يدي اليسرى قطرة ماء. نزلت نُزُولاً بَهِيًا، كسورة الرحمان في القرأن. نزولا شقيا، كَرَبٍ سريع الذوبان. ابن أم من حلوى واب من ريق. نزلت كوحي، كلحن، كنحت، وكشامة غجرية ليس لها مكان ولا زمان. ثم اعود اليَ ومعي ثلة من اليقين ان السماء امطرت. اصرخ في وجه السماء. ولا اصرخ الا في وجهي. اصرخ كثائرة الخبز: امطري... امطري... امطري.
تراودني أُذُني على قيدي. لم اكن من الراغبين في الاستجابة لها. كنت ادندن كلمات حادة كصوتي. واقول كلما لوحت بنظري الى الفضاء: أنا فراشة من نار أَرْتَحِلُ بكلي الى كلي، من قطرة ماء الى غيث سماء...
اقول: لاحاجة لي عندي...
تقول اذني: اسمعي...
اقول: لا حاجة لي عندك...
ومازلت أَهِيمُ بقطرة الماء كمتيمة افناها الشوق ساعة اللقاء.
تجدد قولها: اسمعي ...
تربع الصدى حينها على قيد مسامعي فأدركتها وهجرتها بيني وبيني حتى جاهرتها قولي: ما لي و مال السمع...
وفي كل برهة كانت تشدد امرها. وبين امر وامر تعيدني من بعضي الى بعضي دوني.
وتقول : المكان يضحك بك...
اقترب مني وأسألني: أضحكتي من شرفة روحي ام ان الروح تضحك على شرفي هذا الصباح؟
لا ادركني و لا ادرك الضحك. اقترب مني أكثر فأكثر، اذ بضحكة ساخرة تنبعث من غير مكان.
اطرق الوقت على حافة النافذة، اتحسس الصخر بيدي اليمنى وقطرة الماء مازالت تلتصق بجلدي. تراودها عيني كعقاب يهم بصيدها. انظر الى يدي اليمنى نظرة المكلف. كأنني اقول لها انت العقاب وهذه فريستك ، استعجلي. فلا تستجيب.
اسألها: هل ستجففيها ام ستتركيها تجف على مهلها فوقك الايسر. لاحركة في جسدي، ساكنة هي، كأنها ليست مني... يعود صوت الضحكة الساخرة من جديد.
قلت من ركني البعيد عني: انا الطفلة العنيدة، وثمة من يسخر مني هذا الصباح؟
ارفع راسي دون امر مني. كانت اذني هي التي تقوده الى ما تريده وما لا يريده. انه صوت طفلة صغيرة. ربما لم تتجاوز السنوات العشر الاولى من العمر. انا لا اراها، بل ضحكتها المستفزة كانت جلية لي.
مازلت اصارع صدى ضحكتها في خيالي حتى نزلت اليا قطرة ماء مرة اخرى، بردقالية اللون والشكل. نزلت لكنها لم تصب طرفي هذه المرة. بل اصابت الطرف الايسر من نافذتي. وهو الجانب القريب الى وجهي المغيم كسماء هذا الصباح والجاف من شدة الخيال كحقول جدي "عبد الله".
تتوهم الحقول، هناك قرب جدي منذ عشر سنوات، بخضرة زرعها. وتدعي أن قرب كل زارع عشر سنابل خضر. وبين كل سنبلة وسنبلة جميلة، تنبت سنبلة اخرى تسكنها عشرات الحبات. أحملق بقطرة الماء لأكتشفها، وافشل. تحملق هي بي كأنها تتبرأ من جلدي، وتنجح. ابصرها وتبصرني. يقاطع حوار البصر والبصيرة هذا، نصف علوي لامرأة بدينة النصف، خشينة الصوت، سليطة القول.
تصرخ، كأنها صدى صرختي: لم تمطر...لا تمطر...ولن تمطر
ثم تقول: عودي بكلك اليك ان كنت تخافي قطرات غسيلي المبلل على شرفتي منذ عشر سنوات و لن يجف... او غادري المكان ان شئت.
يصيبني داء اللاشيء واللامكان امام امرها. احاول تخفيف اثاره الجانبية في دمي. احتسي القليل من الامبالاة. وافشل في المروري منها الي من جديد. لا اهدأ ولا ابالي بي. مازل رأسي معلق بين ارض وسماء، كمحكوم بالإعدام قبل التنفيذ... تجمد عنقي هناك وعيني تهرول خلف الماء الذي يخر على اجنحة النافذة وضلوع الجدار من شرفتها المتسخة.
أَهذي في سري واقول: اينزل الماء من الاسفل الى الأعلى؟ وماذا عن القطرة، أشريدة هي عن ماءها ؟ أيعقل ان تكون متمردة عن فيضها؟ ربما هي ثائرة فقط على مسارها؟ او لعلها بكلها هذا، غنية هي عن ألاحتمالات؟
مازال عنقي يتوسلني الاستسلام، وعيني لا تستسلم. يعم الصمت في المكان قليلا ثم تعود تلك الضحكة الساخرة. ومن نفس الشرفة يطل علينا نصف طفلة نحيلة كأطفال الخيام. ظهرت في البداية، ثم اختفت.
كانت تتأرجح بين ضحكتها الواضحة جدا وبين ستار شرفتها الدائري. كنت اخشى وقوعها فالستائر اغلب النوافذ والشرف هنا تبدو مترهلة، واثر الزمان بات عليها جلي. مازالت عيني على الطفلة هناك. تظهر وتختفي تسع المرات. وفي المرة العاشرة استقرت الي برأسها الصغير فقط . كنت اتسال في نفسي اين ذهبت بكلها؟ كان عليها ان تعود بنصفها العلوى على الاقل. كان شعرها واقف الاطراف يعاند اطراف الشمس، يتمايل مع النسيم الخفيف يقلد فروع الياسمين التي تودعني على الضفة الاخرى. ابتسمت لها، ابتسامة بريئة مثلها تماما. اذ بوجهي يتحول الى بركان ساعة الانفجار وقد غطت اطرافي انهار من حممي... تضحك الطفلة بكل ما اوتيت من صوت وصدى ثم قالت: من هذا الاناء نزلت على يدك قطرة الماء ففرحتي...
عم الظلام في الزمان. لا اراني ولا اصغي الي. لا انا ثابتة ولا اميل. لا انسى ولا اتذكر. لا انسى فيض المكان ولا اتذكرة قطرة الماء. امسكت بأصابع يدي اليمنى على يسراها. فتحت عيني على شبح جسدي. اتفقده، وأتثبت من سلامة كل اعضاءه. ان مسها غياب او نقصان. لم اتعرف اليه، وربما لن يتعرف الي. كنت ابحث عني واجمعني و قد بعثرني الماء بيني وبين اعضائي. كنت افتش عني وسط غيمي. تجرأت حينها، على معرفة حقيقة واحدة، وهي لون الماء الملتصق على جلدي. كان لونه ارجواني يميل للصفرة ميل السنابل ساعة الحصاد. ميلا يسر الناظرين. طأطأت رأسي لبهجة اللون وابتسمت وقلت وانا المبعثرة: حسنا لم ينقصنا شيء، يبدو هذا عادي...
اردت استجماع صوتي لأسألها ما كان هذا؟ أماء هو ام حميم؟ وما فاض من يديك؟ اصنع يديك ام بقايا الغسيل؟ لكن فشلت في قولي. لم يسعني السؤال، كما اتسع الاناء لضحكتها. اكتفيت بلعني بيني وبيني. اغلقت احضان نافذتي. انزلت ستائرها الابيض ثم الاسود وقلت: عليا ان اتعلم فتح النوافذ.
مشيت نحوي خطوتين على مهل، لا شيئ يهين مشيتي غير قطرات الماء التي كانت تتساقط من شعري المجعد، ومن ملابسي الملطخة بي، ومن بعضي. إلْتَفَتُ الى ورائي قليل. اجدها ترسم طريق عودة ما، بين غبار ذاكرة الدار وفتاتي. اسخر منها ومن ذاكرتي التي تحدثني عن قصة ذاك الحطاب الفقير الذي تخلص من ابناءه في الغابة ونثر فتاة الخبز ليضمن عودته الى بيته سالم دون أكباده.وعن قصة من زمن أخر، عن غلام وعشر كواكب ألقوا بالرحم وبالدم خلفهم وفرطوا بالأخ في غياب الجب. تتفق ذاكرتي مع خيالي ويأخذاني مني الى غيري...
أسخر مني في سري، يصب جبيني من شدة التعرق. اهذي واقول: هذا هراء، انا لن اتخلى عن بعضي، ولن القي بي لا في الغاب ولا في الجب... عليا ان استحم واتخلص من ماء النار الذي احرق جلدي، لقد اتقرب موعد الغرس ...
مازلت أحدثني بيني وبيني، حتى ايقضني منبه هاتفي، الساعة الان الثامنة صباحا ودقيقة ملطخة بالذاكرة. ألقي بكل ساعتي على طاولتي المهجورة. أَجُس فَرْوَ كرسي اتحسس نعومة ذاكرته. اتعكز عليه. وادفع بخطايا الى باب غرفتي الضيقة. عليا ان انجح هذه المرة في الخروج من عنقي وسادتي. وان اقف قرب أُفُقي بِكُلِي، لأتثبت من ترتيب قاعة الجلوس ونظافتها. فمن هناك سيمر الإلاه نحوي.
كان الوقت حينها سيد الأشياء، كلما مررت بشيء مني داخل ارجاء منزلي، وجدت اثر الدهر عليها.
أسألني: هل نمتي ليلة ام دهرا؟ لما الغبار يحاصر كل انحاء كُلِي؟
أقف عند اول ممر المنزل. التفت يسارا الى غرفة ألاستحمام ثم والتفت يمينا حيث غرفة الجلوس لا اجدني. تداخلت الاتجاهات بين خرائط أصابعي. من اين أبدأ عملية التنظيف؟ هل ابدأ أمني إليها ام منها اليَ ؟ ثم ماذا لو ان الالاه لا يشبه الله، ولا يحبذ الاشياء المُلمعة مثله ؟
أمسح بيدي على كتفي وأقهقه وأقول: يال سخافة الامر، مقزز ان يحب الاه القمامة.
اختلفت الاحتمالات بيني وبيني. ها قد أجلت مهمتي مع غرفة الجلوس الي ما بعدي. دخلت غرفة الاستحمام. كانت اركانها الثلاث مظلمة. تفوح منها رائحة التراب الممزوج بالماء الساخن. لم أهتم حينها، لا بظُلْمتها ولا برائحتها. كنت مصابة بهوس الماء. يقيم صوت الماء ولون الماء في دمي، عرسا. فتحت كل الحنفيات الثلاث الموجودة في الغرفة. تنافس كل منهم على ان يريقوا ريقهم على جسدي، على طريقتها. كان صوت الماء رمادي. ربما مر بذاكرتي قبل نزوله فلمعها. ومر على جسدي وامتزج بما كان عليه فَغَداَ بنفسجي. ولم يفشل في تنظيفه.
كانت قطرات الماء تتمتم في اذني: انت اليوم ضيفة خفيفة وغدا باقية.
أقول: نعم انا اليوم على عجلة مني، بعض الدقائق فقط تفصلني على موعدي مع الالاه...
لففت كل وطني المبلل بِبُرْنُس ابيض. كان هزيل القطن كجلدي طوله متر واحد من سمائي وعرضه متر واحد من ارضي. رُسِمَ على اكتافه عشرة وريقات زيتون صفراء. اصفرت من شدة اثر الزمان عليها. او ربما هي كذلك من صنع يديَ .
كنت أحملق في لون الوريقات و أتحسس نظامهم. كانت كل وريقة تهمس لي في سرها وتقول: غضي طرفك عني واستمري... استمري... مازال سَعْيك اليك طويلا. لا وقت للرجاء في الارجاء.
احمل فضائل الشتاء كلها في جلدي، وأسير نحو غرفة الجلوس. اقف على قيدي وفي منتصف الغرفة- على غير عادتي- حيث اجتمع فصل الشتاء وبردي . ألقي بكل التحيات على اركانها، ركنا ركنا. أُتمتمني بلغة السماء واستمر. أُلملمني بلهجة الارض واستمر. أَنشدني بلحن الريح واستمر. أَهذي بملامح الالاه، أَرقص معي من شدتي ومن ضِدِي ثم استمر. حتى أنفجر في سِري. انا اليوم حرة.
أقول لكل الاجسام المتجمدة هنا: الجسد العار في عيون السماء بَدْأ وبَعْث من جديد... والصبح من ضلع الظلام هو غيم وحيد.
ادرك كل شيء من حولي. كان كل شيء في مكانه أنيق. مرتب اشد الترتيب. تناسق ثوب الاريكات الثلاث الاخضر، مع العقد الربيعي الذي كان يغطي عنق الغرفة كله. وتجانست ازهار الصبار الثلاث المعلقة على جدارها الابيض مع مدرجات الكتب المائلة على خدي قاعة الجلوس.
يتكئ على الجهة اليسرى، مدرج رمادي طويل به ستة رفوف متساوية الطول والعرض خصصته للكتب الادبية. ويتربع على الجهة اليمنى، مدرج شمسيٌ فاقع اللون عريض المدى، خصصته للكتب والدراسات الفلسفية.
كان الرف الاول على يساري عنيد وشقي مثلي تصدرته " الايام" تتكئ عليها "الفقرء او المسكين" ومابينهما رساله طويلة يبدو انها"رسالة الغفران" ويكلمهم "زراديشت" يأخذنا اليهم "قطار الليل الى لشبونة" كأنهم "مئة عام من العزلة، او الحب في زمن الكوليرا" يرقص على اطرافهم "زوربا اليوناني". وامتلأ الرف الاخير بحزمة حمراء طاغية اللون والحجم، كتب عليها "الاعمال الكاملة لمحمود المسعدي". وما بينهما كتاب صغير كتب عليه هو ايضا "شعر محمود درويش".
بقيت شاردة هناك. ولم انتبه الى ما اتسعت اليه وعليه. بدأت في تجفيف شتائي بيد وتعديل مواقع الكتب بالأخرى.
أقول في افقي: الكل من كلي وليمة. فلا بأس بوجبة خفيفة. سحبي ملء سمائي. وزادي من غيمي يكفي ليمطر هذا الشتاء وربما شتاء اخر من بعده.
لم اتنازل عن خطة الوجبة بعد، حتى سقط كتاب عجوز من اعلى الجهة الاخرى. انصرفت اليه بكُلِي لألتقطه منه. وأمسح عنه غباره. فعلقت يدي اليمنى عند "الالياذة " ولم تتجرأ ان تلامس "الأذيسة".
كنت اسألهما برفق:ما الذي جاء بكما من ايسري الى ايمني؟ أوهن نيكوس كزانتزاكيس منكما أم اشتعلت سماء زوربا أقمارا فأوقع نجمكما؟
امسح على احشائه بيدي وأواسيه بالتقبيل. القبلة هي عزاء الضيف المرغوب فيه. أعود بجسدي العاري الي. وأبحث في غفلة منه، عن مكان هنيء يمكن ان يلجأ اليه بعد فاجعة السقوط. أعانق ايمني العريض بكل بصيرتي. أجول بيد قرب "منابع الذات". اقس على اقصى الالياذة فتسخر من قسوتي كل الاذيسة. ألوح بنظراتي الى اسفلي حيث اقدامي الجامدة، قبل "جمهورية أفلاطون " وبعد "مدينة الفرابي" لا استطيع تدبير الامر. أرفع رأسي على عجلة، فيستدم بالرف الثاني ويقع من جوفه "تدبير متوحد". أفصح ومازال اثر السخط على رأسي واقول: اي تدبير ينجي السخط من الرأس ، و اي الرأس من القدم من التدبير..؟
أهدأ قليلا وأنحني الى قدمي. والقي بكل من الالياذة والاذيسة قرب "الثورات العربي" فتزاحمه "الثورة البيضاء". اهجرهم كلهم لاني لم اعد قادرة على ان احمل عناد هذه الاجزاء في كلي. أعود الى جسدي العاري و أبشرة بالحطب الآتي بعد قليل.
أردد في أفقي: تمهلي، انها الساعة الثامنة صباحا وكل دقائق التاسعة ملطخة بالخيال. اذن سأقطف بعض الدقائق الاخرى من خزائن الدهر، لأرتب شعري على رفوف الروح كما أشتهي. وأحتسي بعض من انفاسي، هنا، قرب الشتاء. ثم أشعل حطب قلبي بينهما لينعم بيتي بقليل من الدفء وكل المدى.
نار تحرق قطعة من هواء. هواء يطهر نفسه بالضباب. ضباب يتعرى امام جيش من سماء. سماء تقبل عناقيد من تراب. شبر من تراب يرتجف على عتبة باب الالاه. باب يطرق.
اتبعثر: ترى اي باب يطرق؟ من وما الطارق؟ هل وصلت بذور الالاه؟ أقف على غيمة رمادية- ترعد وتبرق ثم لن تمطر- بجسد عار مني ومثقل بلقبي. لا أفتح الباب. اهمس: هو ليس بابي الذي يُطْرَق. ولا إلاهي طَارِق له. ولا الطُرُق مني اليه تستوي.
كان لون النار ازرق في وجهي. وصوت احتراق قطع الحطب في دمي مالح. يرسمني اللهيب والدخان بعيد عني، عنقاء تصفف ريشها على مَهل قرب بركان يسيل منه مُهل. لم انجو من طقوس الضياع فِيَ. يرن هاتفي. أجيب، وأنا البريئة مِنيِ تماما. كان احدهم يسألني حين عن مكان جسدي وحين اخر عن مكان جسمي. وان كنت قد غيرت قِبْلَتِي. ارفرف بكلي الى الباب افتحه. اذ بالسماء تأتيني بغابات سَرْوَل علقت على بعض اغصانها بذور الحياة وعلى بعضها الاخر اقمار ونجوم. ابتعد عنها، تقترب مني. اقترب منها فتقترب اكثر فأكثر مني. اقبلها، تعانقني. اعانقها فتهيم بي.
أسألها: ايتها السماء أهذا ما سمعت عنه؟
تقول: وعن ما سمعتي؟
أقول: عن زراعة الالاه، وعناق الارواح...
تقول: عن زراعة الالاه لا دراية لي. وعن العناق فهو من مهام الروح...
كانت رائحة الغصن الاخضر الممزوج بنار البخور الجالي تفوح من غرفة الجلوس. كان الصبح مبعثر قربي. اجلس ساكنة الجلد على اصغر اريكة قرب السماء ولا اغفو من شدة وهن البقاء.
تسألني سمائي : أيفديك غصن أخضر لتمري قرب الشتاء؟
أجيب: من يحمل سماءه معه، يستطيع المرور قرب كل الالاه وكل الفصول.
تقول: السماء ثقيلة على الحاملين، وكل الاه يزيد الحالمين وزنا..
اقول: ماذا عن الغيوم؟
تجيب: هي كل السماء، هي ذاكرة الاه هش...
أقول: هل السماء هشة؟
تجيب: انا جبل من حنين و من مطر يؤلمه الشمال...
أقول: متى يمطر الشمال؟
تقول: بعد ثمانين جرح، وسبع ليالي مقمرة... وبعض دفء خجول كأغنية يفضل ان تمر بلا طلب او سؤال.
أقول: هل تسكت الاغنية حينا؟
تقول: السكوت لغة من صخر يسكنها نجم وحده...كي ينام.
أقول: ولا ينام...
تقول: كي لا ينام...
أقول: لا ارض تكفينا لننام، ربما لنا نصيب من السماء...
تقول: نحن جروحنا الحرة، والارض لهيبها.. مثل كل هذا اللهيب.
نصمت قليلا. نصغي معا الى زفير الحرب وأنفاس النار. نشتم شعلة اللانهاية في سهول الغد وفي منحدرات الامس. ثم وعن تعرج الاسطورة في عيني اليمنى. وعن روايتي التي لن تنتهي.
وتكرر قولها: أيفديك غصنك الاخضر؟ ويكفيك كي تمري بي؟
اقول: يكفيني ولا يكفيكي...
تقول: اعد لنا القهوة اذن...
لم اكن ارغب حينها في رحيلها. كنت أأجل القهوة الى غير حين. احببت صدى صوتها في صدري. وتناسق انفاسها مع لهيب الحطب التي كانت تنزل على جلدي... كان الصيف فصلا شريدا في جسدي، تمرد على كل الوقت وعلى شهر جانفي داخلي وخارجي، كبطل يولد ويموت في اول مشهد من الحكاية، كي تبدأ الحكاية.
اقول: وكيف تشتهي السماء قهوتها؟
تقول: اشتهيها خفيفة اللاشيء ، كوعد الغيوم هذا الصباح، ثقيلة الرائحة، كعطر النَفْيِ فوق جلدك، بريئة مني ومنك لا سكر فيها ولا غياب. اشتهيها مثليا ومثلك كتشبيه بلا مثال...
سرت الى المطبخ مثقلة الخطى بعد ما صرت عبء على قدمي. لا الارض تسعني ولا انا اتسع لنظرات السماء. اعتذر من تحديقها واختبئ خلف باب المطبخ. اتخذ من باب الشرفة قبلة لي. تبعثر كلي قرب بعضي ، كالكلام في حلقي. جمعت ما تيسر مني. امسك بِقِدْر وردي بيد ليتماسك كلي، و قِدْرٌ بيدي الاخرى لأعد القهوة. تلحق بخطايا السماء مُحَمَلة بكل غيوم الامس وامطار الغد. ترمي بظلها قربي، تلتفت يمينا ويسارا.
وتقول: سأتفقد شرفة بيتك لأطمئن عليك ...
لم يكن يتسع المكان لخطاها كثيرا. كان الحيز مكتظ بأواني الغراس والزراعة. هنا اناء مملوء بترابي وهناك قوارير مملوءة بمائي وما بينهما اكداس صغيرة من الرماد. تبدأ السماء حوارها الخاص بي والمختصر عني فتقول:
- رقيقة هي رائحة الطين التي تفوح من اسفل شجرة التين...
اقول: التين كما الزيتون اشقاء الطين. يغرس على كفوف الدهر.
تقول: واللون البنفسجي الذي يغطي زهرة الفقراء هناك على اقصى شرفة بيتك، يشبه شيء ما خفيف في عينيك.
اقول: لا زهور للفقراء، انهم سكان الرغيف في العراء...
تقول: يال خضرة اوراق النعناع ، أتغرس الارواح هنا دون اسمنت؟
أقول: النعناع، كما الارواح لا تغرس بل تزرع، هي نبتات سريعة النمو، تكبر اذا امطرتها...
تبتسم، فأبتسم...حينها تمر بين جلدي ورائحة البُني وهي تمازح دمي. لم يُعِجِل مرورها في غليان القهوة ، لكنه افاض اللحن واللحم والدم قربي...
تغير السماء وجهتها وتعود اليَ. كما غيرت حديثها وتسألني: أ هكذا تعد القهوة سريعا..؟
أقول: حدثتني أمي عن القدر الفخار، وعن القهوة البكر... عليها ان لا تُعَد سريعا...
تقول: الأم، هي دهر ثمل بالحكمة، دون ذنب و بلا اعتراف
أقول: الام، دهر يحدث القصيد...
اخفض جناحي لصورة الام التي علقت على جدار الغرفة في منتصف الريح بين النافذة والباب. اخلع شالي الوردي امام موقد النار الملتهب دون ان أنحني. اجلس قرب ظلي. اقدم لي فنجان قهوة، ثم اسكب فنجانا للسماء دون ان ترتعش يدي. هي تحتسيني نفس نفس. وانا احتسيها غيمة غيمة. هي تبتسم وانا كذلك.
تقول: اذن حدثي الدهر عنك قربي...
أقول: ايها الدهر، ايها الدهر...
تقول: حدثيه بلا صدى
أقول: او بلا سماء؟
تقول: وحدك
أقول: وحدي؟
تقول: أنت اكثر منك... الوحدة لا مساومة فيها..
أقول: ايها الدهر
انا والسماء وحدي
لا قلبك، ولا لقبك معي...
ايها الدهر...اليوم وكل يومي...
انا والسماء وحدي
نصنع من دموعك غيث لأرضي
ونضحك... كإشارة على سطح اللغة
تعني ولا تعني
ايها الدهر، انا والسماء
ننسج زمن من غيمات الزمان
... ونخيط للروح ستائر
من حرية ومدى... والكثير منك
ايها الدهر
لا اركان لك اليوم عندي
لا جسدك، ولا سجدك عندي
انا والسماء وحدي
ننقض الفناء من الفناء دونك
نُدَون على كف الضباب
اعترافات الهة خجولة
ولا نمضي...
كموعد نلت منه دوني
ايها الدهر
انا ، اليوم، لست وحدي...
انت، وكل السماء والكثير مني
قربي..
نحتسي ما تبقى من انفاس "شامة"
عسل وزفير
نشتهي لونك ، ولا نلتفت اليك
كغيمة من حلوى على حافة هاوية
ايها الدهر
امضي... امضي نحوك لا نحوي
انا والسماء، حدائق مذنبة في اشياء الله...
قصيرة كالوقت ، طويلة كهذا الصباح...
يغرق اسمي في محيط انفاسي، لا ينجوا مني ولا من امواجي. اضيع بين غيوم السماء. تتنهد هي الاخرى ولا تنوح قولي مثلي. تغير مسار انفاسي في صدري. وبأنامل أصابعها، ترسم السماء ممر خفيف يوحد شهيق وزفير الريح ، مد وجزر الطوفان على جلدي.
وتقول: الشمس... هي نار تنام في قلب سماء، لا تخاف الغيوم ولا المطر...
أقول: جلدي بريء مني...
تقول: جلدك مالح، وهذا القصيد خطئ فادح ...
أقول: ما خطأ القهوة ؟
تقول: القصيدة كما القهوة ، خطوة ثقيلة الدرب نحوك دونك ... تخطئ حين لا تمر بمرآة الهوية.
أقول: كيف انجو من شمسي وبركاني؟
تقول: أُكْتُبِيهِمْ... اغنية سومرية، تعويذة هندية، او ذكريات شهيد يتيم .
أقول: لا احب الجمل، لا اطلب الصبار ولا شوكه، ولا اطلب الفناء في المدى.
تقول: اذن اكتب غيوم امسك ونجوم غدك. واكتبي على جلد الغَمام "الشمس والبركان" عنوان.
أقول: ايتها السماء ، فشل الالاه في تربية الوقت في ذهن المؤرخ. و انا فشلت في رعاية اشجار التين و الزيتون على مدى يومي. أليس اليوم احق بالكتابة؟ الغد صدى الأمس. والأمس غيم أعجميا لا يتحدث لغتي...
تقول: أكتب يومك بلغتك... وحَمِلي الشمس والبركان كل التهم وكل الحمم... ليتدفأ العالم ويعم السلام.
أقول: وماذا عنك؟ هل يزرع ام يغرس الالاه؟
تقول: الالاه، بري. ينبت وينمو دون زارع او غارس او حتى ساقي. الالاه ابن الغصن الجالي واللغة ارضه كما السماء.
الساعة العاشرة صباحا وعشر دقائق محشوة ببذور الالاه، تحمل السماء كلها غيبا وغيما، غيثا وغماما. تبتعد عندي متر وعشر خطوات. تقف عند مصرع الباب. لا تحدثني عن الرحيل. تكسر جرة القصيدة نيابة عندي. ولا توصيني بالسلام. ابتسم، فتبتسم، ثم ترحل. وتفتح خلفها الأبواب. يفتح باب الرحيل في وجه العودة وكل المواعيد. يفتح باب الريح في وجه الريح. وباب الايقاع في وجه عازف معتزل. يفتح بابي في وجه بابي ، يفتح على مصراعيه. اعود الى غرفة نومي. امشي حافية القدمين. ادوس على وجه قطرات الماء العشر التي نزلت مني ذاك الصباح. و لا تزال على قيد ارض هي في الحقيقة لم تعد ارضي. التفت خلفي والنافذة مقفلة أمامي، كنت مندهش من شدة خوفي مني. التفت لأقول في وجه تلك القطرات وصدى صوتي داخل غرفتي الفارغة مني يساعدني: لقد عدت، عدت، عدت، عدت، عدت...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت