الأمر لا يتعلق بالنخب الصهيونية بل بتشوه الوعي الجمعي الإسرائيلي

عبدالله عطية شناوة
2024 / 1 / 10

مع كل مقال ينشر في الحوار المتمدن عن جريمة العصر المتواصلة في غزة والضفة الغربية المحتلة، والهادفة الى ذبح أكثر عدد من الفلسطينيين، والأطفال منهم على نحو خاص، وأجبار من يتبقى على قيد الحياة على مغادرة وطنهم، سواء الى صحراء سيناء والأردن أو إلى مجاهل الكونغو، مع كل مقال يتناول هذه الجرائم والمخططات الشريرة، لأقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، تنبري زمرة من المشوشين العرب أو الصهاينة المستعربين، إلى حرف النقاش الى مسارات أخرى، والترويج للرواية الصهيونية عن أن الفلسطينيين، وليس المخططات الصهيونية لبناء إسرائيل من النهر الى البحر، هم السبب فيما يعانونه من كوارث، ويوسعون دائرة التشويش بالحديث عن الطابع الأسلامي لحركة المقاومة الفلسطينية، وعن سوء أختيار الفلسطينيين والعرب للحلفاء، وإعراضهم عن صداقة الغرب وتقاربهم مع المعسكر الشرقي السابق المناويء له.

وهكذا يضعون على أعيننا حاجزا لمنع رؤية المفرمة البشرية المتواصلة منذ السابع من أوكتوبر 2023 حتى الآن، ويشغلون القراء بنقاشات مفتعلة تخرج في غالب الأحيان عن حدود الأدب، وتنحط بالنقاش الى درك المهاترات البذيئة، وعند مجابهتهم بحقيقة دورهم التخريبي يرتفع عويلهم بان يتعرضون لأتهامات ستالينية صدامية بولبوتية، مع أن الموضوع يدور في العادة عن مفرمة بشرية حاول المجتمع الدولي أيقافها عبر أكثر من قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة، ومشاريع قرارات عديدة حازت على موافقة الأغلبية في مجلس الأمن، وأحبطتها بالفيتو الأجرامي، الولايات المتحدة التي يدعون العرب الى التحالف معها.

ويتمسك المشوشون بهذا المنهج التخريبي حتى حين نعرض آراء أكاديميين وكتابا إسرائيليين أحرار، فشلت المنظومة الصهيونية في شراء ضمائرهم مثل الباحث والمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، والكاتب الصحفي الأسرائيلي جدعون ليفي والبروفيسور اليهودي الأمريكي نورمان فيلكنشتاين.
اليوم نعرض لمقال هام للكاتبة الصحفية الإسرائيلية المرموقة عميرا هاس تفند فيه كل الذرائع الصهيونية للتغطية على الطبيعة الأجرامية للأحتلال الإسرائيلي، وتبرز فيه أن المشكلة لا تتعلق فقط بمواقف النخب الأسرائيلية الحاكمة، بل في الوعي الشائه الذي ذرع في أذهان الأسرائيليين على مدى عقود الصراع، والذي ينزع عن الفلسطينيين أنسانيتهم، ويتعامل معهم كفائض بشري يتعين التخلص منه. وإليكم نص المقال ورابطه في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية.

إسرائيل قتلت آلاف الأطفال في غزة
كيف يمكن للعديد من الإسرائيليين أن يظلوا غير مبالين؟

الكاتبة الإسرائيلية عميرا هاس

لقد نشأنا لعقود من الزمن ونحن نعتقد أن القوة العسكرية وحدها هي القادرة على ضمان بقاء الدولة، في حين ننكر حقوق الفلسطينيين. هذه مجرد واحدة من العديد من الإجابات المحزنة على السؤال!
قطاع غزة يُمحى تدريجياً، مع وأهله وأطفاله وابتساماتهم وضحكاتهم.
ما الذي يمكن غالبية اليهود الإسرائيليين من دعم هذا المحو المنهجي والجماعي؟

يقوم الجيش الإسرائيلي بمسح شوارع مدن غزة وأزقة مخيمات اللاجئين، أنه يمحو منتزهات شاطئ غزة وقراها ومناطقها الزراعية. أنه يمحو مؤسساتها الثقافية وجامعاتها ومواقعها الأثرية.

قد تتعرض الأبنية التحتية العسكرية لحماس للتدمير، وربما تدمر بالكامل، ويقتل الالاف من مسلحيها، لكنها ستبنى من جديد وستزدهر، وسيتجدد قادتها في كل مكان تتواصل فيه أعمال محو غزة.

مالذي يبقي أغلبية اليهود الإسرائيليين بعيدين عن الشعور بالصدمة من حقيقة أننا قتلنا في غضون شهرين 7000 طفل فلسطيني (رقم مؤقت) بمساعدة القنابل الأمريكية المتطورة؟
مالذي يجعلهم لا يلهثون رعبا من تزاحم 1،8 أو 1،9 في مساحة لا تزيد عن 120 كيلومترا كــ "منطقة آمنة" تقصف باستمرار؟
مالذي يمنع اليهود الإسرائيليين من الصراخ عندما يسمعون عن جوع وعطش 2،2 مليون مدني فلسطيني، وأنتشار الأمراض بينهم، جراء الإزدحام ونقص المياه وتوقف المستشفيات عن العمل؟
ما الذي يمكّن من هذا المحو وقتل الأطفال بمشاركتنا الإيجابية والسلبية؟
فيما يلي بعض الأجابات:

لعقود من الزمن تعلمنا أن نعتقد أن القوة العسكرية وحدها هي القادرة على ضمان بقاء الدولة وقدرتها على الازدهار، في مع إنكار حقوق الشعب الفلسطيني.
محونا أي ((سياق)) وجعل التحريض كلمة السياق الذي تجري في الأحداث مرادفة لدعم حماس وتبرير فضائعها.
أخترنا عدم النظر إلى الصور التي لا تحتمل لأطفال فلسطين يرتجفون، وجوههم رمادية بسبب الغبار، يجري أنتشالهم من بين الجدران الخرسانية الني يتم قصفها، ولا يعرف هل كانوا هم الأكثر حطا، أما أخوتهم الذين ماتوا تحت الأنقاض؟
القتل الجماعي أو التدريجي الذ مارسناه، منذ سنوات ضد الفلسطينيين، وكل سرقة وإهانة وانتهاك، كان يصلنا معالجا بآلاف الفلاتر الإعلامية والنفسية والأكاديمية، أصبحت نتيجتها ترسخ القناعنة لدينا بأن الفلسطينيين أفضل حالاً من الصوماليين أو السوريين، ولا ينبغي لهم أن يتذمروا.
نتذكر كل مذبحة ارتكبها الفلسطينيون ضد الإسرائيليين، و ننسى كل مذبحة بحق الفلسطينيين على يد الإسرائيليين.
أعتدنا لعقود من الزمن على العيش براحة، بينما على بعد خمس دقائق منا، تقوم إسرائيل، بعبارة أخرى نحن، بهدم منازل الفلسطينيين وبناء منازل لليهود، وتزويدها بالمياه مقابل حرمان الفلسطينيين من مياههم. وكل هذا موثق في تقارير المنظمات الحقوقية: بتسيلم، هموكيد وعدالة.
لعقود من الزمن، تجاهلنا تحذير الفلسطينيين "المعتدلين" من أن الاستيلاء المستمر، بمساعدة الدولة وأدوات عنفها وعنف المستوطنين على أرض الفلسطينيين ومصادرة حريتهم، يضيق آفاق أطفالهم ويولد اليأس والإيمان بالسلاح فقط والانتقام,
تبنينا وجهة نظر عالمية جوهرية: الفلسطينيون إرهابيون لأن هذه هي حقيقتهم، وأنهم ولدوا بجينات تجعلهم يكررهوننا.
قناعتنا بأننا دولة ديمقراطية، على الرغم من أننا نحكم منذ 56 عاماً ملايين الأشخاص دون حقوق مدنية، ونسيطر على أراضيهم وأموالهم واقتصادهم.
لدينا ازدراء عنصري عميق تجاه الفلسطينيين، وهو ما طورناه لتبرير سحقنا لهم معرفيا وفلسفيا.
لإستغراقنا في حالة إنكار للتاريخ الفلسطيني وجذور الوجود الفلسطيني بين النهر والبحر،
تصورنا إن محو غزة أمر ممكن لأننا منذ عام 1994 أضعنا عمداً الفرصة، التي قدمها لنا الفلسطينيون، للتخلي عن بعض سماتنا ككيان نازع ومستوطن، والسماح لهم بأن تكون لهم دولة على 22 بالمائة من المنطقة الواقعة غرب غزة. نهر الأردن، بما في ذلك غزة. و في خضم الحديث عن الفصل العنصري أصبح بعده الديناميكي والنشط والخطير ــ الأستعمار الإستيطاني اليهودي ــ باهتا ومتبلدا. (كما كتبت في تموز ـ يوليو 2021.
بحسب أيديولوجية وسياسات الاستعمار الاستيطاني اليهودي، فإن الفلسطينيين فائضون عن الحاجة. باختصار، من الممكن والمفيد والمرغوب، العيش بدون الفلسطينيين, في المساحة الممتدة ما بين النهر والبحر. فوجودهم مشروط ويعتمد على رغباتنا وحسن نوايانا ــ مسألة وقت ــ.
أيديولوجية "الفائض" هي سم ينتشر بشكل خاص عندما تكون عملية الاستعمار الاستيطاني في ذروتها .. الاستعمار الاستيطاني هو عملية مستمرة للاستيلاء على الأراضي، وتشويه الحدود التاريخية، وإعادة تشكيلها ومن ثم طرد السكان الأصليين.
في ذلك الحين أشرت الى ((فائض)) الفلسطينيين في الضفة الغربية وحذرت من نية طردهم. وافترضت حينها أن النظر إلى سكان غزة على أنهم فائضون يكفي لفصلهم عن شعبهم وعائلاتهم على الجانب الآخر من حاجز إيريز الذي يفصل غزة عن بقية الأرض (إسرائيل والضفة الغربية).
لكن "الفائض" ينعكس الآن في الطرد ( الطوعي ) تحت القصف وينعكس في المحو الجسدي لسكان غزة، وخطط إعادة المستوطنين إليها.

رابط المقال في صحيفة ها آرتس الإسرائيلية
https://archive.ph/JpFaO

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت