عودة إلى مجزرة أنشودة المطر اللحنية

كرم نعمة
2024 / 1 / 9

استعان غيلان نجل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب بمثل إنجليزي يقال عادة لمن يتفوه بالهراء، وهو يرد على المطرب السعودي محمد عبده بعدما لفق معلومات عن سيرة والده، بتواطؤ معيب من محاوره التلفزيوني، مع أن سيرة السياب بقدر ما تم تناولها بالتحليل صارت جزءا من الثقافة العامة، الأمر الذي ينمّ عن ضعف الوعي الثقافي عند المطرب السعودي وهو "يلفق" قصة فارغة عن الشاعر العراقي الراحل مستذكرا "المجزرة اللحنية" التي ارتكبها في تلحين وأداء قصيدة "أنشودة المطر".
كتب بعدها كبير النقاد السعوديين الدكتور عبدالله الغذامي "لا تطلبوا الكلام من محمد عبده فحسبه الغناء"، كان ذلك يكفي لتبديد ما قاله المطرب عن رائد الحداثة الشعرية في العالم العربي. وفي كل الأحوال كشف عبده عن ثقافته الضحلة بشأن شاعر صار ترنيمة التلاميذ في المدارس العربية.
كان من المناسب أيضا استعادة ما سبق أن قاله الغذامي الذي دَرسَ برويةٍ الشعر العربي، عندما لحن وغنى عبده قصيدة "أنشودة المطر" وكان أقرب إلى المنشد، فليس الغذامي وحده الذي لا يرى في محمد عبده مطربا ولا ملحنا، وتمنى لو أنه لم يغن القصيدة لأن الفصحى لا تسلك على لسانه الذي لا يستطيع أن ينطق الجمل الفصيحة فضلا عن دقة مخارج الحروف، فجاءت هذه القصيدة على لسان عبده مخجلة جدا.
ليس الدكتور الغذامي وحده من يقول هذا الكلام النقدي، بل إن عميد الغناء العراقي الموسيقار الراحل عباس جميل وصف عبده بأنه لا يغني بقدر ما يتكلم، وأنه أشبه بإنسان آلي يردد الكلام عندما يغني، وهناك بون شاسع بين الغناء والكلام، لأن الأول فن ولقانة ودربة وتعبير وحس عميق. لذلك يشعر أي من المستمعين إلى غنائه بهذا البون عندما يؤدي لحنا جميلا مثلا، فتبدو القطيعة بين غنائه والجمل الموسيقية المرافقة له، وعندما يصمت عبده يشعر المستمع أنه يعيش في عالم موسيقي ساحر سرعان ما يبدده الأداء الغنائي المرافق له.
وبإمكان أي من المتخصصين في علوم الغناء أن يدافعوا عن هذا الرأي العلمي، فصوت عبده أخنف يخرج من الأنف وليس كاملا من الحنجرة، وطبقته تنتمي إلى "الباريتون" أي الطبقات الوسطى للأصوات الرجالية ونزولا إلى درجات "الباص" أي الطبقة المنخفضة حيث يمتلك طبقة صوتية لا تصل إلى "الاوكتافين" وهي مساحة صوتية لا تؤهله لأداء أغاني "الوحدة الكبيرة" وعندما يتورط في أداء أي من ألحانه على هذه الوحدة يضيع وينطبق عليه قول كبير النقاد السعوديين وعميد الغناء العراقي. وهذا يفسر لنا لماذا يغني بطبقات مستعارة في الحفلات الخاصة.
بوسعي أن أقول إن "أنشودة المطر" من الغنائية الساحرة التي تصيب كبار الملحنين بالذهول، وقد لُحنت في سبعينات القرن الماضي من قبل الملحن جمال فاضل الذي سبق أن لحّن للفنان العراقي حسين نعمة "ما تجينا" واحدة من أروع أغانيه التي كتبها عادل العضاض، لكن حسين لم يجازف في أداء القصيدة، وبقي لحن "أنشودة المطر" عصيا لا تقترب منه الأصوات، وعندما برع الملحن طالب القره غولي في استعادة الوهج الكامن بقصائد السياب بما فيها "سفر أيوب" في صوت سعدون جابر، لم يجازف أيضا في تلحين "أنشودة المطر".
كان الفنان كاظم الساهر من كبار التواقين إلى تلحين القصيدة، وبالفعل لحن مقاطع منها كما أخبرني في حوار منشور قبل سنوات، لكنه توقف بمجرد أن عرف أن عبده سبق أن لحن القصيدة نفسها.
ذلك يكشف لنا الفرق في استلهام تجارب الآخرين عندما يتعلق الأمر بتلحين القصائد. فلو سمع عبده لحن القره غولي لسفر أيوب أو لحن طالب غالي لغريب على الخليج التي أداها فؤاد سالم، لما أقدم على مجزرته اللحنية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت