-التقية- النازية الصهيونية تفصح عن حقيقتها

عبدالله عطية شناوة
2024 / 1 / 2

كنت إلى وقت قصير بين من يعتقدون أن مبدأ "التقية" مبدأ مذهبي طائفي، وأن جماعات وفرق دينية تتعرضت للأضطهاد، أضطرت الى أبتداعه لتدفع عن أفرادها خطر الإبادة على يد الأغلبيات الدينية، لكن الحقيقة التي تبدت صارخة للتو، أن الجماعات السياسية تمارس هذا المبدأ دون أن تجهر بتبنيها له.

الغريب أني كنت أصادف هذه التقية في الحياة السياسية اليومية هنا في اوربا دون أن أنتبه إليها، منطلقا من أنتفاء الحاجة إليها في ظل الأنظمة الديمقراطية التي تسود أغلب بلدان أوربا وامتداداتها الأثنية التي تسمى بالغرب, وساهم "المتقون" السياسيون ببراعة في أخفاء ممارستهم "التقية". فخلال النقاشات كثيرا ما كنت أصادف، من بعض الأوساط، والأفراد، أمتناعا عن أبداء الرأي في كثير من القضايا، منها على سبيل المثال إلتزام السويد مبدأ الحياد السلبي خلال صعود النازية، وتعاون منظومتها السياسية من برلمان وحكومة وملك، مع هتلر، والسماح له باستخدام الأراضي ووسائل النقل السويدية القطارات والشاحنات المحملة بالأسلحة مع القوات العسكري في طريقها الى النرويج المجاورة، لأحتلالها. كما كانت تلك لأوساط واؤلئك الأفراد يتهربون من مناقشة قضايا أخرى تتصل بقصايا الشعوب وحرياتها، وخاصة القضية الفلسطينية.

عملية التهرب تتم بطريقة مهذبة توحي بالتواضع والرصانة، مثل القول بأنا، أو أنني لم أكون رأيا في الموضوع لاني لا أحيط بتفاصيله، وتأريخه وأطرافه وأدوارها التأريخية. أو أنني لست على ما يكفي من المعرفة بهذا الجانب أو ذاك.. وهذا أسلوب في "التقية" يجعلك تنظر باحترام إلى "المتقي" كشخص حريص على الأمانة العلمية والمعرفية ومترفع عن أصدار آراء أو أحكام عشوائية لم يمحصها.

وحين حل السابع من أكتوبر تخلى أولئك الذين طالما امتنعوا عن مناقشة الموقف السويدي خلال الحرب العالمية الثانية، وتهربوا من أبداء موقف من القضية الفلسطينية، تجنبا لأصدار أحكام ((متسرعة)) وآحادية الجانب على أحداث مر عليها العديد من العقود، تخلوا عن ((رصانتهم المديدة)) وحرصهم الزائف على عدم الحكم على تأريخ طويل من الصراعات الشرق أوسطية التي أرهقت فيها أنهار من الدماء، بدعوى عدم توفرهم على ما يكفي من المعلومات لأدانة هذا الطرف أو ذاك، تخلوا عن كل ذلك، ولم يحتاجوا الى أي وقت لفحص الرواية الصهيونية عن أحداث السابع من أوكتوبر، بكل أكاذيبها الصارخة عن قطع أعناق الأطفال الإسرائيليين الرضع وأغتصاب النساء الإسرائيليات وقتلهن، ولم يجدوا حاجة لفحص تلك الروايات والتأكد منها، ورقصوا على أنغام الألماني أولاف شولتز والأمريكي جو بايدن والبريطاني ذو الأصول الهندوسية ريتشي سوناك، في أعتبار ما قامت به المقاومة الفلسطينية في ذلك اليوم جريمة العصر التي تمنح أسرائيل "الحق في الإبادة الجماعية" كما ورد في زلة لسان رئيس الحكومة السويدية.

وأستغل رئيس ثاني أكبر حزب في البلاد، هذا التطور وتداعياته المتمثلة باحتجاجات السويديين من أصول عربية مع بعض السويديين واليهود الأحرار على جرائم أسرائيل، ليصعد من موقفه العنصري ضد السويديين من أصول عربية وإسلامية، ويعتبر تلك الأحتجاجات تأييدا لما يصفه بـ "إرهاب حماس" ومعاداة للغرب، ويبني على ذلك موقفا داعيا الى ضرورة تطهير السويد من أنصار الأرهاب الذين يريدون أسلمة السويد والقارة الأوربية.

وحرص على دبلجة خطاب له طافح بالإسلاموفوبيا وكراهية العرب، يتضمن تهديدات وقحة للسويديين من أصول عربية، حرص على دبلجته إلى اللغة العربية في رسالة واضحة تدعوهم إلى مغادرة السويد. ولم تصدر من أحزاب الحكومة التي تدين بوجودها في السلطة الى ذلك الحزب، سوى أنتقادات خجولة على دعوته الى إزالة المآذن من الجوامع في السويد، وكل الرموز الأسلامية الأخرى. ولم يجر أي تذكير بمبادئ، طالما كانت موضع تغن، مثل حرية الرأي والمعتقد، التي كان يلجأ إليها كلما تمت الإساءة إلى معتقدات المسلمين.

وأنطلق منظرون من نفس الأتجاه في إطلاق بيانات وتغريدات تنفي عن الإسلام صفة الدين، وتصفه بأنه مباديء سياسية مناهضة للدين المسيحي وللسامية على نحو خاص، وترسيخ مثل هذه الفكرة في الأذهان تتيح التعامل مع المسلم كمجرد عضو في جماعة كراهية وتخريب وإرهاب.
وهكذا واصلت النازية المتحالفة مع الصهيونية تواريها عقودا خلف "تقية" عدم المعرفة وعدم الإطلاع الكافي، لتتفجر بكل عنفوانها الشرير بعد السابع من أوكتوبر.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت