نظام عربي من دون سوريا والعراق؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2024 / 1 / 1

في الزمن الحاضر، تحاول كل من السعودية والإمارات وقطر جاهدة لملمة شتات المنطقة العربية ضمن منظومة جديدة تحت توجيهها وهيمنتها، وإلى ما يخدم مصالحها في المقام الأول. مما لا شك فيه أن المنظومة العربية الأصلية قد نشأت في هذه المنطقة وانطلقت منها غرباً عبر مصر ودول المغرب العربي وصولاً إلى جنوب أوروبا، فيما كانت إمبراطورية عربية رائدة أيام الأمويين والعباسيين. لكن مما لا شك فيه أيضاً، من جهة أخرى، أن هذه المنطقة الصحراوية المترامية لكن شحيحة السكان، والضحلة حضارياً وثقافياً، لم تستطع يوماً أن تخدم كمركز أو عاصمة أو رمانة الميزان في المنظومة العربية التي كانت هي ذاتها ملهمتها ومفجرة شرارتها. هذا الدور قد أدته مراكز حضارية عتيدة وعميقة مثل دمشق وبغداد، ودوماً القاهرة في فنائهما الخلفي. فهل تُفلح مهد اللغة- لا الثقافة أو الحضارة- العربية اليوم فيما أخفقت فيه بالأمس؟

قبل الحكم العربي، لم تكن دول المنطقة تنعم بالسيادة والاستقلال الوطني. بل كانت تتبع أنظمة إمبراطوريات أجنبية مثل اليونانية والرومانية والفارسية. وبعد الحكم العربي، انتقل مصيرها إلى المماليك ثم العثمانيين. في قول آخر، كانت منظومة الحكم العربية في عهد الأمويين والعباسيين هي الوحيدة من إنتاج واحدة أو أخرى من دول المنطقة، وكل ما عداها كان مستورداً. كذلك، منذ انقطاع دام آلاف السنين إلى الوراء، ما كانت أي دولة من دول الإقليم في ذلك الوقت قادرة على تأسيس نظام محلي وحمايته، ناهيك عن توسعته ليعم المنطقة كلها كما فعل عرب الجزيرة. وهكذا يمكن الاستنتاج أن هذه المنطقة، منذ الإسكندر الأكبر، كانت دائماً بحاجة إلى سيطرة إمبراطورية عليها لضمان النظام والاستقرار فيها، سواء كانت هذه الإمبراطورية ذات أصول محلية تعود إلى إحدى مناطقها، أو ذات أصول أجنبية آتية من خارجها. وهكذا، كان رحيل الأتراك العثمانيين بمثابة التجربة الأولى منذ آلاف السنين التي تجد فيها دول المنطقة نفسها وجهاً لوجه أمام حكم أنفسها بأنفسها من دون تبعية لمركز إمبراطوري- من داخلها أو خارجها- يضمن تماسكها وانتظام سُبُل الحياة خلالها. ومنذ ذلك الحين، تضرب الفوضى العالم العربي في كل مكان.

والحال كذلك، من دون قوة إمبراطورية خارجية، رجعت المنطقة أدراجها إلى ركائزها الثلاثة الأولى- دمشق وبغداد والقاهرة. ورغم دخول عنصر جديد- البترول- إلى المعادلة، كانت لا تزال دول الخليج، كما في الماضي، غير قادرة على توجيه أو قيادة المنطقة بالكامل. في هذا الإحياء العربي الثاني، لم يكن الدين هو الصرخة الجامعة كما من قبل، بل القومية العربية هذه المرة. تأسست النهضة العربية الحديثة على قاعدة فكرية قوامها حزب البعث في سوريا والعراق والقومية الناصرية في مصر. لكن في الواقع، ما كان هذا الأساس النظري بنفس الدرجة من القوة والمصداقية والانتشار مثلما كان الدين في السابق. في الحقيقة، كانت القوة الباطشة هي المحرك الرئيس من وراء يافطة عروبية براقة. كانت القوة المسلحة هي الشرعية الوحيدة، وحدها التي تستطيع الإطاحة بنظام قائم وتنصيب آخر جديد في محله. وهكذا، أسس النظام القومي العروبي لعناصر هلاكه ذاته حين انتهج القوة الباطشة مكوناً رئيساً لشرعيته.

حين ضعفت قوة الدول الثلاث لأسباب مختلفة، كان من الطبيعي أن يتوالد من داخلها المنافسون والمزاحمون. ولما كانت نفس هذه الدول قد أرست القوة الباطشة المبدأ الأساسي وأحياناً الوحيد لشرعيتها، كان من الطبيعي أيضاً أن يلجأ هؤلاء الطامعون الجدد إلى ذات الوسيلة- القوة الباطشة. هكذا ولدت كافة الفصائل والتيارات والحركات العنيفة والمسلحة والمتطرفة عبر الدول الثلاثة والمنطقة كلها، حتى تغلبت في نهاية المطاف على ضلعي المثلث- سوريا والعراق- وأضعفت قاعدته- مصر. هكذا بلغت المنظومة العربية خلال العصر الحديث نهايتها، وتبعثرت أشلائها بين قوى متناحرة داخل دولها، الذي اضطر وأغرى الثلاثي الخليجي- السعودية والإمارات وقطر- إلى أن يحاول نجدة المنطقة العربية من الضياع والتأسيس لنظام جديد.

واجه النظام العربي الخليجي الجديد تحديين رئيسيين أظهرا جلياً إلى أي مدى يستطيع التقدم نحو غايته. الأول في اليمن، ممثلاً في الحوثيين المدعومين من إيران. والثاني في قطاع غزة، ممثلاً في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) المدعومة أيضاً من إيران. في الحالتين، عجز النظام العربي بقيادة خليجية عن تحقيق أي تقدم يُذكر في هذين الملفين محل التنازع بين النظام العربي من جهة وإيران في المقابل. أكثر من ذلك، حتى الركيزتين المحوريتين للنظام العربي قديماً وحديثاً- العراق وسوريا- هما الآن وبدرجة كبيرة تحت رحمة وهيمنة ونفوذ الإيرانيين- لا السعوديين أو الإماراتيين أو القطريين.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت