تجربة طوفان أستاذية العالم (2)

عادل صوما
2023 / 12 / 29

الحرب الدائرة في غزة هي حرب بالوكالة بين إيران والسعودية/الولايات المتحدة لتعطيل توّسع نطاق ازدياد تطبيع الدول السُنية مع إسرائيل، واجهاض الحل الأميركي/السعودي/الإسرائيلي لمشكلة الفلسطينيين، وبالتالي الوصول إلى السلام الإبراهيمي والتعاون الاقتصادي بين دول الشرق الأوسط كافة.
تورطت إسرائيل في هذه الحرب بسبب عملية السابع من أكتوبر على أراضيها، التي لم تحاول اجهاضها قبل حدوثها كما يقول محللون، ويستحيل أن يكون هدفها تحرير فلسطين أو تحريك القضية، كما هو واضح من نتائج سياسة عقليات بناة الأنفاق، فالقضية الفلسطينية عالقة من الأساس بسبب اختلاف الفلسطينيين أنفسهم بين بعضهم بعضاً، وبسبب عدم اتفاق أوصيائهم على أي حل، خصوصاً بعد دخول الشيعة طرفاً في هذا الصراع لفرض سطوتهم.
العالم يشهد طوفانيّن يعملان على تعطيل الوصول إلى حل سلمي واقعي في منطقة الشرق الأوسط؛ "أستاذية العالم" صاحبة الأهداف المحلية والدولية المعروفة، و"أستاذية الشرق الأوسط" في طهران التي تريد فرض نفسها كقوة إقليمية جديدة، يُحسب لها حساب هي جمهوريات دولة الفقيه.
تلفيق واستخفاف
إذا رجعنا لأول أخبار عملية السابع من أكتوبر، سنجد أن زعماء "حماس" خارج غزة قالوا انهم لم يعرفوا بهذه العملية قبل حدوثها وكانت مفاجأة لهم! وما قالوا يقع تحت بند التلفيق، أو ردة فعل سيكولوجية لأفراد أدمنوا التآمر والعمل تحت الأرض لصالح آخرين. والملفت للنظر أن عدة أجهزة استخبارات خصوصاً المصرية، أكدت انها ابلغت إسرائيل بحدوث "عمل كبير" من "حماس" ضدهم قريباً. التحذير لم يحرك إسرائيل التي كانت تؤمن بعدم معقولية سيناريو عسكري كبير على أراضيها، لا تستطيع "حماس" عملياً ولوجستياً تنفيذه.
عملية السابع من أكتوبر حسب القانون الدولي لا تدخل ضمن نطاق المقاومة المشروعة لمحتل، بل هي خطف أفراد مدنيين وعسكريين بعيداً عن ميدان القتال، واعتداء على حدود دولة مجاورة.
أُملي على "حماس" رفض خطة ارجاع الأسرى، وهذه الخطوة لو تمت قبل بدء العملية العسكرية الإسرائيلية، أو بعد أول وقف لإطلاق النار، لكانت وضعت إسرائيل في موقف لا يتيح لها التمادي في حربها، وأوقفت الخراب والتهجير اليومي، وأسقطت حكومة نتنياهو، لكن يبدو أن أوصياء "حماس" عندهم رأيا آخر.
واقعية وأسئلة
من ناحية أخرى، رفضت "حماس" و"الجهاد" التخلي عن السلطة في قطاع غزة، مقابل وقف دائم لإطلاق النار، حسب ما اقترحت مصر المحسوبة على التيار السُني، وتصّر قيادات الحركتين على أن مستقبل قطاع غزة بعد الحرب يجب أن يقرره الفلسطينيون أنفسهم وليس وفقاً لإملاءات خارجية، وفي الوقت نفسه يطلبون المساعدة من العرب والأجانب، وهو أمر غير واقعي لأن من يساعد يُملي شروطه، فالدول ليست جمعيات غير ربحية.
ما الغرض من إطلاق حرب اليوم الواحد والمقاومة بعد ذلك من الأنفاق، وتلقي الغزاويون ضربات حرب طويلة موجعة؟ هل تستطيع "حماس" بمفردها اتخاذ هذا القرار أو التدريب على تنفيذه بمفردها؟
تدويل الصراع
ما الغرض من اغتيال إسرائيل لمسؤول إيراني من الحرس الثوري داخل سورية في معمعة حربها في غزة؟ ما غرض دخول الحوثيون على الخط وتحرك "حزب الله" المحدود حتى اليوم وهما طرفان شيعيان إيرانيان؟
"حزب الله" يخشى دخول مواجهة كبيرة مع إسرائيل، ويكتفي بإلقاء صواريخه من داخل الحدود اللبنانية حتى اليوم، لأسباب تتعلق بمكاسبه التي حققها في لبنان والخطوات الناجحة التي ينفذها لتحويل البلد إلى جزء من جمهورية الفقيه.
الحوثيون الممولون من إيران دخلوا أيضا على خط الحرب الدائرة، بتعطيل التجارة الدولية في البحر الأحمر، واجبار سفن الحاويات العملاقة على الإبحار حول طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف حوالي عشرة أيام إلى رحلاتها، التي تبلغ من 20 إلى 30 يوماً تقريبا، والأمر يحتاج إلى مزيد من الوقود، والمفارقة أن العدد القليل من الشركاء في فرقة العمل في القوة الحربية الدولية يتناقض مع مستوى القلق والالتزام الدوليين بشأن هذه المشكلة.
هناك كثيرون متضررون لكنهم كما يبدو لا يريدون أن يتم ربطهم بالولايات المتحدة المتعاطفة بشكل كامل مع إسرائيل.
رغم عدم وضوح ما يتعلق بخطوات الحوثيين و"حزب الله" والإيرانيين التالية، المؤكد بعد دخول الحوثيين كطرف في صراع "حماس" مع إسرائيل انهم جعلوا أنفسهم قوة ضد إسرائيل، ومجموعة يمكن أن تضّر النظام العالمي اقتصادياً. أي حولوا التآخي مع الصراع من تظاهرات في شوارع العالم الغربي وفتح الجدل المستعر في جامعاته ومنتدياته لمساندة "حماس" أو إسرائيل، إلى شيء أهم هو هزّ النظام العالمي، أو دفع قوى أخرى إلى التدخل عسكرياً لتمنع خطف السفن.
النار وقصر النظر
إيران تلعب بالنار، سواء بدفع "حماس" لشن حرب اليوم الواحد أو دفع الحوثيين إلى القيام بما يفعلوا عند باب المندب، ولا أحد يدري إلى أين ستصل الأمور الخطيرة؟
هل راهنت "حماس" على حلفائها لبدء حروب من جميع الجهات وإطلاق حرباً إقليمية ضد إسرائيل بالتزامن مع اشتعال غزة والضفة؟ أم أن "الأوصياء" تريثوا بعد التحرك العسكري الأميركي الواضح؟
هل ستعالج إسرائيل قصر نظرها السياسي بتوسيع إنشاء المستوطنات وتقوية "حماس" ضد السلطة عوضاً عن الإسراع بحل الدولتين، وهو الأنسب لأمنها وأمن المنطقة كلها؟
يستحيل أن تعيش دولة في حالة حرب أبدية، وحسناً فعلت إسرائيل بكل الاتفاقات التي وقعتها مع دول الجوار السُنية، فلماذا لا تفعل ذلك مع الفلسطينيين حتى لا يتشعب الصراع ويتعقد أكثر؟
هل ستحمي القبة الحديدية فعلاً إسرائيل من الصواريخ الشيعية التي تزداد قوة ومدى وتحاصرها؟ وهل يمكن أن تحارب إسرائيل إيران مُحركة وراعية القوى المعادية لها حالياً في الشرق الأوسط؟
المستقبل القريب سيجيب على هذه الأسئلة.

*لم ألغ أي تعليق على مقالي الأول عملا بحرية النشر، التي يلتزمها موقع "الحوار المتمدن" نفسه، رغم أن أحدهم وصفني بالغبي، وآخر قال انني أرمغدوني، وثالث قلل من شأني لترديد أفكار صدئة مهترئة.
أنا لم ولن أثير عطف الناس بدم وأشلاء أهالي غزة، لأنني أذكر وقائع وتاريخ، وعواطفي تجاه ضحايا الحرب لا مجال لها للنشر، كما انني لا أرتزق من أي جهة لكي أؤيدها.
ربما أكون مخطئاً أو مصيباً فالأحداث تتغير كل ساعة. وأتمنى فعلا أن يكون أي تعليق يمثل إضافة أو تعديل أو نقد موضوعي لما كتبته، وليس مجرد تنفيس عن مكبوت.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت