يا أنا يا بطاقة التموين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 12 / 27

"البطاقة ترجع مكانها تاني،" هكذا تشدد عليَّ زوجتي كل مرة أذهب باكراً لصرف حصة الأسرة من الخبز المدعوم. "لو مش عايز ترجع، أنتَ حُر. بس البطاقة لازم ترجع تاني. دي مفهاش كلام". بهذه البطاقة السحرية، أصرف رغيف الخبز بسعر 5 قروش، بينما سعره الحقيقي خارج البطاقة يتراوح بين 150 إلى 500 قرش. وأصرف يومياً 20 رغيف. احسبوا الفارق وستعرفون سر المنزلة العزيزة لدى كل ربة بيت مصرية. علاوة على ذلك، هناك حصة تُقدر بعدة مئات من الجنيهات لكل أسرة مصرية تأخذ مقابلها سلعاً مثل الزيت والسكر والأرز وخلافه، دون أن تدفع قرشاً واحداً. "آهي سلع ببلاش، نسيبها ليه؟ مش حقنا؟ وبتوفر علينا أد كدا لو اشتريت من بره". مؤخراً شهدت مصر توسعات عمرانية فاخرة مثل مدينتي، تجمع سكني فاخر شرق القاهرة مُحاط بتجمعات سكنية ليست أقل فخامة مثل الرحاب والتجمع الخامس في القاهرة الجديدة ومثلها بمدينة الشروق، إضافة إلى أحياء الأثرياء في العاصمة الإدارية الجديدة أقصى الشرق. وأتساءل: هل تحظى ميزة البطاقة التموينية هناك بنفس المكانة والسطوة في حياة المواطنين مثلما في بقية ربوع القطر المصري، لدرجة تجعل تخيل الحياة من دونها مستحيلة؟

بدأت الحكاية عندما خَلُص الزعيم الشعبي المحبوب جمال عبد الناصر في الخمسينيات إلى هذه الحقيقة: أنتم يا معشر المصريين جَلُكم جهلة وأغبياء لا تعرفون مصلحتكم. وإذا صادف وعرفتم، لن تستطيعوا أبداً بلوغها بوسائلكم الفقيرة. إذن، خليكم أنتم في حالكم، فقط اشتغلوا وكلوا واشربوا وتزوجوا وأنجبوا وغنوا وارقصوا وافرحوا. هذا هو أقصى ما تستطيعون. واتركوا لنا الفهم والمعرفة والسياسة والتخطيط والإدارة والتنفيذ، كل ما يتطلب بُعد النظر والرؤية الاستراتيجية والقدرات التنفيذية الواسعة التي بالطبع تنقصكم. ثم بدأت الخطط الخمسية تتوالى على بر مصر واحدة تلو الأخرى. وكان من إحدى بنات أفكارها هذه الملعونة- البطاقة التموينية- التي باتت ترى فيها زوجتي أماناً واستقراراً أكثر حتى مما تراه في زوجها وأب عيالها.

الحكومة- زيادة على الحكم- هي أيضاً الجندي والشرطي والصانع والتاجر والمزارع والمصرفي والإعلامي والصحفي والمؤلف والمنتج والممثل والمغني وربما حتى الراقصة كذلك. الحكومة هي كل شيء. كان أمين الجمعية التعاونية بقريتي ابن أخت جدتي لوالدي. كانت ترسلني إليه بمحل عمله، لأجد زحاماً كبيراً وأصوات خشنة عالية. بطريقة ما، انسل من بينهم حتى يراني. وبمجرد أن يلمحني أتسلل نحوه من بين سيقانهم، يشير إلىَّ بالعودة من حيث جئت. هذا كل شيء. لقد صلت الرسالة. بعد الظهر ودوام العمل، كنت أرى الكراتين موضوعة بين قدمي جدتي وهي توزع غنيمة من الدجاج والأسماك. كيف وصلت الكراتين؟! وهل أخذ مثلها كل المتراصون في طوابير أمام الجمعية؟ هل المنظومة معطوبة؟ ما حاجتنا إلى دجاج مُجمد مذاقه مثل البلاستيك وبيتنا مليء بالدواجن النابضة بالحياة التي أحصد بيضها ورقابها بيدي؟ وأسماك روسي؟! هل فعلاً خلت ترعنا وبحيراتنا وبحارنا من الأسماك؟ كنت اصطاد السمك حيٌ يَلعب بنفسي. ما حاجتنا إلى هذا الروسي؟ هل ثمة قصور في المنظومة؟!

لكن في أحياء مثل الزمالك وجاردن سيتي والمعادي، هم لا يربون في بيوتهم الطيور، عدا أن تكون طيور الزينة التي لا تؤكل. ولأن الدولة تضع خطة واحدة لكل الجمهورية، لا تفرق بين زيد وعبيد أو منطقة وأخرى، كانت العدالة الاجتماعية تقتضي أن تُصرف لمواطن القرية نفس الحصة التي تصرف لنظيره في المهندسين أو بولاق أبو العلا. وبصرف النظر عن مدى الاحتياج الفعلي لهذه السلع، لا يوجد منفذ آخر للحصول على هذه الأساسيات غير منظومة الجمعية التعاونية التي أنشأتها وتديرها الدولة. فإذا لم تحصل على حصتك من الأرز والزيت، والدواجن والأسماك، من هناك، لن تجد مكاناً آخر يبيعها لك. لأن الدولة تحتكر السوق بالكامل وتحظر رأس المال الخاص بحجة محاربة الرأسمالية الإمبريالية. لكن إذا كنت من الواصلين وذوي الواسطة والمحسوبية، ستتمكن بطريقة أو بأخرى من تلبية احتياجاتك الأساسية، بل والحصول حتى على كماليات لا تُباع إلا في أغلى وأفخر الأسواق الأوروبية والعالمية، عبر ما يُسمى السوق السوداء. وللمفارقة، كانت معظم بضاعة هذه السوق السوداء هي ذاتها المخصصات التموينية التي كان يُفترض أن يتم توزيعها مدعومة، بأقل من ثمنها الحقيقي، على المواطنين! هل ثَّمة فساد في المنظومة؟!

أرز الجمعية أرز وحش، وسخ. بس كنا بنجيبه برده. أمال يعني، نسيب حقنا يضيع؟! بس كنا بنرميه للفراخ، لا نأكله، لتأكل هي منه ما تشاء وتتغوط على ما يتبقى ونرميه مع الكناسة وسط روث الماشية الذي نُسَمِّد به الأرض قبل الزراعة. الحكومة كانت جادة معنا في وعدها بالتخلص من الإقطاع. طردتهم شر طرده ووزعت أراضيهم على الفلاحين. ولكيلا تُفسد الزراعات غير المتوافقة معاً بعضها الآخر، قسَّمت ملكيات الفلاحين الصغيرة إلى زمامات كبيرة حتى يَسهل، مثلاً، رعايتها والعناية بها ومكافحة الآفات عبر استخدام وسائل حديثة مثل الماكينات الكبيرة والطائرات. لغاية كدا حلو. لقد مَلَّكت الحكومة الفلاحين أرضاً كانوا أجراء عليها في الماضي ونظمتها لهم في حوائز كبيرة، ووفرت لهم الأسمدة والمبيدات وتسهيلات أخرى حتى يتمكنوا من زراعتها بنفس القدرة والكفاءة مثل الإقطاعيين الغابرين ذوي الإمكانيات والقدرات الضخمة. لكن هذا لم يكن كل شيء. لقد مضت الحكومة أيضاً إلى احتكار شراء المحاصيل من الفلاحين، بالسعر الذي تحدده هي. وكيف تكون مالك لشيء لا تملك التصرف في إنتاجه؟! وإذا فقدت لهذا الاحتكار كل عائدك من الإنتاج، هل يتبقى للأصل-الأرض- قيمة؟! أنت تتملك قطعة أرض، تزرعها، ثم تتنازل عن المحصول بالكامل لطرف ثالث دون مقابل عدا حصتك المقررة في البطاقة التموينية. بينما المالك هو من يملك الأصل (رأس المال+ أدوات الإنتاج) والعائد (الربح المتأتي من استغلال الأصل) معاً؛ والأجير (العامل) هو من يتقاضى أجراً نظير جهده المبذول في عملية الإنتاج؛ فبماذا نُسمي المالك الذي لا يملك التصرف في العائد (الريع) من أملاكه؟! هل ثَّمة شيء مفقود؟

كنت بنفسي، تنفيذاً لأوامر من هم أكبر وأكثر دراية مني، أملئ أشولة الأرز بالوسخ والتراب والحصى والرمل. وكان جدي يُقَسِّم المحصول إلى ثلاثة أنصبة. أحدها، حوالي النصف، وسخ- ثلثه تقريباً أرز والباقي أوساخ- مُخصص للتوريد للحكومة. والنصيبين الآخرين، النقيين مثل الذهب الخالص، واحد لاستهلاكنا والآخر للبيع بسعر عادل في السوق السوداء لسد مصروفات الأسرة وتلبية احتياجاتها الأخرى التي لا تلبيها البطاقة التموينية، أو تلبيها لكن بشكل غير صالح للاستهلاك الآدمي.

مرت الأيام والسنين العجاف وماتت الخطط الخمسية بالسكتة القلبية وتحول دور الحكومة من "الكل في الكل" إلى مجرد "واحد بس فوق الكل". أصبحت مجرد طرف واحد بين كثيرين، لكنه المهيمن والمتحكم فيهم كلهم. فتوة الحارة. كل اللي عايز يشتغل، يشتغل. وكل اللي عايز يعمل حاجة يعملها. لكن خلوا بالكم جيداً. أنا شايف الكل ومراقب الكل كويس أوي. ويا ويله وسواد ليله اللي يحاول يخرج عن الصف أو ما يدفعش الإتاوة وفروض الطاعة في مواعيدها.

لكن رغم كل هذا التغيير، بقيت البطاقة التموينية أثراً ربما حتى أكثر صلابة ومتانة من الأهرامات وأبو الهول، وبالتأكد أعظم قيمة وأهمية في عيون الأغلبية الساحقة من ربات البيوت المصريات. مهما بلغ بطش وجبروت الحاكم، بس يجي لحد البطاقة ويكسكس للوراء. لماذا؟! هل ثَّمة خطبٌ ما؟! ربما لست أنا وحدي المهددة حياته مع زوجته إذا ما أضعتُ بطاقة التموين؟! هل يكون هذا هو أيضاً حال الحكام المصريين منذ عبد الناصر، وربما حال المصريين جميعاً؟! هل أصبح مصير البلد معلق على حتة بطاقة؟!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت