تجربة طوفان أستاذية العالم

عادل صوما
2023 / 12 / 23

من يعرفون قراءة الصور، لابد انهم لاحظوا التنظيم الممتاز وراء التظاهرات التي عمت كبريات عواصم العالم، ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد "حماس" في غزة.
تنظيم دقيق وأعلام فلسطين الموحَدة القياسات وهتافات مُوَحَدة المعاني والإيقاع رغم اختلاف اللغات، ووجود شخص واحد ملتح أو نصف محجبة تردد الهتافات والجميع يرددون وراءه أو وراءها، ومشاركة أعداد كبيرة من غير الناطقين بالعربية.
كل هذه الامور العملية تنفي صفة التعاضد الإنساني مع الضحايا أو العفوية عن التظاهرات، أو حتى مجرد العويل لجذب انتباه العالم إلى ما يحدث، ويؤكد وجود تمويل وأهداف أخرى لها، فالمتظاهرون الذين يعانون الغلاء وارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة المنتشرة في الدول، وتركوا همومهم أو أعمالهم، على سبيل المثال، في شرقي أميركا وسافروا إلى نيويورك وواشنطن، يستحيل أن يكونوا قد اشتروا تذاكر الطائرات، ودفعوا ثمن الاقامة في الفنادق واشتروا أعلاما من محلات بيع التذكارات من أجل "حماس". فمن هي الجهات الممولة وما هو القصد من وراء التجمهر؟
لماذا غزة؟
التظاهرات نفسها بواسطة المتكلمين بالعربية مثيرة للتساؤل والريبة، فلم يتظاهر اليمنيون في أي دولة في العالم منذ سنوات على أمواتهم الذين بلغوا حتى اليوم حوالي 377 ألفاً، ناهيك عن المعاقين وتدمير مدارس ومساجد ومستشفيات في حربهم ضد خادم الحرميّن الشريفيّن.
لم يتظاهر السودانيون على ما يحدث في الخرطوم وغيرها من مدن ضد المرتَزِق حميدتي وميليشته، أو ضد مصالح الإمارات في ذهب السودان وميناء سواكن، أو ضد تهجير حوالي أربعة ملايين سوداني سواء إلى أماكن أخرى داخل السودان أو إلى دول الجوار.
لم يتظاهر اللبنانيون غير الشيعة ضد "حزب الله" حاكم لبنان الفعلي بالترهيب بميلشيته علانية، بل تظاهر اليمني والسوداني واللبناني ورفعوا عقيرتهم استنكاراً لما يحدث من عمليات عسكرية إسرائيلية ضد "حماس"، التي حوّلت غزة إلى معسكر حربي وتحتمي بالمدنيين وتتخذ من المستشفيات والمدارس والمساجد دروعاً، ولا تبالي بالضحايا الذين لا ينتمون لها ولا تدافع عنهم، كما قال صراحة بعض زعماء "حماس" الذين يديرون أعمالهم وتجارتهم في تركيا وقطر وغيرهما. قال هؤلاء الزعماء الذين لا يحارب أحد من ابنائهم في شوارع غزة أن مسؤولية حماية أهل غزة تقع على إسرائيل والأمم المتحدة. وجود الانفاق كما يُفهم من هذه التصريحات العلنية، ليس لحماية المدنيين من القصف الجوي الإسرائيلي بل لمقاتلي "حماس" فقط.
لا احتفالات
كما لم يحدث في أي حرب من الحروب أن أفسد المتظاهرون ضد طرف فيها احتفالات بأعياد بسبب حرب تحدث في مكان آخر غير المكان الذي يعيشون فيه.
أفسد المتظاهرون عن سابق تصوّر وتصميم احتفالات إضاءة شجرة الكريسماس في مدن مختلفة في الغرب، وهتفوا وراء قائد التظاهرة هتافاً موّحَدا في معظم دول العالم no celebration until Palestine liberation، وبالتداعي يمكن أن يتساءل المرء رغم إثم بعض الظن: هل كان وقوع شجرة الكريسماس العملاقة في البيت الأبيض مجرد صدفة تعيسة لرئيس أيد الحرب الإسرائيلية على "حماس"؟
جاهلون ومشركون
"أستاذية العالم" من المفاهيم المؤسِسة لما يقولون عنه إسلام سياسي متطرف، وسواء كانت الفكرة وهما مستحيل التحقيق كما يقول بعض دارسي هذه الظاهرة، أو واقع يريدون تنفيذه، وهم فعلا نجحوا حتى الآن في كل خطوة نفذوها، تقول أدبيات هذه الأستاذية أن المنتمين لها توصلوا للإسلام الحق، وأن الآخرين (المسلمون) في ضلال سواء كانوا عصاة أو جاهلين بصحيح الدين، ما يبرر قتلهم شرعاً، وفي سلة المفاهيم هذه يجوز من باب أولى قتل المشركين المنتمين للأديان الأخرى.
منذ نشوء جماعة "الإخوان المسلمون" يُنشر هذا المفهوم المؤسِس، لكنه لم ينل الشعبية التي عليها اليوم، لأن الإخوان المسلمين لم يكونوا بهذه الكثرة وقوة التمويل والتغلغل المؤسساتي، الذي سمح لهم بتحويل مجرد جماعة مصرية محلية إلى العالمية، فدول الشرق الأوسط كانت تعيش في بحبوحة وحرية وفي ظل بقايا التنوير الذي نشره المستعمر، قبل سلسلة الإنقلابات العسكرية التي قامت شرعيتها على شعار تحرير فلسطين من الكيان الصهيوني، وتفعيل دور رجال الدين لدعمها.
الأمر يعني أن رفض فكرة وجود دولة إسرائيل، واليهود في دول الشرق الأوسط غير مقبولة عند الرؤساء ورجال الدين معاً، والدليل هو انقراض عدد اليهود في كل دول الشرق الأوسط عقب قيام دولة إسرائيل، وهجرة حوالي ثمانمئة وخمسين ألفاً منهم، بعد التضييق عليهم، لدرجة أن أيقونة الغناء المصري ليلى مراد لم يشفع لها إسلامها وزواجها من مسلم، واتُهمت بالتبرع لدولة إسرائيل ولم تثبُت عليها الوشاية الدنيئة، وعاشت بقية حياتها رغم ذلك منزوية في منزلها بعد إنقلاب 1952 في مصر.
عربياً ودولياً
بعد هذه الانقلابات وفشل سياساتها خصوصاً الاقتصادية والاجتماعية، زاد عدد الشباب المحبطين الغاضبين بسبب قلة فرص العمل والتخلف والفساد والمحسوبية وعدم تطور المجتمعات للأفضل والغلاء والعشوائيات، فأصبحت هذه البيئة الإنسانية حاضنة الأفكار الراديكالية وفكرة استخدام العنف بالمطلق، وانتشر تسونامي فتاوى القتل والخروج على المجتمع الكافر وتكفير الحاكم، وأسس أصحاب فكرة "أستاذية العالم" بعد سيطرتهم على دور العلم والوزارات والمساجد والنقابات والإعلام والرياضة في دول الشرق الأوسط، مراكز لهم في الغرب لتسيطر على المؤسسات نفسها، مستغلين الحريات والمساواة والديموقراطية والإيمان بالتعددية، وتلقفوا الشباب المسلمين المحبطين المهاجرين ليزرعوا فيهم أفكار عدم الإنتماء للمجتمعات الكافرة رغم انها آوتهم وأعتطهم فرصاً أفضل، وهكذا أضفوا ما يصف به الإسلام غير المؤمنين على الدول.
القاسم المشترك
ما الذي جمع أصحاب "أستاذية العالم" باليساريين والمثليين والليبروفوضويين* وجعلهم تحالفاً ضد الدول الغربية، وكان التحالف واضحاً جداً في التظاهرات في أوروبا وأميركا ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد "حماس" في غزة، رغم تنافر المفاهيم المؤسِسة لدى كل فريق منهم؟
كره القيم الغربية ومحاولة تقويض دول الغرب، وتمويل أشخاص نافذين في الإعلام لإطلاق مصطلح يميني متطرف على أي "قومي" أدرك أهدافهم وحاربهم سياسياً وليس دينياً، ورُوج للتطرف في الإيمان بالوطن والخوف عليه على كونه صفة سيئة.
لماذا شارك اليساري والمثلي والليبروفوضوي في المظاهرات الصاخبة ضد عمليات إسرائيل العسكرية في غزة رغم أن "حماس" مُصنفة كمنظمة إرهابية في الغرب، وصاموا عن التظاهر في السعودية والقاهرة وقطر واليمن والسودان؟
لأنهم حلفاء مع الاخوان المسلمين ويشاركوهم في ما يتظاهرون ضده، وكما يبدو أن أصحاب فكرة "أستاذية العالم" قد قُلمت أظافرهم في دولهم وطالت بشكل كبير في الغرب.
استشعار مستقبلي
التظاهرات ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة في أوروبا وأميركا واستراليا، لم تكن بالكامل لصالح ضحايا الحرب المخيفة الدائرة، لأن نسبة كبيرة من أهل غزة واقعياً مشاريع استشهادية ليستمر بزنس "القضية" ويتذكرها العالم كل مدة، ويُزاد وهج زعماء "القضية" في النفوس المتحمسة للموت أو القابلة للإنفعال والهلوسات الدينية.
كانت التظاهرات تجربة استشعار مستقبلية لنجاح تحركات أصحاب "أستاذية العالم" في الميادين الغربية هذه المرة لفرض أفكارهم، وإفساد أعياد الآخر واجباره على التحسر على ضحايا لا ينتمي إليهم، ولهم في مليونيات ميدان التحرير تجربة مذهلة في استقالة الرئيس حسني مبارك، وفي ميادين أخرى لسقوط رؤساء عرب آخرين.
التظاهرات، وما قاله أعضاء سياسيين في أحزاب غربية أو كونغرس أميركا، عن تأييدهم لإرهاب 7 أكتوبر بواسطة منظمة "حماس"، الذي دفع الإسرائيليين للإنتقام بهذه الطريقة، كان أصدق مما قالوه لصالح ناخبيهم الغربيين السذج، أو الدول التي صنعت منهم أعضاء كونغرس وسياسيين.
وصلت حدود التأييد حتى قبل بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تأسيس موقع "كونغرس فلسطيني داخل الكونغرس الأميركي" الذي كُشف عنه في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام أخيرا. كما وصلت بعد بدء العمليات إلى مطالبة رشيدة طليب عضوة الكونغرس الأميركي بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وليس تحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب 1967، ناهيك عن امتناعها عن التصويت داخل الكونغرس على دعم حق إسرائيل في الوجود
ما قالته وفعلته عضوة الكونغرس طليب مخالَفة سياسية وتجاوز صريح للقانون وتحريض ضد سياسة أميركا الخارجية التي وافقت رسمياً على قيام دولة إسرائيل ولها تمثيل ديبلوماسي فيها، وتُصنِف "حماس" كمنظمة إرهابية، كما انه مخالِف لقوانين للأمم المتحدة التي تعترف بإسرائيل كدولة ذات سيادة.
لكن هذا الأمر لم يمنع رشيدة طليب من قول ما صرحت به، لعلمها يقيناً انها تخاطب متحمسين ينفعلون مع الصوت العالي ولا يفقهون ما يُقال، وتعيش في ديموقراطية بلا حدود وصلت إلى حد "توجيه إنذار" فقط لها. لكن ما قالته وفعلته يدخل ضمن نطاق تجربة استشعار غرض آخر في نفس أصحاب "أستاذية العالم"، وليس تحرير أراض احتلتها إسرائيل سنة 1967 أو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.
انتهز خليفة المسلمين رجب إردوغان المنافق صاحب المصالح الإقتصادية مع إسرائيل الفرصة كأحد أستاذة العالم، لكنه كان حذرا إذ (نبّه) كما قالت وكالة أنبائه التركية ولم (يحذر) الرئيس بايدن إلى "العواقب الإقليمية والعالمية السلبية للحرب في غزة"، التي يبدو انه غير معارض لها في العمق لكنه "أكد أن تكثيف الهجمات الإسرائيلية وإطالة أمدها يمكن أن تكون لهما عواقب إقليمية وعالمية سلبية".
هذه العواقب السلبية من دول لا قيمة علمية أو اقتصادية أو تكنولوجية لها، هي المزيد من التظاهرات والتخريب وإفساد المناسبات والتحريض على الدول، بوساطة روبوتات "أستاذة العالم" وكل حلفائهم.
وراء الحماسيات
التصريحات والتظاهرات وإفساد المناسبات نجاح حققه أصحاب فكرة "أستاذية العالم" وكل حلفائهم ضد قيم الغرب، وتجربة ناجحة يمكن تكرارها في المستقبل لطموحاتهم، إذا لم تفق دوله من أضغاث أحلام قوة "التعددية".
من أجل حياة الدول، يجب وضع حدود للديموقراطية وأسوار يستحيل تخطيها للحرية، فالديموقراطية المطلقة والحرية المنفلتة أخطر ما تواجهه دول الغرب.

*الليبروفوضوية مصطلح يجمع بين الليبرالية والفوضوية. الليبرالية أو الحرية المطلقة تؤدي إلى الترهل الفكري ثم اضطراب التفكير فالفوضى، فما الذي يغضب المثلي من دولته التي أعطته حق الزواج بمثلي؟ وما الذي يغضب اليساري من دولته التي تؤمّن فرص عمل لكل مواطن ومهاجر وتغطيهم صحياً؟ وما الذي يغضب الليبرالي بالمطلق من حرية التعبير التي تمنحها له دولته؟ وما الذي يُغضب الليبرالي العَلماني تحديدا من دولته التي جعلت الإيمان داخل كنائس لا شأن لها بالسياسة؟ وما الذي يغضب الإخواني من دول أجنبية كفلت له حق تأسيس حزب يؤمن بتقويض الدولة نفسها وإعلان الخلافة، بينما وطنه لا يكفل له هذا؟ وما هي القيم الأهم التي ستحل محل قيم الغرب لو انهار وجاء الحلف المذكور إلى الحكم؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت