في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان...

حميد الكفائي
2023 / 12 / 20


مرت 75 عاماً على إعلان العاشر من كانون الأول (ديسمبر) يوماً عالمياً لحقوق الإنسان، وهو اليوم الذي تبنت فيه الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تمر الذكرى هذا العام بينما يعيش مليونان وثلاثمئة ألف فلسطيني في قطاع غزة تحت القصف العشوائي الإسرائيلي، الذي قتل منهم حتى الآن ما يقارب العشرين ألفاً، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، بينما الدول الكبرى، التي تتحدث عن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وتقرّ القوانين للرفق بالحيوان، تردد "من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها"!

هل يمتد حق الدفاع عن النفس إلى الآخرين؟ أم أنه حق حصري لإسرائيل، التي تقودها حكومة، هي الأكثر تطرفاً وتعصباً وتمسكاً بخرافات تأريخية في العالم المعاصر؟ بل إن تعصبها امتد لأن يصف مسؤولوها الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"!

لكنها مع ذلك تحظى بدعم الدولة التي تقود العالم الحر وتسعى لنشر الديموقراطية في العالم وتلوم الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وكوبا على عدم الالتزام بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان!

العالم الحر يعيش أزمة أخلاقية مريعة، بل إن وصف "الحر" لم يعد ينطبق على الدول التي تدعيه، بل يحتاج إلى إعادة تعريف، وهل العالم الحر حرٌّ فعلاً، أم أنه أسير لفكرة أو جماعة ما؟ لماذا لا يستطيع أي مسؤول أميركي أو بريطاني أو ألماني أو فرنسي أن ينتقد إسرائيل التي تقتل الأطفال والنساء في مخالفة صريحة للقانون الدولي؟

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمواده الثلاثين يؤكد أن "بني البشر ولدوا أحراراً وهم متساوون في الكرامة والحقوق".

المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، يقول في بيان بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين إن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة عجيبة، فعندما خرج العالم من أحداث كارثية، ثبَّت الإعلان الحقوق الأساسية واعترف بالقيمة المتساوية للأفراد". ويضيف "ورغم أن المواد الثلاثين للإعلان أحدثت تحولاً في جميع مناحي الحياة، فإن جمرة العنصرية والكراهية ومعاداة المرأة وغياب العدالة لا تزال تهدد العالم".

لكن صوت تورك في ما يتعلق بالمجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة لا يكاد يسمع. صحيح أنه انتقد استئناف القتال وحذر من ارتكاب فظائع، لكنه لم ينشط في إدانة إسرائيل وتحذير العالم من الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي خلقتها، كما فعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مثلاً، علما أن مسؤولية فولكر الأساسية هي فضح انتهاكات حقوق الإنسان والسعي لمحاسبة مرتكبيها.

ما الفائدة من هذه "الوثيقة الأعجوبة" إن بقيت حبراً على ورق، وثمة دولة مستثناة منها، تقتل وتخطف وتحتل أراضي الغير دون عقاب؟ ولماذا لم يستثمر تورك هذه المناسبة كي يعلن بقوة أمام العالم إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة فارغة من أي محتوى إن لم تهب الدول القوية لنجدة سكان غزة، الذين يموتون بالمئات يومياً، بينما يعيش الأحياء منهم تحت ظروف لم يألفها أي شعب من شعوب الأرض، فلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا مأوى آمن.
قُتل حتى الآن 130 موظفاً أممياً و52 صحافياً، معظمهم فلسطينيون، ولم تحدث ضجة عالمية بشأن الموضوع وكأنه أمر عادي وأن هؤلاء يستحقون ما حصل لهم.

لقد طالب تورك بإجراء تحقيق في مزاعم اعتداءات جنسية حصلت في إسرائيل أثناء هجوم "حماس" يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ولا مشكلة هنا، فأفعال الاغتصاب إجرامية ودنيئة ويجب أن يُنزل بمرتكبيها أقسى العقوبات، ولكن ماذا عن قتل آلاف المدنيين وهدم الدور السكنية وقتل الصحافيين وموظفي الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، ومهاجمة المستشفيات والملاجئ والتجمعات البشرية والمناطق التي أعلن أنها آمنة وطُلب من المدنيين أن يذهبوا إليها؟ ألا يجب التحقيق فيها؟

وفد الاتحاد الأوروبي إلى الصين، برئاسة أورسولا فون دير لايين، يثير قضية حقوق الإنسان، علماً أن الصين تكرر دائما أنها لا تسمح بالتدخل في شؤونها الداخلية، وهذا الموقف لم يتغير. ولا مشكلة في المطالبة بتطبيق القانون الإنساني الدولي، شريطة ألا تكون المطالبة لتحقيق مكاسب سياسية. الغربيون يعرفون أن النظام الصيني لم يتغير عما كان عليه قبل سنتين أو ثلاث، بل تطور عما كان عليه في القرن الماضي، فلماذا تعاملوا مع الصين واستوردوا منها وصدَّروا إليها، والآن صاروا يثيرون قضايا حقوق الإنسان كي يقاطعوها؟

بنو البشر يولدون أحراراً وهم متساوون في الحقوق والكرامة الإنسانية، كما نص على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمعايير يجب أن تكون موحدة، ولا تُطالَب دولة بتطبيق القانون الإنساني، بينما يُغض الطرف عن دولة ترتكب مجازر وفظائع. فون دير لايين نفسها رددت المقولة التي سئم العالم سماعها ("من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها")! فهل الدفاع عن النفس يشمل قتل الأطفال والنساء والمرضى وهدم المنازل ومهاجمة المستشفيات والملاجئ؟

القضية التي أثارها الوفد الأوروبي كمثال للانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في الصين هي منع زوجة من اللحاق بزوجها المعارض المقيم في الولايات المتحدة، فاضطرت لأن تطلِّق زوجها كي يُسمح لها بالسفر للالتحاق به. لا شك في أن منع الناس من السفر تضييق على الحريات الشخصية، وهو انتهاك لحقوق الإنسان، لكن موقف الاتحاد الأوروبي من حقوق الإنسان في غزة مختلف، باستثناء إسبانيا وأيرلندا واليونان والبرتغال: صمتٌ مطبِق تجاه أعمال القتل والتدمير اليومية! دول كفرنسا وبريطانيا بدأت تغير مواقفها، ولكن بعد مقتل عشرة آلاف طفل!

أما الموقف الأميركي الحالي فيمكن قراءة خلفياته في كلام الرئيس الأسبق جيمي كارتر في مقابلة تلفزيونية عام 2010: "إن الأميركيين والإسرائيليين لا يريدون أن يعرفوا ما يجري في فلسطين من اضطهاد للفلسطينيين وانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان، تفوق ما يمكن أن يتخيله شخص في الخارج. هناك قوة سياسية في أميركا تمنع أي تحليل موضوعي للمشكلة في الأراضي المقدسة. لا يستطيع أي عضو في الكونغرس أن يطالب إسرائيل بالانسحاب إلى حدودها الدولية، أو يتحدث علنا عن مأساة الفلسطينيين. يضاف إلى هذا، العمل الدؤوب للمنظمة الإسرائيلية - الأميركية، "أيباك"، التي تمارس عملاً مشروعاً، ألا وهو إقناع الشعب الأميركي بدعم سياسات الحكومة الإسرائيلية. إن "أيباك" لا تسعى لتحقيق السلام، بل لتحفيز الأميركيين، في البيت الأبيض والكونغرس ووسائل الإعلام، من أجل كسب الحد الأقصى من الدعم للحكومة الإسرائيلية".

لقد كشفت مأساة غزة بوضوح الخلل المريع الذي يعاني منه المجتمع الدولي. صحيح أن معظم دول العالم تدعو لوقف إطلاق النار، باستثناء أميركا وبريطانيا وألمانيا، لكن ما يحدث في غزة يستحق ثورة عالمية على الوضع الذي يسمح ويشجع هذا القتل الجماعي العبثي للإنسان الفلسطيني. بعض العرب يؤيدون روسيا والصين، لمجرد أنهما يناهضان أميركا، لكنّ هاتين الدولتين لم تفعلا شيئاً، لا سابقاً ولا حالياً، لدعم القضية الفلسطينية، بل إن العلاقات الروسية -الإسرائيلية وثيقة، وإسرائيليون كثيرون جاءوا من روسيا، ويحملون الجنسية الروسية.

لا يوجد أي مبرر للاحتفال بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إسرائيل تقتل الفلسطينيين أمام أنظار العالم، وروسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، تحتل أوكرانيا وتقتل الأوكرانيين، والصين تحتجز مليون مسلم، وحقوق الإنسان تنتهك في إيران والعراق والصومال وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية وأفغانستان وميانمار ودول أخرى. الانقلابات تتوالى في أفريقيا، والديموقراطية تتراجع في أميركا وأوروبا والهند وباكستان. العالم يسير نائماً إلى الهاوية ويحتاج إلى اليقظة قبل بلوغها.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت