صراع ديني أم تلاعب بالقرارات؟

عادل صوما
2023 / 12 / 14

تعود بدايات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في القرون الأخيرة إلى سنة 1880، ويمكن تقسيمه إلى أربع مراحل، الأولى ما بين 1880 إلى 1948 عندما كانت الجالية اليهودية " اليشوف أو المستوطنين بالعربية" في فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل، قليلة العدد ضعيفة لكنها ذات أهداف وإرادة وعزيمة، لدرجة أنها تمكنت في سنة 1948 بمساعدة يهود أصحاب خبرات عسكرية من الحرب العالمية الثانية في روسيا وغيرها، من هزيمة ستة جيوش دول عربية بموارد قليلة.
المرحلة الثانية من سنة 1948 إلى سنة 1973، التي سيطر الإسرائيليون فيها على أراض ثلاث دول عربية بعد أن هزموها في سنة 1967، ولم يكن الفلسطينيون طرفا مهما في الصراع في تلك المرحلة. كان الفلسطينيون بدون موارد ويعتمدون على رؤساء الدول الناطقة بالعربية المسلمين لحل مشكلتهم، لأن المسلمين أمة واحدة، بينما كانت إسرائيل لديها موارد جيدة وجيش متفوق استطاعت بهم تحقيق أهم انتصارات اليهود تاريخياً في هذه المنطقة.
المرحلة الثالثة منذ سنة 1973 حتى آخر اتفاق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل* ولم تقم الدول الناطقة بالعربية في هذه الفترة بأية حروب ضد إسرائيل حتى اليوم.
رودس 1948
انتقل الصراع إلى مرحلة رابعة عندما أصبح الفلسطينيون طرفاً فاعلاً في النزاع، وجلسوا في مفاوضات مع الإسرائيليين، لأول مرة منذ اتفاق رودس سنة 1948 حين كانوا مجرد متابعين لما يحدث. أصبح الفلسطينيون طرفاً فاعلاً لكن بزعماء يجيشونهم بشعارات مستحيلة التحقيق، ويديرون أزمتهم بزرع المشاكل في كل دولة ناطقة بالعربية حل الفلسطينيون فيها، حيث كانت عيونهم على الأردن أولا وفشلوا في تحقيق هدفهم، ثم زعموا أن تحرير فلسطين يبدأ من جونيه، البلدة اللبنانية التي تقع فيها أهم جامعة ورهبنة مارونية.
انهزم الفلسطينيون في الأردن وكانوا سبباً مباشراً في خراب لبنان، لكن الزعماء حصدوا الدعم والملايين بسبب "القضية"، بينما شعبهم يعيش على أرضه التاريخية بموارد ضئيلة، ويعمل ألوف منهم في إسرائيل التي تمتلك الموارد الكبيرة وأحدث الأسلحة وأقوى جيوش المنطقة وصناعة التكنولوجيا المتقدمة والزراعة المتطورة والمشاريع الطموحة، علاوة على فتح قنوات ديبلوماسية علنية وسرية مع أهم الدول العربية الفاعلة.
اتفاقات واسترضاء
في المرحلة الرابعة، انتقل الإسرائيليون من البراعة والكفاءة والانتصارات العسكرية السريعة غير المعقولة، إلى مرحلة اتفاقات سلام مع دول الجوار، ومحاولات استرضاء الطرف الفلسطيني باتفاقات رسمية أملا في سلام نهائي معهم. كان الإسرائيليون جادين رغم المماطلات.
سياسة دَيان
الوقائع تقول إن الإسرائيليين بدأوا مرحلة استرضاء ومحاولة تعايش مع الفلسطينيين مباشرة بعد انتصارهم الكاسح سنة 1967، وتعاملوا مع الفلسطينيين بطريقة تختلف عن دول الجوار، لكن يبدو أن منظمة التحرير الفلسطينية أُريد لها اتجاهات أخرى غير حل الصراع واقعياً مع طرف أقوى منهم بكثير.
أُريد لها أن تكون أداة بيد الحكام العرب، ولا تكون سيدة قرارها، وكان ياسر عرفات مجرد ألعوبة بيد النظم العربية، يوافق على أمر في الصباح وقد يرفضه مساءً، حسب ما يقول له الرؤساء أو الملوك العرب، ويستثنى من هؤلاء الحكام الرئيس السادات الذي حاول جعلهم طرفاً مستقلا سيداً مفاوضاً مع اليهود بجوار الدولة المصرية، لكنهم إتُهم بخيانة "القضية" والخروج على إجماع أمة المسلمين.
ما فعله الزعماء الفلسطينيون مع عرض الرئيس السادت عليهم، يشير بوضوح إلى عدم جديتهم في حل المسألة والاستفادة منها، لأنهم مجرد رجال سراديب أو مؤامرات أو دمى أو سماسرة حروب لا يستطيعون الجلوس على طاولة مفاوضات ليتناقشوا ويتنازلوا ويربحوا ويصلوا إلى حل.
في سنة 1967 عندما استولى الإسرائيليون على الضفة الغربية وقطاع غزة، تم تطبيق ما سُمِىَّ "سياسة دَيان"، الذي كما يبدو فصل بين طبيعة صراع إسرائيل مع دول الجوار والصراع الإسرائيلي/الفلسطيني.
قال دَيان: "طالما أنكم يا سكان غزة وسكان الضفة الغربية لا تهاجموننا جسدياً، فنحن بخير معكم. يمكنكم التدريس والتفكير والوعظ بما تريدون. نحن لا نهتم. فقط لا تهاجمونا. وبالمناسبة، سنساعدكم على أن تصبحوا أكثر ثراءً".
وفي عام 1993، بنى شمعون بيريز وآخرون في اتفاقيات أوسلو ستراتيجيتهم على أسس سياسة دَيان وقالوا: سوف نمنحكم كل ما تريدون، دولة، واقتصاداً فعالاً. فقط اتركونا وشأننا.
هذا الإتفاق الذي كان سيمهد للفلسطينيين واقعياً حياة آمنة ودولة وليدة ويقدم فرص عمل عوضاً عن التصعلك وطلب المساعدات بإسم "القضية" والهجرة والاستشهاد، وصفه التاجر الفاشل سياسياً ياسر عرفات بأنه "صلح الحديبية"، لأنه بعد أن كان ألعوبة بين أصابع رؤساء النظم العربية، أصبح ألعوبة في موجة الصحوة الإسلامية يستجديها بعبارات حماسية لن تُحقق، ليستفيد منها مالياً، وحاول اللعب في قضية لا حل لها سوى السياسة والقوانين والمواثيق الدولية بقواعد وفتاوى دينية.
الصحوة الإسلامية
يبدو أن إسرائيل لم تقدّر أبعاد الصحوة الإسلامية بشكل عام على صراعها مع دول الجوار أوالفلسطينيين، واعتبرتها شأنا إسلامياً لا يعنيها، ففي بداية القرن الحادي والعشرين انسحبت من جنوبي لبنان وتركت "حزب الله" يبني "جمهورية الفقيه الإسلامية" داخل الجمهورية اللبنانية التي قد بدأت تترنح نحو الانهيار، وفي سنة 2005، أخذ آرئيل شارون خطوة أبعد وقال: "سوف نغادر غزة. نحن نخسر بعض الضحايا، لذا سنغادر غزة. سوف نسمح لكم بإدارتها"، وهدم شارون 8500 وحدة سكنية كان يسكنها يهود لإجبارهم على الرحيل، ودفعت الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل أربعة عشر مليون دولار ثمناً لبيوت زراعية بنتها إسرائيل في غزة لكي يستفيد الفلسطينيون منها ويستثمروها عوضاً عن تدميرها بواسطة الإسرائيليين قبل انسحابهم، بينما لم يفكر زعيم فلسطيني واحد ممن يملكون الملايين في شراء هذه الوحدات السكنية لشعبه من أموال "القضية".
قصور إسرائيل في مواجهة المرحلة الرابعة من صراعها مع جيران لا يؤمنون بالسلام معها لأسباب دينية، ويواجهوها بروبوتات إنسانية مفخخة أو بانتفاضات حجارة، مهّد الطريق لما تواجهه اليوم وربما غداً.
اعتقد الإسرائيليون أن هناك مجرد ميليشا إيرانية شمالي بلادهم تدير بلداً منهاراً، يستحيل عليه توقيع اتفاق سلام معهم لأن أمره ليس بيده، وسكان مدقعين في غزة محدودي الموارد يبحثون عن فرص عمل داخل إسرائيل، لصعوبة وجودها في دولة تتكلم العربية، أو حتى في دولة بنى رئيسها شرعية انقلابه على "القضية". وفي الحالتين إسرائيل قادرة على الردع عسكرياً.
مصطلح المفهوم
قال بيريز عن أهل غزة وعن الفلسطينيين بشكل عام: "انتبهوا إلى ما يفعلونه، وليس إلى ما يقولونه أو يفكرون فيه". كانت السياسة الإسرائيلية كما يبدو تأمل في أن تكون إدارة "حماس" لغزة والسلطة الفلسطينية للضفة الغربية، ناهيك عن الخلافات بينهما، ستولد إرادات حذرة بسبب وجود شيء يخسره الفلسطينيون العاديون مثل مناطق صيد السمك أو شراء منتجاتهم الزراعية أو التوظيف في إسرائيل أو غيرها من الفوائد، ومن ثمة سيكون هناك أمر واقع لا مشاكل جوهرية فيه سوى سيارة مفخخة من هنا أو قاتل عقائدي من هناك، أو أطفال لا يذهبون إلى المدارس يهاجمون السيارات العسكرية الإسرائيلية بحجارة.
أطلق الإسرائيليون المطمئنون إلى نظريتهم مصطلح "المفهوم"، على إدراة النزاع مع الفلسطينيين بعد توقف دول الجوار عن الحروب معها، و"المفهوم" يعني إثراء الفلسطينيين واسترضائهم وتوظيفهم، حتى يتعايشوا في نهاية المطاف.
الطوفان وعواقبه
يبدو أن إسرائيل تتجه إلى محو ستاتيكو "المفهوم" بعد اعتداءات 7 تشرين الأول 2023 عليها، ليس بتدمير "حماس" فقط بل بتدمير ما ربحه الغزاويون منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي منها.
الأمر صعب ومعقد ودموي، ولا يعني النجاح فيه أن السلطة الفلسطينية، السيئة والأضعف من "حماس" هي التي سوف تتولى إدارة غزة، أو أن حاكمّي مصر والأردن الضعفاء قادران على المساهمة في حل الصراع.
الأمر أعقد بكثير لأن "حماس" يستحيل أن تنتصر على إسرائيل أو تجلس معها للتفاوض لأن إرادتها وتسليحها من إيران، وما تريده "حماس" اليوم ليس انتصارها في معركة هي تعلم مسبقاً انها ستخسرها، لكن تدمير فرص السلام الممكنة بين السعودية ذات الثقل الإسلامي الكبير، ونسف كل خطط تعايش الفلسطينين مع اليهود وحل النزاع بجهود سعودية، بعد تجييش المسلمين في الغرب بشكل خاص لسببين، أولهما احراج السعودية وردعها عن المضي في طريق المفاوضات والتطبيع مع إسرائيل، أما الثاني فهو اختبار تأثير اللوبي الاخواني في الغرب ومدى نجاحه في التأثير على سياسات دوله.
نجيب محفوظ
هل سبب حياة الأزمة الفلسطينية/الإسرائيلية لعقود كثيرة قد تطول، اختلاف مفهوم الأراضي المحتلة عند الطرفين، حيث يفهمه الإسرائيليون العودة إلى حدود ما قبل سنة 1967، ويفهمه الفلسطينيون على انه تحرير كل فلسطين من الكيان الصهيوني المصطنع.
كانت عواقب انتفاضة الحجارة بناء الجدار العازل، وغير معروف حتى اليوم عواقب طوفان الأقصى. واضح فلسطينياً أن إدارة الصراع خطأ، وأن التفكير الديني لحل المأساة معناه المزيد من التعقيد والدماء والخسائر، لعدم التكافؤ بين الطرفين، ولأن الماورائيات لم تحل بتاتاً أي مشكلة أرضية. وعواقب فهم القرارات الدولية حسب الهوى، مغالطات تتقبلها شعوب مغيبة عن الواقع، بينما عواقبها الدولية وخيمة.
كتب استاذنا الروائي نجيب محفوظ في إحدى رواياته "سألتُ الشيخ عبد ربه التائه: كيف ستنتهي المحنة التي نعانيها؟ فأجاب: إن خرجنا منها سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا منها هالكين فهو العدل".


*أوسلو 1 وفيه إعلان المبادئ على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، للوصول إلى تسوية دائمة بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338 بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.
كذلك نصت اتفاقية أوسلو الأولى على أن هذه المفاوضات ستغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس واللاجئين والمستوطنات، ناهيك عن الترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين.
أوسلو 2 الموّقع في القاهرة في 4/5/1994 وفيه أحد عشرة بنداً، منها الانسحاب المُجدوَل للقوات العسكرية الإسرائيلية ونقل السلطة وهيكلية وتكوين السلطة الفلسطينية وترتيبات للنظام العام والأمن، ناهيك عن إنشاء ممر آمن بين قطاع غزة ومنطقة أريحا والعلاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت