المدنية الإلهية (6)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 12 / 12

مبدأ بهاء الله في الضمان المشترك

كان ميثاق الضمان العام المقصد الأساسي والمحور الذي دارت حوله كل الجهود منذ تكوين عصبة الأمم , فاٍن ميثاق الضمان الذي كان موضع بحث الأعضاء خلال مرحلته الأولي , وما أثاره بروتوكول جنيف في العهد الأخير في نفوس الأمم ضمن نطاق العصبة وخارجه من التيارات المضادة الشديدة , وما نشأ عنه من اقتراح جعل أوروبا ولايات متحدة وتوحيد نظامها الاقتصادي وأخيرا سياسة توقيع العقوبات التي أقرها أعضاء عصبة الأمم , كل هذه الظاهرات يمكن اعتبارها أبرز ناحية في تاريخ العالم المتباين فالقرار الذي جاء بعد تدبر عميق من جانب ما لا يقل عن خمسين دولة مشتركة في عضوية العصبة , وإعلان حكمها في نزاع اعتبرته تعدياً مقصوداً من اٍحدى الدول الأوروبية العظمي وعضو من أعضاء العصبة , واتفاق هذه الأمم بدرجة كبيرة علي توقيع العقوبات المشتركة علي الدولة المعتدية وبلوغها فيها شوطاً بعيداً , مثل هذا القرار لا يوجد له بغير شك شبيه في تاريخ الإنسانية , فلأول مرة في تاريخ البشر واجه العالم نظام الضمان المشترك الذي أعلنه بهاء الله وبينه عبد البهاء ووضعه موضع التجربة . ولأول مرة في التاريخ أعترف رسمياً وأعلن أن تحقيق الضمان المشترك منوط بالقوة والمرونة إذ كلاهما من الشروط الجوهرية .

فالقوة تعني تهيئة القوات اللازمة لتحقيق هذا النظام، والمرونة لتمكين هذه الأداة من سد الاحتياجات المشروعة وتحقيق آمال القائمين بأعبائها , ولأول مرة في تاريخ البشر بذلت شعوب العالم جهوداً كبيرة للاضطلاع بالمسئولية الاجتماعية , وشفعت التأكيدات الشفوية باستعدادات عملية , ولأول مرة أيضاً في التاريخ تجلي علي الرأي العام فكرة تأييد الحكم الذي أصدره زعماء ومندوبو الأمم وتعضيد العمل الجماعي المترتب عليه , فكم تتجلي نبوءة بهاء الله في ضوء مراحل التقدم العالمي الحديث إذ
يتفضل بقوله الأعز :

" أن اتحدوا يا معشر الملوك لعل تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتطمئن الرعية من حولكم , إن قام أحد علي الآخر قوموا عليه جميعا وأن هذا لعدل مبين ".

ويتفضل مشيرا للجهود الكبيرة المبذولة اليوم بقوله عز بيانه :

" سيأتي وقت فيه يتضح للعموم ضرورة إيجاد مجمع عالمي عام ويجب علي حكام وملوك الأرض التوجه اليه والاشتراك في مشاوراته والنظر في الوسائل التي تضع أساسات السلام الأعظم بين البشر , إذا قام أحد الملوك علي الآخر علي الكل أن يتحدوا علي منعه ".

وتوضيحا لهذا الدستور يتفضل عبد البهاء ببيانه الأحلى :

" يجب علي ملوك العالم وضع معاهدة وميثاق تكون مواده صريحة نهائية لا تقبل النقض ويعلنونه علي جميع العالم ويحصلون علي موافقة البشر عليه , ويجب تسريح جميع قوات العالم لضمان استقرار الميثاق الأعظم ونفوذه , ويجب أن يكون أساس العهد قوياً بحيث إذا قامت إحدى الحكومات بعد ذلك علي نقض بند من بنوده فعلي جميع حكومات الأرض القيام في وجهها وإخضاعها , بل علي البشر قاطبة أن يصر بكل ما لديه من قوة علي تدمير تلك الحكومة ".

أمام هذا لا يبقي شك في أن كل ما عمل إلي الآن , ومهما يكن مبلغه من الأهمية والتفرد في تاريخ البشرية , فاٍنه في حد ذاته ينقص كثيراً عن الشروط الجوهرية التي يتطلبها النظام المحدد في هذه البيانات , فعصبة الأمم كما سوف يتبين للمناصرين لها , لا تزال تفتقر إلي طابع العالمية الذي يكفل نجاحها ويحقق كفايتها في فض المنازعات العالمية , والحال تري الولايات المتحدة , مصدر وجود العصبة قد نفضت يدها منها ولا تزال في معزل عنها , وألمانيا واليابان وهما الدولتان اللتان كانتا من أقوي المعضدين لها تخلتا عنها وانسحبتا من عضويتها , وكل ما وصلت إليه العصبة من قرارات واتخذت من إجراءات إنما ينظر إليه الآخرون بأنه مظهر إحساس رائع وليس أنه دليل علي الاستقرار العالمي . وهناك فريق آخر لا يزال يدعي بأنه مع صدور مثل هذا الحكم وظهور مثل هذه التعهدات سيكون الفشل في النهاية نصيب العمل الجماعي , وسينتهي بالإخفاق دون تحقيق الغاية , بل أن العصبة نفسها ستنعدم وتقع في غمرات البلايا المزمع أن تحيط بالبشر قاطبة , ولكن وعلي فرض حدوث كل هذا , فإن أهمية الخطوات التي اتخذت إلي الآن لا يمكن إغفالها , وأنه مهما يكن من أمر الموقف الحالي للعصبة أو النتائج المترتبة علي حكمها التاريخي , ومهما يكن أيضا من أمر التجارب والتيارات المتضادة التي سوف تقع فيها وتواجهها في القريب العاجل , فأنه يجب الاعتراف بالحقيقة بأن ذلك القرار الخطير يكوّن أبرز علامة في الطريق الوعر الطويل الذي يصل بها إلي هدفها وهو المقام الذي تصبح فيه هيأة جميع الأمم المبدأ الحاكم علي الحياة العالمية .

وعلي ذلك فتلك الخطوات التاريخية ليست إلا وميضاً خافتاً في الظلام المحيط بإنسانية مضطربة , وأنها مجرد لمعة تظهر بين الحين والحين في وسط ارتباك يمتد غوراً .
إن عوامل الانحلال لابدمن أن تستمر بشدة وأثرها الشديد لابد أيضامن أن يتأصل في قلب عصر ممزق , والآم كثيرة لا تزال ضرورية لصهر شعوب البشر ومذاهبه وطبقاته وأجناسه في حوض البلاء العام , ولصقله بنيران العدل الشديدة حتى يستحيل إلي أداة لحكومة واحدة ونظام فسيح موحد ملتئم فعال , ولهذا فاٍن الحوادث القاسية , والأزمات والصدمات التي لا تخطر علي العقل , والحرب والمجاعة والأمراض الفتاكة , كل هذه قد تتضافر علي جيل غافل , وتنقش علي قلبه الحقائق والمبادئ التي رفض الاعتراف بها وأتباعها , وما من دافع لأشد شلل عرف في التاريخ ما سوف يصيب جهاز هيئة اجتماعية محطمة قبل أن يعاد بناؤها وتجديدها .

ويتفضل بهاء الله بقوله الأقدس :

" أن المدينة التي شاد بذكرها أهل الفنون والعلوم تكون شراً عظيماً علي الناس إذا تركت تتعدي حد الاعتدال ....
أن المدنية إذا أفرط فيها تكون سبباً في جلب الشر كما كانت سببا في جلب الخير عندما كانت في حد الاعتدال , سوف يأتي يوم يحرق لهيبها المدائن , وينطق لسان العظمة الملك لله العزيز الحميد ".

وفي مقام آخر يتفضل ويقول :

" منذ أن نزلت سورة الرئيس إلي اليوم ما أطمأن العالم ولا أرتاح أهله .... أن مرضه يقرب من اليأس بما منع الطبيب الحقيقي من العلاج بينما المتطببون ملحوظين بالاعتبار ولهم تمام الحرية في العمل , أن غبار الانقلاب قد أظلم قلوب الناس وأعمي أبصارهم ولسوف يرون ما اكتسبت أيديهم في يوم الله ".

ويتفضل أيضا بقوله عز بيانه :

" هذا يوم فيه تحدث الأرض أخبارها وأهل الظلم أثقالها . قد صاح المنادي والقوم أعرضوا عنه إلا أن غضبه لشديد , يبكي وينوح أهل الشمال , وأهل اليمين في الرفارف العليا يشربون خمر الحيوان من أيادي ربهم الرحمن ألا أنهم هم الفائزون ".

ملأ الاسم الأعــــــــــــــــــــظم

من عسي يكونون الفائزين غير ملأ الاسم الأعظم الذين بجهودهم العالمية المستمرة الثابتة يكوّنون العامل السليم في مجتمع يكاد الانحلال يتناول سائر نظمه المدنية والدينية ؟ أنهم بلا شك " أهل اليمين " قد أرتفع " رفرفهم الأعلى " علي عماد نظام بهاء الله العالمي فلك النجاة الأبدي في هذا اليوم العصيب . فهم من بين أبناء الأرض يرون يد الله الفادي في وسط عاصفة عاتية , يرون أثارها تعمل قابضة علي مصائر هذا العصر , وهم وحدهم الواقفون علي النمو الصامت لسياسة النظام العالمي الذي يحيكون سياجه بأيديهم , وبينما يشعرون بسمو دعوتهم ويطمئنون للقوة الإنسانية المختمرة في دينهم يتقدمون بمجهوداتهم إلي الأمام غير وجلين ولا ضالين لتكوين وإحكام الأداة الضرورية التي فيها تنمو وتنضج بذرة نظام بهاء الله العالمي , هذا هو العامل الإنشائي الذي يلتصق به أهل البهاء في أنحاء العالم , وهو الرجاء الوحيد لهيأة اجتماعية مهدمة , لأنه انبعث عن قوة ونفوذ غاية إلهية واحدة لا يعتريها تغيير , وأنه لكذلك يتشكل في قالب نظام دينه البديع , وفي عالم قد تصدع هيكل نظمه السياسية والاجتماعية , واستوحشت احساساته , وتطرق الجمود إلي نظمه الدينية بحيث فقدت خصائصها وكمالاتها نري أداة الشفاء هذه والقدرة النافخة بروح النهضة والحياة , وقوة التماسك الشديدة تأخذ طريقها إلي التشكل في قالب أنظمة تحشد الآن قواها للتمهيد لنصر روحاني وخلاص للبشر خلاصا تاما كاملا .

ومع أن الهيئة التي تتجسد فيها هذه الحقائق صغيرة , وأثارها المباشرة المحسوسة لم تبلغ مقام الاعتبار بعد , إلا أن القوى التي تجلت بها والتي من شأنها أن تجدد الفرد وتعيد بناء العالم المتهدم هي في ذاتها فوق الحصر . ففي مدى حوالي قرن، وفي وسط ضوضاء وولولة عصر مشوّش , ورغم الاضطهادات المتوالية التي تعرّض لها زعماء هذه الهيأة ونظمها وأفرادها , قد استطاعت ونجحت في الاحتفاظ بكيانها وتعزيز استقرارها وقوتها , وحماية وحدتها , وصيانة استقامة شرائعها ومبادئها , وإحكام دفاعها , وامتداد نظمها وتثبيتها , ولكم حاولت العوامل القوية المتنوعة بالعمل والتدبير في الداخل والخارج , من بعيد وقريب , إطفاء نور هذه الهيأة ومحو اسمها المقدس , ففريق خرج علي مبادئها وقام علي تشويه سمعتها , وفريق رفع في وجهها أنواع المقت واللعنة بأقسى ما يستطيعه رجال دين ممرورون، ثم لا يزال فريق آخر يوقع بها من المصائب والذلة مالا يستطيعه غير سلطان جائر في عنفوان بطشه وقوته , وكانت آمال أشد الأعداء من جاهر منهم واستتر , مجرد تعويق نموها وإخفاء مقصدها إلي حين , وإذا كان هؤلاء الأعداء قد أصابوا شيئا فهذا الشئ هو تنقية حياتها وتطهيرها وامتداد جذوعها وصقل روحها وإبداع نظمها واستحكام وحدتها , وبه تحقق لكتلة أتباعها المترامية استقلالها والتصاقها الدائم بدينها بما لم يكن هؤلاء الأتباع بمستطيعي تحقيقه بأنفسهم . فالذين خانوا الأمر من أهل الخمود وذوي القلوب الخائرة قد ذبلت نفوسهم وتساقطت أوراقهم , فلا حول لهم أن يطمسوا أنواره أو يصدعوا بنيانه , وحل القصاص العجيب بأعدائه الألداء الذين طعنوه في الخارج ونزعت عنهم القوة .

كانت إيران أول من قام في وجه الأمر فسقط ملوكها إلي الحضيض , وانقرضت أسرتهم وحلت بهم اللعنة , كما باء بالخزي والعار رجال الدين الذين كانوا خلفاءهم وعمد حكومتهم المتداعية , وتركيا التي نفت مؤسس هذا الدين ثلاث مرات وزجته في سجن ظل يقاسى فيه مدي الحياة قد مرت بها محنات , واجتاحتها ثورات تحمل أثرا بعيدا أشد ما عرف في تاريخها , وتقلصت من امبراطورية منيعة إلي جمهورية آسيوية صغيرة , ومحيت السلطنة منها وانعدمت سلالتها , وأبطلت فيها الخلافة أعز ميراث إسلامي .
يجري كل هذا بينما الدين الذي ظل موضع الاتهامات وهدفاً للسهام يتدرج من قوة إلي قوة , و يرتفع متلألئاً غير مطموس , سليماً رغم ما أصابه من بليات . و في وسط زوابع الافتتان بعث اليقين في نفوس أتباعه الأمناء بأن أية مقاومة ما بلغت لن تقوّض أركانه , و أضاء في قلوبهم مشكاة إيمان لن تقوي حوادث الزمن مهما أشتد أن تطفئها , و أدخل في صدورهم رجاء لا تزعزعه قوة مهما بلغت .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت