جدل الصورة والقناع في -الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل- لعبد العزيز المقالح..

حكمت الحاج
2023 / 12 / 9

يُعدُّ ديوانُ "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل"، الصادر راهنا عن منشورات "كتاب كناية" في طبعة ثانية (انظر الهامش أدناه)* من أهم الأعمال الشعرية للشاعر اليمني الكبير الراحل د. عبد العزيز المقالح، ومن أبرز الدواوين الشعرية العربية الصادرة في العصر الحديث، لما تضمنه من عديد المواصفات الشكلية والجمالية والموضوعاتية والفكرية والتي تبقى في صدارة انشغالاتنا المستمرة في سبيل توطيد وترسيخ قيم الحداثة والحرية في شعرنا العربي المعاصر. ويمكن إجمال تلك المتضمنات في النقاط التالي ذكرها:
-استخدام لغة شعرية حديثة ومبتكرة ومتنوعة، تتناسب مع السياقات الزمنية والمكانية والثقافية الجديدة.
-الجمع بين الكلاسيكية والحداثة في الشكل والمضمون، مستلهماً من مصادر الثقافة والتاريخ والحضارة اليمنية والعربية والعالمية.
-الإبداع في الصورة والموسيقى والإيقاع والتشبيه والرمز والحوار والسرد والتفاعل مع القارئ.
-التعبير عن موضوعات متنوعة ومهمة، منها الوطنية والعروبة والقضايا السياسية والاجتماعية في اليمن والعالم العربي، والحب والحزن والحياة والموت والروحانية والإنسانية، بأسلوب راق ومتميز.
-يرقى الديوان إلى تيار السبعينات الشعري، حيث كتبت أغلب قصائده، ونشر بعضها مفردا، في الفترة ما بين 1970 و 1976 من القرن المنصرم، وبعد ذلك جمعت ونشرت في كتاب عن دار العودة ببيروت في غرة يناير من عام 1978، في طبعة أولى (نحن بصدد طبعة الديوان الثانية التي بين أيدينا والصادرة عن منشورات "كتاب كناية" الدوري 2023) وبنظرة متفحصة على المحور الأفقي نستطيع بكل يسر ملاحظة مدى اختلاف ديوان "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" عن غيره من دواوين الشعراء من مجايلي عبد العزيز المقالح، وكذلك ملاحظة مدى المغامرة التي ارتكبها الشاعر على صعيدي الشكل والمضمون، متخطيا بذلك أقرانه في تلك المرحلة وفاتحا الباب أمام تخطي عتبة الوقوف أمام منجز قصيدة التفعيلة كما استقر بعد فورة الستينات، ليدخل بنا إلى آماد واسعة غير مطروقة حتى لكأنك حين تقرأ بعض قصائد هذا الديوان لتحسب أنك أمام قصيدة النثر في أبهى حللها او أمام قصيدة النص أو قصيدة النص المفتوح أو القصيدة المدورة، وليس أخيرا إلا أمام القصيدة الشاملة الملحمية المطولة المنطلقة من الذات/الفرد إلى الموضوع/الشعب، مستعينا بذلك ببضع تقنيات يعرفها الشعراء قبله لكنهم ندر أن استعملوها جلها في ديوان واحد، كما فعل شاعرنا المقالح في ديوانه المبهر "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل"، فبدءا من العنوان الذي جاء غريبا غير مألوف، مرورا بكل إرث وواقع النزعات اليسارية التي سادت حقبة السبعينات، منذ ثورة الطلبة في ماي 1968 وتداعياتها في بعض العواصم العربية، والالتجاء الى السوريالية في الكتابة والأروشيوعية في الفكر ملتحمة بالتروتسكية والماركسية غير اللينينية، وبزوغ نجم جديد في سماء المصير العربي ألا وهو الكفاح الوطني الفلسطيني المسلح، وظهور معجم شعري ثوري جديد، عج به هذا الديوان، مما سمح للبعض أن يروه كتابا شعريا خاصا بالثورة الفلسطينية ومؤرخا لوجدانها في خارطة الصراع الأساسي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وكانت ربما هي المرة الأولى الناصعة التي يكون لليمن حضارة وشعرة وشعبا، هذا الحضور الفاعل المنفعل في القضايا الأساسية المركزية للفكر العربي.
-لكن، وفي سياق الحديث عن التقنيات الشعرية التي استثمرها الشاعر عبد العزيز المقالح في ديوانه هذا، "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل"، فعلاوة على ما سبق ذكره منها، لابد من الإشارة الواضحة إلى واحد من أهم التقنيات التي أدارها الشاعر بذكاء وألمعية على طول قصائد هذا الديوان، وهي تلك الخطاطة الأسلوبية الرباعية التي ربما اختص بها وحده من بين شعراء تلك المرحلة، وربما أصبحت من بعده تكنيكا معتادا ومكرورا عند الشعراء وبخاصة الكبار المشاهير منهم، وتلك قضية أخرى سنرجئ مناقشتها لحين مقال قادم، وهذه الخطاطة الرباعية هي:
-الصورة،
-الرمز،
-القناع،
-الأسطورة.
وهكذا نرحل في هذا الديوان مع عروة بن الورد وصنعاء التاريخ وقمر العشق والثورة وبيروت وتل الزعتر، والإمام الحسين الشهيد وامرئ القيس الملك الضليل ووضاح اليمن والقرامطة والخوارج والمتنبي وابن عربي وسجن القلعة بالبحرين ودمون وحسين عبيد وقصر غمدان وقاسيون ويافا ونهر الكنج والإمام ومأرب وحمدان قرمط، ولكننا سنضطر للتوقف عند ذلك الاسم الصورة الرمز القناع في تجليه شعريا كأسطورة، وهو "علي بن الفضل" والذي حمل الديوان اسمه في العنوان مثلما انبنى الجهد الشعري داخل المتن كله عليه.
علي بن الفضل هو داعية إسماعيلي ومؤسس دولة القرامطة في اليمن في القرن التاسع والعاشر الميلادي. انحدر من قبيلة سبأ واعتنق عقيدة الشيعة الإسماعيلية بعد حجه إلى مكة وكربلاء. ذهب إلى اليمن مع رفيقه ابن حوشب لنشر الدعوة الإسماعيلية وحصل هناك على تأييد كبير من القبائل اليمنية. انفصل عن الفاطميين في عام 899 للميلاد، وأعلن استقلاله عنهم. توفي في عام 915 م بعد أن ترك تأثيرا كبيرا في التاريخ اليمني العربي والإسلامي.
ولكن، كيف نظر الشاعر عبد العزيز المقالح في ديوانه هذا إلى الشخصية التاريخية المعروفة "علي بن الفضل"؟
لنقرأ معا ما كتبه الشاعر المقالح كهامش توضيحي على القصيدة التي تحمل عنوان "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" وبالتحديد على الصفحة 39 من هذه الطبعة الثانية (الصفحة 54 من الطبعة الأولى) حيث يقول ما نصه:
*.."علي بن الفضل، ثائر يماني، استطاع في أواخر القرن الثالث الهجري أن يؤسس في اليمن دولة الوحدة الوطنية والعدل الاجتماعي، وأن يرفع ويطبق أيضا شعار الأرض لمن يفلحها. وقد حاول مؤرخو الإقطاع والإمامات أن يشوهوا تاريخ ذلك الثائر فباءت محاولاتهم بالفشل ، ولهذا السبب وحده ليس غير، وجدت شخصية علي بن الفضل طريقها الى الأعمال الأدبية. ونحن نشجب أي استخدام عرقي أو طائفي لأية شخصية يمنية سواء كانت أسطورية أو حقيقية حرصا على وحدة المشاعر بين أبناء البلد الواحد، ورعاية للوحدة الوطنية والقومية حلم الأجيال الطالعة والقادمة".
لقد حاول الشاعر، وربما استطاع بنجاح باهر، أن يأرضن هذه الشخصية التاريخية وينقلها من بعدها الديني الطائفي الموغل في التاريخ، ليستنبتها في التربة اليمنية الحاضرة بخلفية عروبية قومية ثورية معاصرة.
يعلمنا النقد المعاصر أن هناك طرق مختلفة لتحويل أية شخصية تاريخية إلى صورة رمزية ثم إلى قناع ومن ثم إلى أسطورة، في تجربة كتابة الشعر الحديث. وفيما يلي بعض الطرق الممكنة، والتي استخدمها جميعها بذكاء نادر، الشاعر عبدالعزيز المقالح في ديوانه هذا المشار إليه، في سبيل استنطاق الموروث الميت وجعله روحا حية معاصرة، كما فعل بالأخص مع شخصية الثائر القرمطي علي بن الفضل:
* استخدام الأليغوريا أو الليجورة: والليجورة، كما كان يحلو لأستاذنا الراحل جبرا إبراهيم جبرا أن يعربها، هي حكاية تحمل معنى خفيا، غالبا ما يكون أخلاقيا أو سياسيا. يمكن أن تمثل الشخصية التاريخية هنا فكرة مجردة أو قضية معاصرة، مثل الحرية أو العدالة أو القمع. على سبيل المثال، في قصيدة "إسبانيا" لـ أودن، يستخدم شخصية دون كيشوت لترمز إلى الروح العالية والمأساة في الحرب الأهلية الإسبانية. نفس الشيء فعله المقالح في قصيدته التي يحمل الديوان اسمها عنوانا "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل". انظر الصفحة 34 من هذا الكتاب.
* استخدام التلميح والإشارة: التلميح هو الإشارة إلى شخص أو مكان أو حدث أو عمل فني يفترض أن يعرفه القارئ. يمكن استخدام الشخصية التاريخية لإيحاء مزاج معين أو موضوع أو ارتباط، مثل البطولة أو الحكمة أو التمرد. على سبيل المثال، في قصيدة "الأرض اليباب" لـ ت. س. إليوت، يلمح إلى شخصيات تاريخية مختلفة، مثل كليوباترا وشارلمان وإليزابيث الأولى، لخلق شعور بالتدهور الثقافي والتفكك. كذلك فعل الشاعر المقالح في قصيدته الملحمية العظيمة "من تحولات شاعر يماني في أزمنة النار والمطر". انظر ص 47 من هذا الكتاب.
* استخدام التقليد الساخر: التقليد الساخر هو تقليد مضحك لشخص أو أسلوب أو نوع، غالبًا ما يكون لأغراض الانتقاد أو السخرية. يمكن استخدام الشخصية التاريخية للسخرية من أو كشف عيوب الوضع الحالي أو الشخص أو الأيديولوجية، مثل الفساد أو النفاق أو التعصب. على سبيل المثال، في قصيدة "موبرلي" لـ عزرا باوند، يسخر من الشاعر الفيكتوري روبرت براونينغ لانتقاد تدهور الشعر والثقافة الحديثة. وهذا ما فعله عبد العزيز المقالح في قصيدته "البيان الاول لعائد من ثورة الزنج". ص 66. وفي قصيدته "دخول رأس الحسين الى مدينة الشعراء"، ص 54.
* استخدام القناع: والقناع هو صوت أو شخصية يتبناها الشاعر للتحدث من خلالها، وغالبا ما تكون مختلفة عن شخصيته الحقيقية. يمكن استخدام الشخصية التاريخية لاستكشاف وجهة نظر أو تجربة أو عاطفة مختلفة، مثل الحب أو الحزن أو الغضب أو التمرد. على سبيل المثال، في قصيدة "ميدوزا" لـ كارول آن دفي، تتبنى شخصية الوحش الأسطوري الذي يحول الناس إلى حجر بنظرته، وتتخيلها كعاشقة غيورة وغير آمنة. في قصيدته "البحث عن الماء في مدن الملوك"، ص 60، وقصيدته الأخرى "دخول رأس الحسين الى مدينة الشعراء"، ص 54.
أخيرا، وإن كان لابد من ختام لكلمتنا هذه، فيمكننا أن نقول إن عبد العزيز المقالح هو شاعر عميق ومؤثر ومجدد بقدر ما كان مفكرا عميقا وناقدا مؤرخا لحركة الشعر العربي المعاصر في اليمن، فصيحه وعاميه، وكذلك في النظر الى التجربة الشعرية العربية بمجملها في حواضرها المهمة الفاعلة، مثل القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت وتونس وغيرها من أجنحة الأمة. بل ويمتد تأثير المقالح كشاعر إلى خارج حدود اليمن والعالم العربي. فقد تمت ترجمة أعماله إلى عدة لغات، مما يتيح لجمهور أوسع فهم موهبته والمواضيع العالمية التي يستكشفها. شغل وتبوأ عديد المناصب العالية وحصل على العديد من الجوائز والتكريمات عن مساهماته في الأدب، مما يؤكد مكانته كواحد من أكثر الشعراء تأثيرًا في جيله. قدرته على التقاط تعقيدات العواطف الإنسانية وملاحظاته الحادة على العالم من حوله تجعل شعره قابلاً للتعاطف ومحفزا للتفكير. من خلال كلماته، يدعو المقالح القراء العرب في كل مكان إلى استكشاف أعماق عواطفهم الخاصة والتأمل في العالم الذي يعيشون فيه، واستنطاق تاريخهم الغابر من أجل إحياء نقاط التنوير فيه. لا يمكن إنكار تأثير المقالح كشاعر، ولسوف تستمر أعماله في إلهام القراء والتأثير عليهم للأجيال القادمة.
----------
* جاء في كلمة الناشر التي تصدرت الديوان بطبعته الثانية، ما يلي:
بين أيديكم، عن سلسلة "كتاب كناية"، وبصيغتين، ورقية ورقمية، الطبعة الثانية من ديوان "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" للشاعر اليمني الكبير الراحل الدكتور عبد العزيز المقالح، بعد أن كانت صدرت طبعته الأولى منه عام 1978 عن دار العودة ببيروت.
لقد حصلت هذه الطبعة من هذا الكتاب على الترخيص الكامل من لدن مؤلفه الشاعر الراحل عبد العزيز المقالح، وذلك قبيل أيام من وفاته، له السلام وخلود الذكر، بعد جهود كبيرة ومشكورة من قبل الكاتبين اليمنيين الصديقين حميد عقبي وأحمد الأغبري، لهذا الغرض.
وبهذه المناسبة فإننا في "مؤسسة كناية الثقافية" نتقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان للسيدة آمال المقالح، كريمة فقيدنا الغالي د. عبد العزيز المقالح، لما وهبتنا إياه من عطفها ووقتها واهتمامها وعنايتها السخية، وتسهيل تواصلنا مع الشاعر الخالد إبان أيامه الأخيرة، في سبيل تتويج جهودنا جميعا لإخراج طبعة جديدة من "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل"، ذلك الديوان الهام جدا، والجريء جدا، في مسيرة الشعر العربي المعاصر، وتوفيره لعموم القراء، وخاصة من الأجيال الجديدة في ثقافتنا العربية.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشكر، أصالة عن نفسي ونيابة عن "مؤسسة كناية الثقافية المستقلة"، كل من ساهم في سبيل أن تحقق هذا الحلم ورأى النور، وهم كالتالي مع حفظ الألقاب والمقامات:
آمال المقالح، أحمد الأغبري، حميد عقبي، د. زينب الحاج، سامية خالد، عواطف محجوب، د. ناديا علم الدين، د. زينب بن ضياف، مومنت للكتب والنشر، دار نورث ماغ بريس للنشر والتوزيع، وحكمت الحاج (المشرف على إنجاز هذه الطبعة).
وربما يجدر بالذكر في هذا السياق أن نقول إن هذه الطبعة الثانية المرخصة من ديوان "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" والصادرة عن منشورات "سلسلة كتاب كناية"، إنما هي في الحقيقة نسخة طبق الأصل عن الديوان كما كان قد صدر عن دار العودة في طبعته الأولى، دون أي تدخل من أي أحد في الحفاظ على متنه وشكله، حتى ولو تضمن ذلك خطأ إملائيا أو هنة طباعية، إذ أن الشاعر الراحل المقالح لم يطلب إلينا مراجعته أو تنقيحه أو تصحيحه، وقد تم احترام هذه الرغبة بشكل مطلق حتى النهاية.
نتمنى أن تجد هذه الطبعة الجديدة من ديوان "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" لشاعره العربي اليمني د. عبد العزيز المقالح، بصيغتيها المتزامنتين، الورقية والإلكترونية، القراءة والعناية والاهتمام الذي يليق بعمل شعري جبار أثر وما زال يؤثر في فضاء الشعر العربي المعاصر، وبشاعر فذ فريد نسيج وحده، سيظل مروره بثقافتنا العربية حدثا هاما لن ينسى.
www.metonymykinaya.com منشورات كتاب كناية
....................
احصل على هذا الديوان بصيغة إلكترونية، مجانا، باتباع الرابط التالي:
https://www.4sync.com/s/ffLV6eNCZ

واحصل على نسخة ورقية منه وذلك باتباع الرابط التالي:
https://www.lulu.com/shop/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%AD-and-%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D8%B3%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D9%84/paperback/product-ryk84g.html?page=1&pageSize=4

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت